الصوت والصدى
جلسَ “الصوت” على حجرٍ عند طرف البلاد، يراقب الغبار المتصاعد من الطرقات القديمة. لم يكن ينتظر أحداً، لكنه فوجئ كعادته بظهور “الصدى”. كان الصدى يصل دائماً متأخراً، ويكرر ما قيل بطريقة تجعله يبدو جواباً.
قال الصوت:
لا قطار يجري على سكة حديد، ولا طائرة وطنية ترفع العلم في السماء، ولا جسر يعبر التعب عليه ، ولا شركة نقل عامة تنقل الناس بانتظام، ولا شرطي مرور يعرف أن مهمته تنظيم السير لا الوقوف متفرجاً عليه، ولا مؤسسات يشعر المواطن أنها تعمل من أجله. حتى أبسط مظاهر الدولة أصبحت أقرب إلى الذكريات منها إلى الواقع.
ابتسم الصدى وقال:
رويدك يا رجل. نحن في مرحلة التمكين. التمكين أولاً، ثم تأتي القطارات والطائرات والجسور. لا تستعجل التاريخ.
صوت:
لكن ربطة الخبز لا تنتظر التاريخ. عدد الأرغفة يتناقص وسعرها يتزايد. الرواتب تأتي عندما يحالفها الحظ، والفواتير تأتي دائماً في موعدها. العمل قليل، والأسواق باردة، والناس تبيع مقتنياتها القديمة لتدبر أمورها، بينما يزدهر تجار المستعمل والخردة وكأنهم القطاع الاقتصادي الوحيد الذي حقق خطة التنمية.
صدى:
الاستثمار قادم.
صوت:
من أين؟
صدى:
قادم.
صوت:
ومتى؟
صدى:
قريباً.
صوت:
كم قريباً؟
صدى:
قريباً بما يكفي لتبقى منتظراً.
صوت:
جميل. والعقوبات التي قيل إن رفعها سيفتح أبواب الرخاء؟
صدى:
فُتحت الأبواب.
صوت:
لكن الناس لا ترى إلا الريح تدخل منها.
صوت:
لا تمثيل حقيقياً للناس، ولا رأياً يُؤخذ على محمل الجد، ولا إذاعات تبث أغنية تجمع السوريين، ولا إعلاماً حراً يناقش همومهم، ولا صحافة مستقلة، ولا منصات مؤثرة تعكس نبض الشارع. ألا نستحق أكثر من ذلك؟ أليس لدينا ما يمت إلى العصر الإلكتروني بصلة سوى الذباب الإلكتروني؟
صدى:
ومن يمنعكم؟ الفضاء مفتوح، والمنصات كثيرة، والهواتف في أيدي الجميع. اكتبوا ما تشاؤون وقولوا ما تريدون. أليست هذه هي الحرية التي طالبتم بها؟
صوت:
الحرية ليست أن تصرخ في الصحراء. الحرية أن تجد من يسمعك، وأن تشارك في القرار، وأن تكون هناك مؤسسات تحمي حقك في الكلام. الحرية ليست مجرد نافذة مفتوحة، بل بيت له جدران وقانون وسقف يحمي الجميع.
صوت:
وماذا عن القضاء؟
صدى:
قيد الإصلاح.
صوت:
وحقوق الناس؟
صدى:
قيد الدراسة.
صوت:
والمحاسبة؟
صدى:
قيد الإعداد.
صوت:
وحقوق المرأة؟
صدى:
قيد الحوار.
صوت:
والحريات الشخصية؟
صدى:
قيد النقاش.
صوت:
ونحن ؟
صدى:
على “قيد” الحياة.
ومرّت امرأة تحمل ملفات كثيرة على كتفها.
سألها الصوت:
إلى أين؟
قالت:
أبحث عن حقوقي.
قال الصدى:
اصبري قليلاً.
ومرّ شاب يحمل حقيبة سفر.
سأله الصوت:
إلى أين؟
قال:
إلى أي مكان يسمح لي أن أعيش.
قال الصدى:
اصبر قليلاً.
ومرّ شيخ ينظر إلى أرض الجنوب.
سأله الصوت:
ماذا ترى؟
قال:
أرى الأرض تتراجع.
قال الصدى:
الظروف الدولية معقدة.
فقال الشيخ:
الغريب أن الظروف دائماً معقدة عندما نخسر، وواضحة جداً عندما نريد الخطابة.
ومع غروب الشمس، جلس الصوت والصدى على طرف الجرح السوري الطويل.
قال الصدى:
لماذا لا ترى إلا النواقص؟
أجاب الصوت:
لأنها تخص حياة الناس.
قال الصدى:
ولماذا لا ترى الإنجازات؟
قال الصوت:
لأن الإنجاز الحقيقي لا يحتاج إلى من يخبرني عنه. أراه في رغيف الخبز، وفي راتب العامل، وفي استقلال القاضي، وفي حق المرأة، وفي أمن المختلف، في حقول القمح، أراه في لباس لائق لجيش وشرطة , في عودة نازح لبيته ,وفي أرض لا تُقضم كل يوم.
ثم نظر إلى الصدى طويلاً وقال:
أتعرف ما مشكلتك؟
قال الصدى:
ما هي؟
قال الصوت:
أنك تعيش من الوعود.
وأتعرف ما مشكلتي؟
قال الصدى:
ما هي؟
قال الصوت:
أنني أعيش من الواقع.
ولذلك لا نلتقي أبداً.
ومنذ ذلك المساء، ظل الصوت يتكلم.
وظل الصدى يكرر نفسه.
أما الوطن…
فكان ينتظر شيئا آخرا.
(رأي الموقع)