لاعبون وبيادق
لم تعد سوريا، منذ 2011 وحتى اليوم، مسرحاً لصراع داخلي فحسب، بل تحولت إلى ساحة شطرنج معقدة، تتحرك فيها القطع المحلية ليس وفق منطق المصلحة الوطنية الجامعة، بل وفق إملاءات اللاعبين الإقليميين والدوليين. وفي قلب هذه اللعبة، يبرز نموذجان متناقضان ظاهرياً، لكنهما متطابقان في الجوهر: مظلوم عبدي في الشمال، وحكمت الهجري في الجنوب. كلاهما زعيمين محليين يملكان ثقلًا طائفيًا أو عرقيًا، وكلاهما تحولا إلى “بيادق” في يد قوى خارجية، وإن بآليات مختلفة ومسارات متباينة.
لكن قراءة هذه الظاهرة تتطلب أكثر من مجرد إدانة شخصية ؛ فهي تستدعي تفكيك البيئة الحاضنة التي أنتجت هذا التحول، بيئة مشبعة بالعنف الطائفي، والإقصاء، وانهيار العقد الاجتماعي. فالبيادق لا تولد من العدم، بل تُصنع في جو الخوف واليأس، ثم تُسوَّق لللاعبين الكبار بثمن بخس.
العنف كوقود للفتنة – صناعة البيادق
قبل الخوض في تحليل الشخصيتين، لا بد من الاعتراف بحقيقة تغفلها كثير من التحليلات: أن العنف الموجه ضد المكونات السورية المختلفة كان هو الحاضنة الأولى لصناعة البيادق، وإن تفاوتت درجاته وأشكاله.
1. مجازر الساحل
شكّلت المجازر التي ارتُكبت في الساحل السوري في 7 آذار نقطة فاصلة. لم تكن مجرد أحداث دموية عابرة، بل كانت رسالة واضحة عن قدرة بعض الفصائل على ارتكاب جرائم جماعية بحق مناطق بأكملها، مما عمّق الهويات الفرعية على حساب الهوية الوطنية الجامعة.
2. الهجمات على السويداء
تعرّضت السويداء، معقل الدروز، لهجمات متكررة من فصائل مسلحة، تخللتها مجازر استهدفت المدنيين بشكل مباشر. هذا العنف لم يكن مجرد تجاوزات عسكرية، بل كان رسالة وجودية للمجتمع الدرزي مفادها: “أنتم لستم جزءاً من هذه الدولة الجديدة، وأنتم هدف مشروع”. هذا الشعور الوجودي بالتهديد هو ما مهّد الأرض لتصاعد خطاب الاستنجاد بالخارج.
3. العنف ضد الأكراد (بدرجة أقل لكنه مؤثر)
ولا ينبغي في سياق الإنصاف أن نغفل أن المكونات الكردية تعرضت هي أيضاً لعنف ممنهج، وإن بدرجة أقل من حيث الحجم والوتيرة. في حلب وسواها، وصولاً إلى الخطاب الاستعلائي الذي كان يمارسه البعض تجاه “المشروع الكردي”. هذا العنف، وإن كان أقل حدة، كان كافياً لخلق جرح جمعي لدى المكون الكردي، جعله يبحث عن ضمانات أمنية خارجية بدلاً من الرهان على دولة لم تثبت بعد قدرتها على حماية أبنائها.
4. الدرس الأول: العنف يُنتج الخوف، والخوف يُنتج البيادق
هنا تكمن الحقيقة الأولى في معادلة البيادق: الفصائل المسلحة التي مارست العنف كانت بمثابة “مقاولين غير رسميين” لهدم الدولة الوطنية. كل مجزرة ترتكب بحق مكون سوري، تدفع هذا المكون دفعاً نحو العزلة عن المحيط، وتفتح الباب على مصراعيه للوصاية الخارجية.
مظلوم عبدي – البيدق المصلحي الواعي
1. الوعد الديمقراطي والتراجع المبدئي
في بدايات صعود قوات سوريا الديمقراطية(قسد)، رُوِّج للمشروع كعقد اجتماعي جديد يقوم على الديمقراطية والتعددية والشراكة الوطنية. الاسم نفسه كان يحمل في طياته وعداً بدولة مدنية جامعة. لكن عند لحظة الحقيقة، انكشف التناقض الصارخ بين الشعار والممارسة.
2. اختبار 7 آذار
جاءت مجازر 7 آذار في الساحل لتكشف الوجه الحقيقي للبراغماتية العبديّة. فبدلاً من استخدام ثقل “قسد” العسكري والسياسي للضغط من أجل محاسبة الجناة، أو الدفع نحو انتقال ديمقراطي حقيقي يضمن عدم تكرار المأساة، أبرم عبدي اتفاقاً مع الحكومة المؤقتة بعد ثلاثة أيام فقط من المجازر، والدم لم يجف بعد.
هذا التوقيت ليس بريئاً؛ فهو يشير إلى أن القرار لم يكن سورياً وطنياً، بل جاء بتوجيه أمريكي مباشر لإخماد الحريق ومنع انهيار الكيان السياسي الجديد، حتى لو كان الثمن هو الصمت على الجرائم. هنا، تحول القائد من ممثل لمكون سوري”إلى مدير أزمات لصالح الراعي الخارجي.
3. مفارقة الاسم: التضحية بـسوريا والديمقراطية من أجل القوات
عند لحظة التفاوض على التسويات النهائية، تبين أن الأولوية كانت لـ القوات (الكيان العسكري والأمني)، على حساب سوريا (الهوية الجامعة)، والديمقراطية (المضمون المدني).
بدلاً من المطالبة بدولة مدنية حقيقية تضمن المساواة لجميع السوريين، قبل عبدي بامتيازات خاصة للأكراد (إدارة ذاتية، دمج الميليشيا كوحدة مستقلة في الجيش). هذا التحول يكشف أن الديمقراطية”كانت غطاءً أيديولوجياً لجذب الدعم الغربي، بينما الجوهر كان القومية والأمن الفئوي.
4. الحكم التحليلي: العميل ذو المصلحة الذاتية
مظلوم عبدي ليس بيدقا أحمقا يجهل ما يفعل، بل هو بيدق واعٍ، أو ما يسميه خبراءالسياسة بـ “العميل ذي المصلحة الذاتية”. هو يدرك أنه يتخلى عن المبادئ الديمقراطية مقابل الحفاظ على الكيان العسكري وامتيازات المكون، وهو يدرك أن هذا التنازل هو الثمن الذي يطلبه الراعي الأمريكي لضمان عدم تعرضه للمحاسبة.
حكمت الهجري – البيدق الطائفي وشرعنة التدخل
1. التصريح المثير للجدل
أثار الزعيم الروحي لطائفة الموحدين الدروز في سوريا، حكمت الهجري، جدلاً واسعاً بتصريحاته الأخيرة التي وصف فيها الدروز بأنهم “جزء لا يتجزأ من دولة إسرائيل” و“مواطنون أزليون” فيها، مدعياً أن إسرائيل “أنقذتهم من الإبادة”. وقد لاقى هذا التصريح رفضاً وإدانة حتى من مرجعيات درزية في لبنان، مما عزز عزلة الهجري عن إجماع طائفته.
2. السياق الحاضن: جراح السويداء
لا يمكن فهم هذا التحول في خطاب الهجري بمعزل عن الصدمة الأمنية والوجودية التي تعرضت لها السويداء. الهجمات والمجازر التي استهدفت المدنيين من قبل فصائل مسلحة خلقت شعوراً عميقاً بانعدام الأمان، وشعوراً بأن العقد الاجتماعي مع الدولة قد انهار. في هذا الفراغ، لم يعد الحديث عن الدولة المدنية رفاهية فكرية، بل أصبح يبدو كحبر على ورق أمام تهديدات وجودية ملموسة.
3. بين الخوف المشروع والخيانة الاستراتيجية
هنا يجب التمييز بدقة بين أمرين:
- الخوف المشروع للمجتمع الدرزي: هو خوف حقيقي ومبرر ناتج عن تجارب دموية مع فصائل لم تحترم حرمة المنطقة أو دمائها. هذا الخوف يستحق التفهم والتعاطف، ولا يجوز اختزاله في “خيانة”.
- الاستغلال السياسي من قبل الهجري: هو قيامه بتحويل هذا الخوف المشروع إلى رهن استراتيجي لإسرائيل. بدلاً من المطالبة بدولة قوية تحمي الجميع، أو بناء تحالفات وطنية مع قوى سورية أخرى ترفض اعتداءات الفصائل، اختار الهجري اختصار الطريق عبر وصاية إسرائيلية مما يحول المجتمع من ضحية إلى شريك في التفكيك الوطني.
4. الخطأ الاستراتيجي الفادح للفصائل المهاجمة
من منظور استراتيجي بحت، ارتكبت الفصائل التي هاجمت السويداء خطأً كارثياً حقق لإسرائيل أحلامها دون أن تطلق إسرائيل رصاصة واحدة:
- تفكيك النسيج الوطني: دفعت هذه الهجمات المجتمع الدرزي دفعاً نحو العزلة عن المحيط السوري.
- توفير الذريعة الذهبية لإسرائيل: أعطت هذه الفصائل تل أبيب الغطاء الأخلاقي والإعلامي المثالي. فإسرائيل لم تعد بحاجة لاختلاق مبررات للتدخل؛ بل أصبحت تقول للعالم: “انظروا، هذه الفصائل تبيد الأقليات، ونحن نتدخل إنسانياً لحمايتهم”.
- إضعاف الدولة المركزية: كل اعتداء على السويداء يضعف شرعية وقدرة الحكومة في دمشق على فرض سيادتها في الجنوب.
5. الحكم التحليلي: البيدق المستغل
في هذه الحالة، يبدو الشيخ الهجري كـبيدق كلاسيكي يتم تحريكه واستغلال خطابه المتطرف لشرعنة الوجود العسكري الإسرائيلي. عزلته عن الإجماع الدرزي والمجتمعي تجعله أداة مثالية لسياسة خارجية دون أن يملك هو قوة حقيقية مستقلة.
التقاطعات والفروقات بين النموذجين
نقاط التشابه
- التخلي عن المبادئ الوطنية: كلاهما تخلى عن المشروع الوطني الجامع (الديمقراطية، المواطنة المتساوية) لصالح مصالح فئوية ضيقة.
- الاستناد إلى دعم خارجي: كلاهما يعتمد على قوى خارجية (أمريكا لعبدي، إسرائيل للهجري) لضمان بقائه ونفوذه.
- تفكيك الدولة الوطنية: كلاهما يساهم، بقصد أو بغير قصد، في إضعاف الدولة المركزية وتحويل سوريا إلى دولة محاصصات أو “كانتونات” يسهل اختراقها من الخارج.
- الخلفية المشتركة: كلاهما يستند إلى جرح جمعي حقيقي لمكونه (كرد/دروز)، لكنه اختار تحويل هذا الجرح إلى رهن استراتيجي بدلاً من استخدامه لبناء تحالفات وطنية.
نقاط الاختلاف
- آلية الاستغلال: عبدي يستخدم “البراغماتية السياسية” و”التفاوض على الحصص”، بينما يستخدم الهجري “الخطاب الطائفي المتطرف” و”الاستنجاد بالخارج”.
- الشرعية المحلية: عبدي يملك قاعدة شعبية أوسع (الأكراد)، بينما الهجري لا يملك الإجماع الدرزي والمجتمعي.
- الهدف الاستراتيجي: عبدي يسعى للحفاظ على “كيان عسكري” داخل الدولة، بينما الهجري يسعى لعزل المنطقة عن الدولة تماماً.
- درجة الوعي: عبدي “بيدق واعٍ” يتفاوض على شروطه، بينما الهجري “بيدق مستغل” يُركَّب خطابه لخدمة أجندة خارجية.
كيف يخدم هذا اللاعبين الإقليميين؟
الدول الإقليمية (تركيا، إيران، إسرائيل) وحتى الولايات المتحدة، لا تفضل وجود دولة سورية مدنية، قوية، وموحدة، لأن الدولة الوطنية القوية تطرد الوصاية الخارجية. ما يريده الخارج هو زعماء مكونات يمكن التفاوض معهم على حصص، أو تهديدهم بسحب الدعم.
اللاعبون الحقيقيون – من يحرّك الخيوط؟
إذا كان عبدي والهجري بيادق، فمن هم اللاعبون؟
1. الولايات المتحدة
تسعى واشنطن إلى إدارة الاحتكاك بين حلفائها (تركيا وإسرائيل) عبر الحفاظ على زعماء مكونات يسهل التفاوض معهم. دمج “قسد” في الجيش السوري هو نموذج لهذه الإدارة: يرضي تركيا (بتفكيك الكيان الكردي المستقل)، ويحفظ لأمريكا ورقة ضغط في الشمال.
2. تركيا
ترى أنقرة أي وجود كردي مستقل تهديداً وجودياً. لكنها تقبل بـالدمج المشروط لأنه يضمن لها نفوذاً في الشمال دون الحاجة لحرب مكلفة.
3. إسرائيل
تسعى تل أبيب إلى تفكيك الدولة السورية إلى مناطق عزل، وتستخدم ورقة حماية الأقليات (الدروز تحديداً) كذريعة للوجود العسكري الدائم في الجنوب. تصريحات الهجري هي هدية مجانية لهذه الاستراتيجية.
4. إيران وحلفاؤها
رغم تراجع نفوذها بشدة بعد 2024، لا تزال تتربص وتنتظر فشل امريكي في ضبط الساحة ,وتراهن أن سوريا ستبقى ساحة مفتوحة .
من يتحمل المسؤولية؟
- الفصائل المسلحة المعتدية: تتحمل المسؤولية التاريخية والأخلاقية الأولى في دفع المكونات (الدروز، الأكراد، وغيرهم) نحو أحضان العدو. بسلوكها العشوائي والطائفي، حولت سوريا في عين أبنائها إلى تهديد، وفتحت الباب على مصراعيه للوصاية الإقليمية.
- حكمت الهجري: يتحمل مسؤولية الخيانة الاستراتيجية، لأنه استغل جرحاً حقيقياً ومبرراً لبيعه بثمن بخس لإسرائيل، بدلاً من استخدام هذا الغضب المشروع للضغط من أجل بناء “حرس وطني سوري” حقيقي يحمي المنطقة تحت سيادة الدولة.
- مظلوم عبدي: يتحمل مسؤولية التنازل المبدئي، لأنه استثمر الجرح الكردي في الحفاظ على امتيازات فئوية، بدلاً من بناء تحالف وطني عريض مع مكونات أخرى تعرضت للعنف ذاته.
- الدولة السورية: تتحمل مسؤولية التقصير في عدم بسط هيبتها بسرعة، ومعاقبة المعتدين من الفصائل، مما ترك المكونات تشعر أنها وحيدة في مواجهة الخطر.
من البيادق إلى اللاعبين – شروط التحول
الدرس الأول: لا تُصنع الدول بالقوة الغاشمة
أي فصيل يعتقد أنه يستطيع إخضاع منطقة أو مكون معين عبر السلاح والمجازر، فهو في الحقيقة يعمل كـ “مقاول غير رسمي” لصالح القوى الإقليمية المعادية للدولة الوطنية، لأنه يدفع بتلك المكونات حتماً للبحث عن حماية خارجية.
الدرس الثاني: الأمن الحقيقي يأتي من الدولة لا من الوصاية
الأمن الحقيقي للمكونات لا يأتي من وصاية إسرائيلية ولا من بطش فصائل، بل يأتي فقط من دولة وطنية قوية، عادلة، وتضمن المساواة في المواطنة والحماية للجميع.
الدرس الثالث: الفرق بين البيدق واللاعب
الفرق بين البيدق واللاعب في سوريا اليوم لا يكمن في حجم القوة المسلحة فحسب، بل في القدرة على ربط المصير المحلي بالسيادة الوطنية الجامعة. أي محاولة للفصل أو الاستقواء بالخارج ستؤدي حتماً إلى تآكل الشرعية المحلية وتحول الفاعل إلى أداة قابلة للاستبدال بمجرد انتهاء صلاحيتها الاستراتيجية.
الدرس الرابع: إشكالية الانتقال السياسي
لا يمكن بناء دولة عدالة وقانون من خلال قادة ميليشياويين، لأن منطق الميليشيا هو “السيطرة والامتياز”، بينما منطق الدولة هو “المواطنة المتساوية والقانون”.
التاريخ لن يرحم من باعوا المبادئ مقابل الامتيازات. فحينما ترى المكونات الأخرى أن العدالة والقانون مجرد شعار يُرفع عند الحاجة للغرب، ويُرمى به في سلة المهملات عند التفاوض على الحصص، فإن الثقة تنهار. وهذا الانهيار في الثقة هو ما يبقي سوريا ساحة شطرنج، حيث لا يوجد لاعب وطني حقيقي، بل فقط مديرون لمصالح خارجية يرتدون أقنعة محلية.
لن تتحول سوريا من ساحة بيادق إلى دولة لاعبين إلا حين يدرك كل مكون أن أمنه الحقيقي لا يأتي من وصاية خارجية، بل من دولة وطنية جامعة، عادلة، وقوية. وحتى ذلك الحين، ستستمر اللعبة، وسيستمر اللاعبون الكبار في تحريك الخيوط.
(رأي الموقع)