مأساة المثقف الذي باع صوته بـ “لا شيء”
في قاعة لا تسجلها خرائط الأرض، تمتد من هنا إلى اي مكان، وفي نظام قائم بأرواحه وإن كان بائداً بأسمائه، في مكان حقيقي يُدمي القلوب ومتخيل يُعري الضمائر.. تجلس على كرسي الاتهام “شخصية افتراضية” تمثل سواداً كبيراً من مثقفينا.
نستثني من هذه الجلسة – موسى العمر وهادي العبد اللة وجميل الحسن- فهؤلا واضحون , طبعا ومن قلدهم واتبعهم وسار سيرهم , في نظام قائم وبائد وفي مكان حقيقي ومتخيل .من الآن وإلى يوم الدينونة.
مرحلة الاستجواب: ماذا جنيت؟
أيها المثقف.. انظر في مرآة هذه القاعة، وأجب بصوت عالٍ إن كان لك صوت: ماذا جنيت من صمتك؟ ماذا جنيت من تغاضيك عن السوء؟ ماذا جنيت لبلدك؟ ماذا جنيت لمستقبل الناس فيه؟
هل تنعمت يوماً بفيلا مطلة على بحر لم تعد تراه إلا في أحلامك؟ هل ركبت سيارة “ناهو” فخمة اشتريتها بدم من لم يذق طعم النوم؟ هل حظيت بـ “سبية” من غنائم السلطة، أو اشتريت بضميرك جارية من سوق النخاسة الجديد؟ هل تدفقت عليك الدولارات فبللت جفافك؟ هل فُتحت لك الاستثمارات فأصبحت شريكاً في بناء ما هُدم؟
تصمت الشخصية الافتراضية، ويرتجف صوتها لتجيب: لا.. لم أنل شيئاً.
لا شيء! لم تنل فيلا، ولا سيارة، ولا دولاراً، ولا حتى رضا من ضميرك. لقد بعت صوتك، وخنقت حريتك، وتخليت عن شعبك.. ولم تربح حتى ثمن وجبة رخيصة ! فما الذي يدفعك للصمت والخضوع؟
أيها المثقف، لقد كنا نعرفك في النظام السابق أسداً هصوراً. كنت ترفع لواء الدفاع عن المظلوم، وتجهر بالرأي، وتكتب بالحبر الذي يمزجه عرقك ودمك. كنت تقول -لا- في وجه الطغاة، فدخلت السجون، وعُذبت، وشُردت. واليوم، في ظل الحكومة الانتقالية الحالية، التي كان يفترض أنها ثمرة تضحياتك، تحولت إلى ظلك. اكتفيت بـ حرتقات وتعابير غامضة، تلمح ولا تصرح، وتكتب بين السطور خوفاً من قراءة السطور. لماذا؟
هل سكتّ لأنك طائفي؟
يجيب الضمير: لا، الطائفية ليست سوى الشماعة التي تعلق عليها جبنك. الطائفية هي التفسير السطحي الذي تختبئ خلفه لتبرر خيانتك للمفاهيم الجامعة. أنت لم تسكت لأنك تدافع عن طائفتك، بل لأنك نسيت وطنك.
الحكم التراجيدي :
أيها المثقف الصامت.. بما أنك لم تربح فيلا ولا دولاراً، وبما أنك خسرت وطنك، فإن محكمة التاريخ تصدر حكمها عليك لا بالسجن، بل بشيء أقسى:
أولاً: يُحكم عليك بأن تعيش طويلاً.. لترى أهلك وأبناءك، الذين لم يكتبوا سطراً واحداً، يصبحون أكثر شجاعة منك، ويكتبون ما عجزت عن قوله.
ثانياً: يُحكم عليك بأن تظل حبيس المنطقة الرمادية، لا أنت تُحسب على رجال السلطة الجدد لأنهم يحتقرونك، ولا أنت تُحسب على الشعب لأنهم لم يعودوا يثقون بك.
ثالثاً: يُحكم عليك بأن تقرأ في المستقبل كتب التاريخ، فترى أن اسمك كُتب في الهوامش بعبارة: “مثقف عرف الحق، وعرف الباطل، فسكت عن كليهما ليحفظ ماء وجهه، فلم يحفظ ماء وجهه ولم ينقذ وطنه”.
خاتمة الجلسة:
أذا كان الصمت في عهد الطغيان خيانة، فإن الصمت في عهد الحكومة الانتقالية هو خيانة مضاعفة. لقد خان النظام السابق جسدي، لكنك أيها المثقف بخنوعك، خنت روحي وأمل الأجيال التي تجيء من بعدك. لقد باع غيرك ضميره بـ فيلا ودولارات، أما أنت فبعته بـ “لا شيء”.. وهذه هي محنتك: أن تكون خائناً بالمجان!
(رأي الموقع)