(الحكومة) السورية والهروب المستمر…لكن ,إلى أين ؟
تلجأ بعض الحكومات، عبر التاريخ، إلى ما يمكن تسميته باصطناع “العدو الوهمي” كأداة سياسية لإعادة ترتيب المشهد الداخلي، وصرف الأنظار عن الأزمات، والالتفاف على المطالب الشعبية. هذه الظاهرة ليست جديدة، بل تشكّل جزءًا من ترسانة الأدوات التي تستخدمها أنظمة سياسية حين تعجز عن الإيفاء بوعودها أو تواجه تراجعًا في شرعيتها.
مفهوم العدو الوهمي
العدو الوهمي ليس بالضرورة كيانًا غير موجود، بل قد يكون طرفًا حقيقيًا يُضخَّم خطره أو تُعاد صياغته إعلاميًا ليصبح محور الاهتمام العام. الهدف هو خلق حالة استنفار دائمة تجعل الجمهور ينشغل بالخطر الخارجي أو الداخلي بدل مساءلة السلطة عن الأداء، والوعود، والفساد، وسوء الإدارة.
في كتابه الشهير 1984، صوّر أورويل George Orwell دولة تُبقي شعبها في حالة حرب مستمرة مع عدو متغيّر، بحيث تصبح الحرب أداة لضبط الداخل، لا مجرد صراع خارجي. الأدب هنا يعبّر عن آلية سياسية واقعية: توحيد الصفوف عبر الخوف.
أمثلة تاريخية
- في ألمانيا النازية، استخدم نظام هتلر خطاب “الخطر الداخلي” لتحميل جماعات بعينها مسؤولية الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.
- خلال حقبة “الخطر الأحمر” في الولايات المتحدة، صعدت موجة المكارثية بقيادة جوزيف مكارثي، حيث جرى تضخيم تهديد الشيوعية داخليًا لتبرير حملات تطهير سياسي.
- في سياقات أخرى معاصرة، تلجأ بعض الأنظمة إلى شيطنة المعارضين أو الأقليات أو حتى “الإعلام” و“السوشيال ميديا” بوصفها أدوات تهديد للأمن والاستقرار.
المشترك بين هذه الحالات هو أن السلطة حين تواجه أزمة شرعية أو فشلًا اقتصاديًا، تميل إلى تحويل الصراع من “شعب ضد سلطة” إلى “شعب ضد عدو”.
الحالة السورية: بين التعهدات وصناعة السردية
في السياق السوري، يحذّر بعض المراقبين من أن السلطة قد تسعى إلى إعادة إنتاج منطق “العدو الداخلي” عبر التنقل بين ملفات “الفلول”، و“الأكراد”، و“الدروز” وأخيرا داعش ، بوصفها تهديدات تستوجب الالتفاف حول القيادة، بدل الالتفات إلى المطالب المعيشية والسياسية.
فقد صدرت تعهدات واضحة، منها:
- زيادة الرواتب بنسبة 400%، وهو ما لم يُنفذ.
- إعلان أن منطق “الثورة” قد انتهى وأن دور المؤسسات قد بدأ، دون أن يترجم ذلك إلى بناء مؤسسات مستقلة وفاعلة.
- التعهد بتشكيل برلمان، وحتى بعد انتقاء أعضائه، لم يُستكمل الاستحقاق المرتبط بتعيين الرئيس المؤقت لثلث أعضائه وفق الآلية المعلنة.
هذا التباين بين الوعد والتنفيذ يخلق فجوة ثقة. وفي مثل هذه اللحظات، قد يكون أسهل على أي سلطة أن تغيّر جدول الأعمال العام بدل معالجة أصل المشكلة.
الخطاب تجاه “الجماهير”
من المؤشرات الخطيرة في أي تجربة سياسية، صدور تصريحات تقلل من شأن الرأي العام، أو تعتبر أن “الجماهير” لا ينبغي الانسياق لرأيها لأن لدى السلطة “خطة” خاصة بها. كما أن التقليل من شأن وسائل التواصل الاجتماعي، واعتبارها مجرد ضجيج “عوام”، يتجاهل حقيقة أن هذه الوسائل نفسها كانت في مراحل سابقة أداة تعبئة ومنح شرعية.
إن وصف الناس بالقطيع، أو التعامل مع الرأي العام بوصفه عبئًا لا شريكًا، يعكس أزمة في فهم طبيعة العقد الاجتماعي. فشرعية أي سلطة حديثة تقوم على الرضا الشعبي والمساءلة، لا على إدارة الإدراك عبر التخويف أو صناعة أعداء.
بين الأمن والمساءلة
لا شك أن أي دولة تواجه تحديات أمنية حقيقية، وأن الحفاظ على الاستقرار ضرورة. لكن الفرق كبير بين إدارة تهديد واقعي بشفافية، وبين توظيف الخوف كآلية دائمة لتعليق المطالب وتأجيل الاستحقاقات.
حين تتحول كل مطالبة بالحقوق إلى تهديد للوحدة، وكل نقد إلى تآمر، يصبح المجال العام مغلقًا، ويغيب الحوار، وتترسخ القطيعة بين الحاكم والمحكوم.
اصطناع العدو الوهمي قد يمنح السلطة مهلة زمنية، لكنه لا يحل الأزمات البنيوية. فالوعود غير المنفذة، والمؤسسات غير المكتملة، والتصريحات التي تنتقص من وعي الناس، كلها عوامل تُراكم الاحتقان بدل تبديده.
الاستقرار الحقيقي لا يُبنى على الخوف، بل على الثقة. والثقة لا تُشترى بخطاب تعبوي، بل تُبنى بالوفاء بالتعهدات، واحترام الرأي العام، وتحويل الشعارات إلى سياسات ملموسة. في النهاية، الشعوب ليست قطيعًا، بل شريكًا أصيلًا في أي مشروع وطني.
(رأي الموقع)