حلول وزارة الطاقة كارثية !
حين قرأنا حل وزارة الطاقة لأزمة سعر الوقود ,ظننا أن هذا الحل المقترح هو إما خطة افتراضية، أو مقترح شعبي غير رسمي، أو قد يكون يحمل طابعاً ساخراً من واقع الأزمة ولكنه للأسف كان حقيقيا.
فالمقترح يحتوي على تناقضات علمية واقتصادية فادحة، في التفاصيل:
1. ما هي المواصفات الفنية لكل فئة؟
بما أنها لم تُعلن، يمكن استنتاجها بناءً على الوصف:
- الفئة الأولى (البدائية): فنياً، هذا ليس “مازوتاً”. هو نفط خام مُسخن جزئياً (يشبه ما يُعرف محلياً بـ “زيت الشاي” أو المقطر البدائي). سيحتوي على نسب عالية جداً من الكبريت، الشوائب، المعادن الثقيلة، والماء، مع نقطة وميض (Flash Point) غير مستقرة ولزوجة عشوائية لا تتوافق مع أي مواصفة قياسية سورية أو دولية (مثل ISO 8217).
- الفئة الثانية (الصناعية المستوردة): يجب أن تطابق مواصفات الديزل الصناعي القياسي (منخفض الكبريت، رقم سيتان مناسب، ونقطة وميض آمنة فوق 60°م) لحماية المحركات الهندسية باهظة الثمن من التلف.
- الفئة الثالثة (النظامي): يطابق المواصفات القياسية الحالية للمصافي السورية (مازوت تدفئة ومحركات بخصائص محددة).
2. ما هي مخاطر استخدام طرق بدائية لإنتاج المازوت بيئياً وصحياً؟
عملية “الحراقات البدائية” (تسخين النفط الخام في براميل أو خزانات غير مغلقة) معروفة في بعض المناطق السورية وهي كارثية
- بيئياً: تسرب النفط الخام يدمر التربة والمياه الجوفية. كما أن حرق الغازات المصاحبة يطلق كميات هائلة من الكربون الأسود ومركبات عضوية متطايرة (VOCs) تلوث الغلاف الجوي.
- صحياً: استنشاق أبخرة النفط الخام غير المكرر يعرض العاملين والمجاورين لمركبات مسرطنة مثل “البنزين”، وغاز كبريتيد الهيدروجين (H2S) السام جداً، مما يسبب أمراضاً تنفسية مزمنة، تهيج الجلد، وزيادة خطر الإصابة بالسرطان على المدى الطويل.
3. كم يكلف استخراج ليتر المازوت بالسخانات الكهربائية؟ (مفارقة الطاقة)
هذا الاقتراح يناقض القوانين الأساسية للديناميكا الحرارية والاقتصاد
المفارقة: نحن نستخدم المازوت ,الفيول أو الغاز لتوليد الكهرباء. استخدام الكهرباء (طاقة عالية الجودة ومكلفة) لإنتاج المازوت (طاقة منخفضة الجودة ورخيصة) هو “خسارة صافية” للطاقة.
الحساب الحراري والمالي (بسعر 6 ليرات/كيلوواط)
حساب تكلفة “المازوت البدائي” بالسعر العالمي
للحصول على 1 لتر من سائل شبيه بالمازوت (بنسبة استخراج متواضعة تبلغ 30% في الحراقات البدائية):
- نحتاج إلى 3.33 لتر من النفط الخام.
- تكلفة الخام فقط = 3.33 لتر × 100 ليرة = 333 ليرة جديدة.
- تكلفة الكهرباء (1.69 كيلوواط × 6 ليرات) = 10 ليرات جديدة.
- تكلفة المعدات البدائية، الهالك، والعمالة والنقل (تقدير متحفظ) = 40 ليرة جديدة.
التكلفة الحقيقية الفعلية لإنتاج اللتر الواحد = 383 ليرة جديدة.
3. المفارقة الاقتصادية المدمرة للمقترح
| البند | القيمة (ليرة جديدة) |
|---|---|
| السعر المقترح بيعه للمواطن (الفئة الأولى) | 110 ليرات |
| التكلفة الحقيقية للإنتاج (خام عالمي + كهرباء + تشغيل) | 383 ليرة |
| صافي الخسارة على كل ليتر واحد | 273 ليرة جديدة |
لماذا هذا المقترح كارثي حتى لو كان النفط “محلياً”؟
قد يقول قائل: “لكن النفط يُستخرج محلياً في سوريا، فلماذا نحسبه بالسعر العالمي؟”. الإجابة تكمن في مفهوم اقتصادي أساسي يسمى “تكلفة الفرصة البديلة” :
- هدر القيمة الوطنية: إذا كانت الدولة تمتلك نفطاً خاماً، فإن كل لتر يتم إعطاؤه لمواطن ليحرقه في “حراقة بدائية” بكفاءة 30%، هو لتر كان من الممكن بيعه عالمياً بـ 100 ليرة جديدة، أو تكريره في مصفاة رسمية (بكفاءة 85-90%) وبيعه كمازوت نظامي بـ 175 ليرة جديدة.
- دعم الهدر: الدولة هنا لا تدعم “التدفئة”، بل تدعم إتلاف الموارد. هي تخسر قيمة التصدير، وتخسر قيمة التكرير النظامي، وتدفع ثمن الكهرباء المدعومة (6 ليرات)، لكي يحصل المواطن على منتج سام ورديء.
- تشويه السوق: إذا كان السعر الرسمي للمازوت النظامي (الفئة الثالثة) هو مثلاً 175 ليرة، فكيف يُباع منتج رديء ومكلف الإنتاج بـ 110 ليرة؟ هذا سيخلق سوقاً سوداء فوراً، حيث يقوم “وسطاء” بشراء الخام المدعوم، وتكريره بدائياً، ثم بيعه بأسعار أعلى، أو تهريبه.
4. المفارقة الحرارية (لماذا الكهرباء أصلاً؟)
إذا كان الهدف هو التدفئة، فإن استخدام الـ 1.69 كيلوواط ساعي مباشرة في مدفأة كهربائية حديثة (كفاءتها 95%) يعطي حرارة تعادل حرق ~5 لترات من المازوت النظامي. بينما استخدام نفس الكهرباء لتكرير النفط بدائياً يعطيك لتراً واحداً فقط من مازوت رديء يحترق بكفاءة منخفضة (~70%)، مما يعطي حرارة تعادل حرق 0.7 لتر فقط من المازوت الجيد! أي أنك تخسر حوالي 85% من القيمة التدفئية للطاقة بهذه الطريقة.
4. ما هي أضرار تشغيل هذا “المازوت البدائي” في المنازل المغلقة؟
استخدام هذا المنتج في مدافئ المنازل يشكل خطراً مميتاً لعدة أسباب:
- التسمم بأول أكسيد الكربون (CO): بسبب عدم اكتمال الاحتراق الناتج عن رداءة الوقود وضعف التهوية، يتراكم غاز أول أكسيد الكربون عديم اللون والرائحة، وهو السبب الرئيسي للوفيات الشتوية سنوياً.
- خطر الانفجار والحريق: التقطير البدائي لا يفصل المكونات الخفيفة (مثل البنزين أو النافثا) بشكل كامل. اختلاط هذه المواد شديدة الاشتعال مع المازوت يخفض “نقطة الوميض” بشكل خطير، مما قد يسبب انفجاراً مفاجئاً داخل خزان المدفأة أو الغرفة.
- انبعاثات سامة: احتراق الوقود عالي الكبريت ينتج غاز ثاني أكسيد الكبريت (SO2) والجسيمات الدقيقة (PM2.5)، مما يسبب نوبات ربو حادة، اختناق، وتلفاً دائماً في الرئتين، خاصة للأطفال وكبار السن.
وإذا تجاوزنا كل ذلك :
ما هي الآليات التي تضمن وصول كل فئة لمستحقيها؟
في أي نظام تسعير متعدد الطبقات، تعتمد الآليات النظرية على:
- البطاقة الذكية وربط الهوية: تحديد سقف استهلاك لكل أسرة (للفئة الأولى) أو لكل منشأة صناعية مرخصة (للفئة الثانية).
- التدقيق والاستهلاك الفعلي: اشتراط تقديم فواتير استهلاك وسجلات إنتاج للآليات الصناعية للحصول على الحصة المدعومة بـ 150 ليرة.
- نقاط توزيع منفصلة: فصل قنوات التوزيع لمنع التسريب. المشكلة في هذا المقترح: إذا كان الوقود من “الفئة الأولى” يُنتج بطرق بدائية (حراقات منزلية أو محلية)، فهذا يعني أن الإنتاج لا مركزي وخارج سيطرة المصافي الرسمية. وبالتالي، لا توجد أي آلية رقابية ممكنة لمنع تسريب هذا الوقود إلى السوق السوداء أو إعادة بيعه بسعر “الفئة الثالثة” النظامية، مما يفقد الخطة أي جدوى اقتصادية أو رقابية.
الخلاصة:
هذا المقترح، بصيغته الحالية، غير قابل للتطبيق علمياً، واقتصادياً، وبيئياً. فكرة دعم الوقود عبر “تشجيع الإنتاج البدائي بالكهرباء” هي معادلة خاسرة تضاعف الهدر في الطاقة وتهدد الأرواح. الحلول الواقعية لأزمة الوقود تتطلب إما دعماً موجهاً عبر آليات رقمية صارمة لوقود مُكرر رسمياً، أو دعم الدخل. أو تحمل الدولة جزء من عبء الطاقة.
(رأي الموقع)