حلم سنة صيف
رأيتُ ما يرى النائم في بلدي الجميل، ورأيتُ حلماً من النوع الذي لا يجرؤ حتى الخيال على تصديقه إلا بعد فنجانين من القهوة وثلاث محاولات لإعادة تشغيل الراوتر.
رأيت الناس قد تجمّعت أمام مراكز البريد، لا طلباً لمعونة ولا انتظاراً لحوالة من قريب مغترب، بل احتجاجاً على سوء الإنترنت. كانوا يدفعون مبالغ لا بأس بها لقاء خدمةٍ تتقن الاختفاء أكثر مما تتقن الظهور. أحدهم قال: “أصبحتُ أعرف مواعيد انقطاع الشبكة أكثر مما أعرف مواعيد أولادي!”، وآخر أقسم أنه شاهد مباراة كرة قدم تُحمَّل كاملةً، لكن أحداً لم يصدقه.
وتساءلت في حلمي: كل هذا الدعم من الشرق والغرب ,ألا يمنون علينا بمقسم حديث أو كبل انترنت (جافي) يتحمل عزوف الناس عن الحياة الحقيقية, إلى العالم الافتراضي ,كونه أكثر راحة للبال…وللضمير.
والمفاجأة أن المارّة لم يرفعوا حاجب الاستغراب، بل قالوا جميعاً: “إي والله معهم حق”. ثم أكملوا طريقهم وكأنهم يعلّقون على حقيقة كونية ثابتة، مثل شروق الشمس أو ازدحام آخر الشهر.
وفي الحلم نفسه، رأيت طابوراً آخر، فسألت: ما المناسبة؟ فقيل لي: هؤلاء يحتجون على تصريح لمسؤول بأن :”ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان”.بماذا إذن؟بالسكر والشاي والذي منو ! فالخبز الذي كان يوماً ضيفاً دائماً على المائدة صار يدخل البيت كزائرٍ رسمي يحتاج إلى ترتيبات مسبقة. وكلما ارتفع سعره وقلت أرغفته ، ارتفعت معه قيمة الحديث عنه، حتى بات بعض الناس يناقشون ربطة الخبز كما يناقش خبراء الاقتصاد أسعار الذهب.
ثم رأيت المزارعين يتجادلون حول القمح. كانوا ينظرون إلى سنابله كما ينظر الأب إلى ابنه المتفوق الذي لا يجد وظيفة. تعبٌ كثير، وأملٌ كبير، وحساباتٌ لا تخرج كما ينبغي. فسأل أحدهم: “إذا كان القمح هو الذهب الأصفر، فلماذا نشعر أننا نزرع النحاس؟”
ولم يكد المشهد ينتهي حتى ظهرت المحروقات. هناك أدركت أن الحلم بدأ يدخل مرحلة الإي آي. سيارات متوقفة، وسائقون يتبادلون الأخبار لا عن الطقس ولا عن الرياضة، بل عن إشاعات البنزين والمازوت. أحدهم قال بثقة: “وصلتني معلومة مؤكدة”. فسأله الآخر: “من أين؟” فأجاب: “من الشخص نفسه الذي أعطاني المعلومة المؤكدة السابقة التي لم تحدث!”
أما الرواتب، فكانت لها حكاية خاصة. عدا عن أنها فرقت الناس بين خيار وفقوس,فالفقوس هو ما قبل الأول من حزيران ,أما الخيار فهو بلاستيكي , و رأيت زيادةً جديدة تُعلن وسط التصفيق والتهاني، ثم رأيت الأسعار تستيقظ في اليوم التالي وقد قررت هي أيضاً الاحتفال بالمناسبة. كانت الزيادة تركض أمام الغلاء، والغلاء يركب دراجة نارية. في سباق غير متكافئ منذ البداية.
وفي زاوية أخرى من الحلم، كانت التحقيقات مستمرة في ملفات الجرائم والرشاوى والفساد. ملفات ضخمة تتنقل من مكتب إلى مكتب، وتُفتح وتُغلق وتُدرس وتُراجع وتُحال وتُعاد. حتى إن بعض الملفات اكتسبت من الخبرة الإدارية ما يؤهلها لتسلّم منصبٍ رسمي بنفسها. أما المواطن فكان كلما سمع عن ملف جديد يقول: “الحمد لله، يبدو أن الفساد لم يعد يختبئ… لقد أصبح مشهوراً بما يكفي.”
والأغرب من كل ذلك أن الناس في الحلم لم يكونوا غاضبين بقدر ما كانوا ساخرين. فقد اكتشفوا أن الضحك أحياناً أرخص من الشكوى، وأسهل من الانتظار، وأخفّ على القلب من متابعة الأسعار.
ثم استيقظت.
نظرت حولي لأتأكد أن ما رأيته كان مجرد حلم سنة صيف. لكنني لم أستطع الجزم تماماً. فبعض الأحلام عندنا يملك عادةً غريبة: يبدأ خيالاً، ثم يخرج يتمشّى في الشارع بين الناس وكأنه واقعٌ يعرف الطريق جيداً.
(راي الموقع)