بين الدولة الاجتماعية.. والدولة الوقفية
لم يكن التحول الذي شهدته سوريا خلال السنوات الماضية مقتصراً على تغيير سياسي أو إسقاط نظام حكم، بل امتدّ ليطال بنية الدولة نفسها، بمؤسساتها الإدارية والاقتصادية والاجتماعية، وبالمنظومة التي قامت عليها منذ الاستقلال. فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بتبدّل السلطة، وإنما بإعادة تشكيل مفهوم الدولة ووظيفتها وأدواتها ومصادر شرعيتها.
خلال سنوات الحرب، وعلى الرغم من حجم التدمير والانهيار الاقتصادي والضغوط الداخلية والخارجية، بقيت مؤسسات الدولة، بدرجات متفاوتة، تؤدي أدوارها الأساسية في إدارة الشأن العام، والحفاظ على الحد الأدنى من الخدمات، وتأمين متطلبات الحياة اليومية ضمن حدود الإمكانات المتاحة. لكن ابتداءً من عام 2019، ومع تفاقم الأزمة الاقتصادية وتوسّع الفساد وتراجع كفاءة الإدارة العامة، بدأت مظاهر التآكل المؤسسي تظهر بشكل أكثر وضوحاً، إلى أن وصلت الدولة إلى مرحلة ضعف بنيوي أصاب مفاصلها الأساسية.
ومع انهيار النموذج الإداري السابق، برزت إشكالية أكثر عمقاً: غياب رؤية مؤسساتية واضحة للمرحلة اللاحقة. فبدلاً من إعادة بناء الهياكل الإدارية على أسس حديثة تستفيد من الكفاءات والخبرات الوطنية، شهدت البلاد عمليات إقصاء واسعة لشرائح إدارية ومهنية، مقابل صعود أنماط جديدة من الإدارة والقرار، ارتبطت بمراكز نفوذ ذات مرجعيات دينية أو أيديولوجية، بما أعاد تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس مختلفة جذرياً.
في هذا السياق، لا يبدو تصاعد دور وزارة الأوقاف مجرد تفصيل إداري، بل مؤشراً على تحوّل محتمل في طبيعة الاقتصاد السياسي للدولة. فعندما تعجز الخزينة العامة عن تمويل الخدمات الأساسية، وتصبح أدوات التمويل التقليدية ــ من ضرائب واستثمارات عامة ودعم خارجي ــ محدودة أو غير مستقرة، تظهر مصادر تمويل بديلة تمتلك استدامة مالية وغطاءً اجتماعياً ودينياً، وفي مقدمتها الأوقاف.
فالوقف، بوصفه مؤسسة تمتلك أصولاً عقارية وتجارية وأراضي واسعة، يوفّر مورداً مالياً مستقراً نسبياً، كما يحظى بقبول اجتماعي وثقافي واسع، ما يجعل توسيع دوره أقل إثارة للجدل من خيارات أخرى كخصخصة قطاعات التعليم أو الصحة أو الخدمات العامة. غير أن المسألة لا تتعلق هنا فقط بآلية تمويل، بل بإعادة رسم حدود الملكية العامة، وتحديد الجهة التي ستدير الموارد الاستراتيجية للدولة مستقبلاً.
ومن هنا تبرز تساؤلات جوهرية تتصل بالحوكمة والشفافية والمصلحة العامة:
- ما المعايير القانونية والمؤسساتية التي ستحدد الأصول التي قد تُنقل إلى إدارة الأوقاف؟
- هل ستخضع أي عمليات نقل ملكية أو إدارة لرقابة قضائية وتشريعية مستقلة؟
- كيف سيتم ضمان حقوق الملكية العامة والخاصة؟
- وهل سيكون الهدف توسيع قاعدة التنمية والخدمات، أم إعادة تشكيل مراكز النفوذ الاقتصادي والاجتماعي؟
إن توسّع القطاع الوقفي خارج إطار تنظيمي واضح قد يؤدي إلى نشوء اقتصاد موازٍ يمتلك كتلة كبيرة من الأصول والاستثمارات، لكنه يعمل بمعايير مختلفة عن الاقتصاد التقليدي، سواء من حيث الرقابة أو الضرائب أو قواعد المنافسة. كما أن منح امتيازات واسعة لمؤسسات ذات طبيعة دينية أو شبكات مرتبطة بها قد يخلق اختلالاً في السوق، ويضعف ثقة المستثمرين، ويؤدي إلى تداخل معقّد بين النفوذ الاقتصادي والشرعية الاجتماعية والسلطة الرمزية.
المسألة، في جوهرها، ليست خلافاً بين نموذج “دولة اشتراكية” ونموذج “دولة وقفية”، بل سؤال أساسي حول شكل الدولة السورية المقبلة:
هل ستكون دولة مؤسسات حديثة تقوم على القانون والمساءلة والشفافية، أم دولة تتوزع فيها الموارد والسلطات بين مراكز نفوذ اقتصادية ودينية جديدة، خارج الأطر التقليدية للمحاسبة العامة؟
هذا السؤال لا يخص الاقتصاد وحده، بل يمسّ طبيعة العقد الاجتماعي نفسه، ومستقبل المدن الكبرى، وبنية الملكية، وشكل العلاقة بين المواطن والدولة في السنوات القادمة.