لماذا يمكن احتواء الاحتجاجات بسهولة؟
رأى كثير من المراقبين، ومنهم محللون محترمون، في حركة الاحتجاجات الأخيرة في سوريا على خلفية ارتفاع أسعار الطاقة والمشتقات النفطية. فرصة لتصحيح المسار , وذهب بعضهم في قراءاته إلى أن هذا الغليان الشعبي يؤشر لفقدان الثقة بالأداء الحكومي الانتقالي، ومقدمة لتصعيد ثوري أكبر قد يعيد رسم الخريطة السياسية. ولكن حين نقرأ بهدوء، وبعيداً عن الأماني، ما يجري على الأرض، نصل إلى خلاصة قد تبدو قاسية للبعض: هذا الاحتجاج هو صرخة قد لا تصل لمكان، ويمكن للدولة احتواؤها بسهولة نسبية.
التواضع التاريخي ومحددات السقوط
بداية، لا بد لنا من الاعتراف والتواضع قليلاً أمام دروس التاريخ القريب. حركة الاحتجاجات السورية الأصلية في عام 2011، ورغم ضخامتها وتضحياتها الجسام، لم تؤدِ مباشرة إلى سقوط نظام الأسد. ما فعله الحراك الشعبي هو أنه أضعف النظام وهشّش بنيته الداخلية لدرجة أنه أصبح أداة طيعة وعبئاً ثقيلاً على حلفائه. وحين قرر الخارج(الإقليمي والدولي) التخلي عنه في أواخر عام 2024، سقط النظام في عشرة أيام لا أكثر.
هذا هو المحدد الرئيسي الذي يغفله المحللون: الاحتجاجات الداخلية وحدها، في ظل التوازنات الجيوسياسية المعقدة، لا تسقط الأنظمة ما لم تجد ظهراً حيوياً أو قراراً دولياً بتغيير المعادلة. في المشهد الحالي (أيلول 2026)، لا يوجد هذا المحدد الخارجي الداعم لإسقاط الحكومة الانتقالية الحالية؛ بل إن المجتمع الدولي يميل إلى منحها فرصة تاريخية لإدارة المرحلة، مما يعني أن الحراك الشعبي يترك وحيداً في مواجهة الدولة.
سقف الجوع وغياب المشروع القيمی
هل هذا يعني أن الحراك الحالي غير أصيل، وأن الجوع ليس حقيقياً؟ كلا، هذا مؤكد. الجوع حقيقي، والبرد قارس، والألم معاش. ولكن هذا الألم محكوم بسقف لا يتعداه.
الناس في الشوارع اليوم لم يتحركوا بدافع تطوير أداء القائمين على الدولة السورية ،ولا بدافع محاسبة التقصير الحكومي في جميع المجالات ولا بدافع الدفاع عن الهوية الوطنية، ولم يرفعوا لافتات تدعو للقيم التي من المفترض أنها كونت أساس الحراك السابق (الحرية، العدالة، الكرامة، والمساواة). الحراك الحالي هو “رد فعل غريزي” تجاه ضائقة اقتصادية اشتدت بعد قرار رفع الدعم عن المحروقات, سقفه إقالة الوزير.
وعلم الاجتماع يخبرنا أن الحراك الذي ينطلق من البطن فقط، يتوقف عند حدود البطن . هو حراك مطلبي وليس تأسيسي, وبما أنه يفتقر إلى الإطار الأيديولوجي أو القيمي الذي يربط بين الفرد والجماعة في مشروع وطني مشترك، فإنه يسهل احتواؤه عبر طرق متعددة: سواء عبر الترقيع الاقتصادي (دعم فئات محددة)، أو عبر الإدارة الأمنية الذكية التي تفصل بين المطالبين الاقتصاديين والمحرضين السياسيين، أو عبر الخطاب الإعلامي الذي يبرر القرار بـالضرورة الاقتصادية وبناء الدولة.
(دروس من العالم)
التاريخ الحديث والمعاصر يعج بأمثلة تؤكد أن الاحتجاجات الاقتصادية البحتة، رغم عنفها الظاهري، يسهل احتواؤها أو إجهاضها لأنها تفتقر إلى الأساس القيمي:
- لبنان (انتفاضة 17 تشرين 2019): بدأت كصرخة اقتصادية بحتة (“كلن يعني كلن”) ضد ضريبة على الواتساب. ورغم ضخامتها، افتقرت إلى مشروع سياسي بديل. ما إن مر الوقت، حتى تشرذم الحراك، وتم احتواؤه عبر الانهاك الاقتصادي والطائفي، ليعود البلد إلى مربعه الأول.
- مصر (احتجاجات الخبز 2016-2019): بعد ثورة 2011 التي حملت بعداً سياسياً وقيمياً، جاءت موجات لاحقة من الاحتجاجات الاقتصادية بسبب رفع الدعم. الدولة المصرية احتوتها بسهولة عبر مزيج من القوة الأمنية والكرتونات التموينية (الدعم السلعي)، لأن الحراك لم يكن يحمل مشروعاً لإسقاط الدولة بل لطلب حصص أكبر من الميزانية.
- العالم المتقدم (السترات الصفراء في فرنسا): حتى في الديمقراطيات العريقة، الاحتجاجات الاقتصادية (كاحتجاجات فرنسا على ضريبة الكربون) يتم احتواؤها في النهاية عبر التنازلات المالية من الدولة (تجميد القرار، منح بدلات)، دون أن يهز ذلك أركان النظام الجمهوري أو يغير هيكل الدولة.
من غرامشي إلى النيوليبرالية (الإطار النظري)
لفهم لماذا يسهل احتواء هذا الحراك، يمكننا الاستعانة بمفاهيم نظرية عميقة:
1. أنطونيو غرامشي: يميز غرامشي بين “المطالب الفئوية/الاقتصادية” و”المشروع السياسي”. الاحتجاجات الحالية تقع في فخ ما أسماه غرامشي بـ “الاقتصادوية” ، حيث ينحصر نضال الطبقة في المطالبة بتحسين شروط بيع قوة عملها أو الحصول على دعم سلعي، دون السعي لبناء إرادة جماعية تهدف إلى تغيير الدولة أو خلق إدارة جديدة. الدولة تدرك هذا جيداً؛ فهي تتعامل مع المحتجين كـزبائن يطالبون بخدمات، وليس كـمواطنين يطالبون بحقوق وجودية. والزبائن يمكن إسكاتهم عبر الرشاوى الاقتصادية المحدودة.
2. خصخصة المعاناة: في العصر النيوليبرالي، كما حللها فوكو وديفيد هارفي، تم تفكيك الطبقة الاجتماعية ككيان جماعي، وتحول الفرد إلى مقاول لذاته . عندما ترفع الدولة الحالية أسعار المحروقات (كجزء من وصفات نيوليبرالية لإصلاح الاقتصاد أو تقليل العجز)، فإنها لا تواجه ثورة بل تواجه مستهلكين غاضبين. النيوليبرالية نجحت في “خصخصة المعاناة”؛ فالشخص الذي يحتج على سعر المازوت هو نفسه شخص يقترض بفوائد ربوية، أو يبيع كليته، أو يرسل ابنه في قوارب الموت. المعاناة أصبحت فردية، والحلول أصبحت فردية. الدولة النيوليبرالية لا تحتاج إلى قمع المحتجين اقتصادياً بقدر ما تحتاج إلى إدارتهم بيوسياسياً أي إدارة حياتهم وبقائهم عبر شبكات أمان هشة ومنظمات إغاثية، مما يحول الغضب الثوري إلى تفاوض يومي مرهق على لقمة العيش.
الجوع حقيقي، والصرخة مبررة، لكن التحليل السياسي الرصين يفرض علينا رؤية الحدود. الاحتجاجات الحالية هي صمام أمان لضغط اقتصادي هائل، وليست بركاناً سيغير الخريطة.
الحكومة الحالية تستطيع احتواء هذه الاحتجاجات بسهولة عبر أدواتها (الأمنية، الإعلامية، والترقيعية الاقتصادية)، لأن الحراك يفتقر إلى السقف القيمي الذي يصنع الثورات. لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في أن هذه الاحتجاجات ستسقط الحكومة، بل في أن سهولة الاحتواء هذه قد تغري صناع القرار بالاستمرار في سياسات نيوليبرالية قاسية، مما يحول المجتمع السوري من شعب يبحث عن دولة إلى جمهور من المستهلكين المنهكين والبائسين .
(رأي الموقع)