تضامنا مع هاشتاغ , وحرية الصحافة
إلى أن تتسع سوريا للصحافة.. “هاشتاغ” يتوقف قسراً
بعد اثني عشر عاماً من العمل الصحفي، ومواجهة سلطتين، والنجاة من التهديد والإفلاس والملاحقات الأمنية والقضائية، يجد “هاشتاغ” نفسه اليوم مضطراً إلى إعلان التوقف الكامل والقسري عن العمل.
ليس لأننا أفلسنا، ولا لأن جمهورنا غادرنا، ولا لأننا فقدنا القدرة على الاستمرار، ولا لأن القانون أثبت مخالفة ارتكبناها.
نتوقف لأن العمل الصحفي المستقل داخل سوريا أصبح، مرة أخرى، عملاً محفوفاً بالمخاطر؛ ولأن حماية زملائنا وحياتهم وحريتهم باتت أهم من إثبات قدرتنا على تحدي سلطة لا تزال تنظر إلى الصحافة التي لا تشبهها باعتبارها مشكلة ينبغي التخلص منها.
نقولها بوضوح: لقد نجحت وزارة الإعلام والمسؤولون عن إدارة الملف الإعلامي في إقصاء وسيلة إعلامية سورية مستقلة من بلدها.
وقد يستطيعون اعتبار ذلك انتصاراً إدارياً.
أما نحن فنعتبره شهادة خطيرة على البيئة التي بات يعمل فيها الصحفي السوري.
من الأسد إلى اليوم.. تغيرت السلطة وبقي السؤال
عندما تأسس “هاشتاغ” بموجب قانون الإعلام رقم 108 لعام 2011، راهن مؤسسوه على هامش بدا يومها ممكناً لصحافة سورية مختلفة.
كانت المعادلة شديدة الصعوبة: بناء فريق من صحفيين مهنيين بعيدين عن ماكينة الإعلام الحكومي، لا يكتبون لإرضاء السلطة، ولا يتعاملون مع الصحافة باعتبارها وظيفة علاقات عامة.
ومنذ البداية، اختار “هاشتاغ” الطريق الأصعب.
فتح ملفات بقيت لعقود خارج النقاش العام، من تهريب النفط وسرقة قطاع الاتصالات وملفات الفساد في الطيران، إلى اقتصاد الظل وشبكات المصالح والنفوذ التي تمددت داخل الدولة وعلى أطرافها.
لم تكن الكلفة بسيطة..
تلقى عاملون في الموقع تهديدات وصلت إلى التهديد بالقتل، بعضها صدر عن أصحاب نفوذ ومصالح، وبعض الذين واجههم “هاشتاغ” في ذلك الزمن وجدوا لأنفسهم، للمفارقة، مكاناً في المشهد الجديد.
مر الموقع بثلاث لحظات كادت تنهي تجربته: أزمة مالية وضعته على حافة الإفلاس، ومرتان كان الخيار فيهما واضحاً وقاسياً: إما الصمت وإما الإغلاق والسجن.
واصلنا العمل..
لم نتلق تمويلاً سياسياً داخلياً أو خارجياً، ولم نضع خطنا التحريري في مزاد، ودفع مؤسسو الموقع وعدد من صحفييه ثمن ذلك ملاحقات وملفات جنائية لم تنتهِ فعلياً إلا بسقوط نظام بشار الأسد.
لذلك، عندما سقط النظام في 8 كانون الأول 2024، اعتقدنا أن جزءاً من تاريخ الخوف السوري قد سقط معه.
كنا مخطئين.
* لم نطلب امتيازاً.. طلبنا قانوناً
قرر فريق “هاشتاغ” ، بعد سقوط نظام الأسد، الاستمرار من سوريا، لا خارجها.
كان بإمكاننا، وما يزال، إدارة الموقع من خارج البلاد. يمتلك “هاشتاغ” وضعاً قانونياً وترخيصاً خارج سوريا، وكان بمقدورنا نقل فريقنا وإدارة منصتنا من الخارج والاستمرار بصورة أكثر أمناً وراحة.
لكن ماذا يبقى من معنى مؤسسة صحفية سورية إذا أُجبرت على مغادرة سوريا كي تتحدث عن السوريين؟
أردنا أن يبقى الصحفي السوري في بلده، وأن تُكتب قصص الناس من مدنهم وشوارعهم ومؤسساتهم، لا من آلاف الكيلومترات.
لم نطلب من السلطة الجديدة أن تحبنا.
ولم نطلب منها أن تتفق معنا.
طلبنا شيئاً واحداً فقط: أن تخضع هي ونحن للقانون نفسه.
لكن المشهد الذي واجهناه أخذ، بالتدريج، يعيد إلينا ذاكرة كنا نعتقد أنها أصبحت وراءنا.
بدأ الأمر بملف تجديد الترخيص، ثم بتبدل الإجراءات والشروط، ثم بحملات التشهير والتحريض، ثم باتهامات لم يقدم لنا أصحابها أدلة عليها، ثم بلغة تهديد تارة، وبمحاولات استمالة وعروض تارة أخرى.
وفي آذار 2026، صدر القرار بمنع “هاشتاغ” من العمل داخل سوريا، بذريعة عدم استكمال إجراءات الترخيص.
قلنا يومها إن القرار تعسفي، وإن ملفنا قُدّم بالفعل، وإن الخلل الإداري داخل الوزارة لا يجوز تحويله إلى جريمة ترتكبها المؤسسة الإعلامية. وتمسكنا، رغم كل شيء، بالمسار القانوني.
لم نحمل سلاحاً في وجه القرار..
حملنا القانون.
عندما تصبح “متعاوناً” شرطاً للصحافة
بعد أشهر من المحاولات والمراجعات، وصلنا إلى النقطة التي لم يعد ممكناً عندها الاختباء خلف العبارات البيروقراطية.
كانت الرسالة التي تلقاها الفريق واضحة: المشكلة لم تعد في استكمال ورقة أو نقص وثيقة، بل في أن “هاشتاغ” غير متعاون.
وهنا يصبح السؤال واجباً:
ما معنى أن تكون وسيلة إعلامية “متعاونة” مع وزارة الإعلام؟
هل وظيفة الصحفي أن يتعاون مع السلطة أم أن يراقب أداءها؟
هل يصبح الترخيص مكافأة لمن يرضى عنه المسؤول، وعقوبة لمن يزعجه؟
وهل بات معيار استحقاق مؤسسة إعلامية للعمل في سوريا مقدار انسجامها مع الرواية الرسمية؟
إن كان “التعاون” يعني الصمت عن الفساد، فلسنا متعاونين.
وإن كان يعني تحويل الصحافة إلى نشرات مديح، فلسنا متعاونين.
وإن كان يعني أن نعرف ما يجوز نشره من مزاج المسؤول لا من نص القانون، فلن نكون متعاونين.
الصحافة ليست دائرة تابعة لوزارة الإعلام، والصحفي ليس موظفاً عند السلطة.
من 20 صحفياً إلى 6 متطوعين
تسببت الضغوط والقيود وتعطيل العمل في توقف ما يقارب عشرين زميلاً عن العمل، ومع ذلك رفض عدد من الصحفيين أن تموت التجربة.
استمر ستة زملاء متطوعين.
ستة صحفيين فقط حاولوا إبقاء الموقع حياً، ليس لأن وراءهم ممولاً أو حزباً أو دولة، وإنما لأنهم آمنوا بأن بقاء نافذة صحفية مستقلة يستحق المحاولة.
لكن حتى هؤلاء لم يسلموا..
تعرض زملاؤنا لحملات تشهير وتحريض مست كرامتهم وأعراضهم ووضعت سلامتهم الشخصية في دائرة الخطر، ووصل الأمر إلى محاولات توقيف وسجن، في مناخ باتت فيه الكلمة المنشورة قادرة على تحويل الصحفي إلى هدف.
وهنا تنتهي المغامرة وتبدأ المسؤولية.
لا يملك “هاشتاغ” أخلاقياً أن يطلب من صحفي أن يضع حياته أو حريته ثمناً لبقاء الموقع مفتوحاً.
السلطة التي تخاف الصحافة لن يحميها الصمت
لم نواجه نظام الأسد لأننا كنا نريد استبدال سلطة تمنع الصحافة بسلطة أخرى تحدد للصحافة مقدار النقد المسموح به.
ولم يكن سقوط سلطة احتكرت المجال العام فرصةً لاستبدال صورة الحاكم على الجدار والإبقاء على الخوف في غرفة الأخبار.
السلطة التي تعتبر كشف الفساد استهدافاً لها، لم تفهم وظيفة الصحافة.
والوزارة التي تقيس مهنية الوسيلة الإعلامية بمقدار “تعاونها” ، لم تفهم معنى الإعلام المستقل.
والمسؤول الذي يحتاج إلى إسكات الصحفي كي يحافظ على هيبته، لا تحميه هيبة الدولة، بل يحميه غياب الأسئلة.
نحن لا نزعم العصمة..
أخطأنا وسنخطئ، ومن حق أي شخص أو مؤسسة أو مسؤول تضرر من مادة نشرناها أن يلجأ إلى القضاء، ومن واجبنا أن نمثل أمامه وأن نتحمل مسؤولية أي خطأ يثبته القانون.
لكن الفارق هائل بين محاسبة الصحافة بالقانون وبين استخدام القانون لمعاقبة الصحافة.
لذلك نتوقف..
اعتباراً من تاريخ صدور هذا البيان، يعلن “هاشتاغ” تعليق عمله بصورة كاملة وقسرية.
إنه قرار اتخذناه حماية لزملائنا، بعدما أصبحت المخاطر التي يتعرضون لها أكبر من أن نطلب منهم احتمالها.
كان بوسعنا نقل “هاشتاغ” إلى الخارج والاستمرار بأمان أكبر، لكننا لم نؤسسه ليكون موقعاً سورياً يعيش بعيداً عن سوريا.
أردناه مؤسسة يعمل فيها صحفيون سوريون من داخل بلدهم، يتحدثون عن حياة السوريين ومشكلاتهم وحقوقهم وفساد مؤسساتهم وأخطائها، من دون أن يسألوا قبل النشر إن كان مسؤول ما سيغضب.
وعندما يصبح ثمن ذلك سلامة زملائنا وحريتهم، يصبح التوقف مسؤولية لا هزيمة.
نعتذر من قرائنا..
ونعتذر بصورة خاصة من كل سوري طرق بابنا وهو يعتقد أن لديه مكاناً يستطيع أن يقول فيه ما عجز عن قوله في مكان آخر.
لكننا لا نعتذر ممن ضايقنا.
ولا ممن هددنا.
ولا ممن شهّر بزملائنا.
ولا ممن اعتقد أن امتلاك سلطة إدارية يمنحه حق تقرير أي صحافة تستحق الحياة وأي صحافة يجب أن تختفي.
هذه ليست النهاية..
سنتابع بالطرق القانونية والقضائية كل ما تعرض له “هاشتاغ” والعاملون فيه من تحريض وتشهير وتهديد وعرقلة للعمل، وسنتمسك بحقنا في مساءلة كل من تجاوز صلاحياته أو استغل موقعه، طالما بقي في سوريا قانون يمكن الاحتكام إليه وقضاء يمكن اللجوء إليه.
وسنحتفظ بكل الوثائق والمراسلات والأدلة المتعلقة بما جرى، لأن ذاكرة المؤسسات لا ينبغي أن تكون أقصر من ذاكرة السلطات.
سيتوقف “هاشتاغ” اليوم..
لكن الأسئلة التي كان يطرحها لن تتوقف.
وسيأتي يوم تحتاج فيه سوريا إلى الإجابة عن سؤال أكبر من مصير موقع إلكتروني واحد:
هل أسقط السوريون سلطة كانت تخشى الصحافة لكي يولد مكانها إعلام لا يعيش إلا برضا السلطة؟
وإلى أن تصبح الإجابة مختلفة، نتوقف مكرهين، لا مقتنعين..
حفاظاً على صحفيينا، لا خوفاً على منصتنا..
وتمسكاً بحقنا، لا تنازلاً عنه.
وسنبقى مؤمنين بأن سوريا التي تستحق كل ما دفعه أبناؤها من أثمان، هي سوريا التي يستطيع فيها الصحفي أن يكتب عن السلطة بحرية، وأن ينتقدها بلا خوف، لا أن يُطلب منه أن يكتب لها.