حين يصبح الأمن الغذائي قضية بقاء
لم يكن مشهد الفلاحين وهم يدهسون حقول القمح بالجرافات أو يعيدون حراثتها بعد أشهر من التعب والسقاية والحصاد مشهداً عابراً. كان صرخة غضب علنية ضد قرار تسعير رأى فيه كثيرون تجاهلاً لواقع الزراعة السورية وكلفتها الحقيقية. فقرار وزارة الاقتصاد تحديد سعر شراء طن القمح بـ46 ألف ليرة سورية جديدة لموسم 2026 أثار موجة واسعة من الاستنكار في الأوساط الزراعية، خصوصاً في المناطق المنتجة شرق سوريا، حيث اعتبر فلاحون أن السعر لا يغطي تكاليف الإنتاج ولا يحقق الحد الأدنى من هامش الربح الذي يسمح باستمرارهم بالزراعة.
القمح ليس سلعة عادية
المشكلة الأساسية في النقاش الدائر اليوم هي أن بعض الآراء تتعامل مع القمح وكأنه مجرد سلعة تجارية يمكن مقارنتها مباشرة بالسعر العالمي. ويُقال إن السعر المحدد في سوريا “مقبول” لأن أسعار القمح العالمية أقل أو قريبة منه. لكن هذه المقارنة تبدو ناقصة إذا لم تؤخذ ظروف الإنتاج المختلفة بعين الاعتبار.
فالقمح في الدول الكبرى يُزرع ضمن بيئة إنتاجية مختلفة جذرياً عن البيئة السورية. هناك دعم حكومي مباشر وغير مباشر، بنية تحتية متطورة، مكننة زراعية واسعة، بذار محسنة، تأمين زراعي، مراكز أبحاث، دعم للمحروقات والأسمدة، وقروض ميسرة. أما الفلاح السوري، فهو غالباً يواجه وحده ارتفاع أسعار المازوت والأسمدة وأجور النقل والري والعمالة، في ظل تراجع الخدمات الزراعية وغياب الحماية الفعلية.
لهذا لا يمكن مقارنة سعر طن القمح السوري بسعر طن القمح الفرنسي أو الأميركي من دون مقارنة كلفة الإنتاج نفسها.
الفارق الحقيقي: الإنتاجية الزراعية
أحد أهم أسباب ارتفاع تكلفة القمح السوري هو انخفاض الإنتاجية الزراعية مقارنة بالدول المنتجة الكبرى.
متوسط إنتاج القمح للهكتار الواحد
| الدولة | متوسط الإنتاج (طن/هكتار) |
|---|---|
| سوريا | 1.6 طن |
| تركيا | 3.7 طن |
| فرنسا | أكثر من 7 أطنان |
| الولايات المتحدة | أكثر من 8 أطنان |
هذا يعني ببساطة أن الفلاح السوري يوزّع تكاليف الزراعة على كمية إنتاج أقل بكثير، ما يرفع تكلفة الطن الواحد عليه مقارنة بفلاح في فرنسا أو الولايات المتحدة. ولذلك فإن الحديث عن “السعر العالمي الأرخص” يصبح مضللاً إذا لم نأخذ بعين الاعتبار اختلاف الإنتاجية والبنية الزراعية.
تركيا: المثال الأقرب… لكن مع فارق مهم
حتى تركيا، التي تُعتبر الأقرب لسوريا من حيث المناخ والجغرافيا الزراعية، تعتمد سياسات دعم أوسع للفلاحين. فالسعر الرسمي لشراء القمح هناك قد يكون قريباً من السعر السوري أحياناً، لكن الدولة التركية لا تكتفي بسعر الاستلام فقط، بل تقدم:
- دعماً للمحروقات الزراعية
- دعماً للأسمدة
- برامج دعم للبذار
- قروضاً وتمويلاً زراعياً
- تعويضات للكوارث والجفاف
- دعماً للتصدير والتخزين
أي أن الفلاح التركي يحصل على شبكة حماية متكاملة قبل الحصاد وبعده، بينما يتحمل الفلاح السوري القسم الأكبر من المخاطر والكلفة وحده.
تاريخ القمح السوري: من الاكتفاء إلى الأزمة
كان القمح لعقود أحد أعمدة الاقتصاد السوري، وحققت سوريا في سنوات كثيرة اكتفاءً ذاتياً، بل وصدّرت القمح أحياناً. لكن الحرب والجفاف وتراجع الدعم الزراعي أدت إلى انهيار كبير بالإنتاج.
تطور إنتاج القمح السوري تاريخياً
| السنة | تقديرات الإنتاج |
|---|---|
| 2006 | حوالي 4.9 مليون طن |
| 2010 | حوالي 3.5 مليون طن |
| 2015 | أقل من 2 مليون طن |
| 2021 | حوالي 1.05 مليون طن |
| 2023 | بين 800 ألف – 1 مليون طن |
| 2025/2026 | توقعات متباينة حسب الأمطار والمناطق |
وتشير تقديرات حديثة إلى تحسن نسبي في بعض المحافظات خلال موسم 2026 بعد سنوات الجفاف، خصوصاً في الحسكة، مع توقعات بإنتاج قد يتجاوز 1.3 مليون طن في بعض السيناريوهات المتفائلة.
لكن رغم هذا التحسن، ما تزال سوريا بعيدة عن مستويات الإنتاج السابقة، وما يزال الأمن الغذائي هشاً أمام أي تراجع بالمواسم الزراعية.
لماذا يغضب الفلاحون؟
غضب الفلاحين لا يتعلق فقط بالرقم المعلن، بل بالشعور بأن التسعير تم بعيداً عن واقعهم الفعلي. فالكثير من المزارعين يقولون إن:
- كلفة الري ارتفعت بشكل كبير
- أسعار المازوت أثقلت الموسم
- السماد والبذار بأسعار مرتفعة
- أجور النقل والحصاد تضاعفت
- التسويق غير مضمون أحياناً
ولذلك رأى بعضهم أن بيع القمح بالسعر المحدد يعني الخسارة، فاختاروا إتلاف المحصول أو استخدامه كعلف أو إعادة حراثة الأرض، في رسالة احتجاج رمزية وقاسية في آن واحد.
المشكلة ليست بالسعر فقط… بل بآلية اتخاذ القرار
هناك قضية أخرى لا تقل أهمية: كيف تم تحديد السعر أساساً؟
تسعير محصول استراتيجي كالقمح لا ينبغي أن يتم بقرار إداري منفصل عن الأرض. المطلوب هو دراسة فعلية لتكاليف الإنتاج في كل محافظة:
- تكلفة البذار
- تكلفة السماد
- تكلفة الري والمحروقات
- تكلفة النقل
- أجور العمال
- تكلفة الحصاد والتخزين
كما يفترض أن تكون اتحادات الفلاحين والهيئات الزراعية المحلية شريكاً أساسياً في النقاش. وإذا كانت بعض المناطق المنتجة، كما قيل في دير الزور وغيرها، لم تُستشر فعلياً، فهذا يكشف أزمة أعمق تتعلق بغياب التشاركية في القرارات الاقتصادية الزراعية.
الأمن الغذائي ليس مناقصة أرخص سعر
قد تتمكن أي دولة في سنة معينة من استيراد قمح أرخص من الإنتاج المحلي. لكن السؤال الأهم: ماذا يحدث إذا خسر الفلاح المحلي وتوقف عن الزراعة؟
حينها لن تكون المشكلة مجرد فرق سعر، بل فقدان:
- الاكتفاء الذاتي
- فرص العمل الريفية
- استقرار المجتمعات الزراعية
- السيطرة على الأمن الغذائي
فالاعتماد الكامل على الاستيراد يجعل أي أزمة عالمية أو سياسية أو مناخية تهديداً مباشراً لرغيف الخبز.
لهذا فإن دعم القمح ليس دعماً لمحصول فقط، بل استثمار في الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والسيادي للبلد.
كيف تدعم الدول المنتجة القمح؟
نماذج دعم القمح عالمياً
| الدولة | نوع الدعم |
|---|---|
| تركيا | دعم مباشر للمزارعين + دعم محروقات وأسمدة |
| فرنسا | دعم أوروبي ضمن السياسة الزراعية المشتركة |
| الولايات المتحدة | إعانات وتأمين زراعي وقروض |
| مصر | أسعار توريد مدعومة للفلاحين |
| الهند | شراء حكومي بأسعار حماية مرتفعة |
وفي معظم هذه الدول، لا يُترك الفلاح وحده يواجه تقلبات السوق العالمية، لأن الحكومات تعتبر الزراعة قضية استراتيجية وليست مجرد تجارة.
ما الذي تحتاجه سوريا اليوم؟
إذا أرادت سوريا الحفاظ على ما تبقى من قطاعها الزراعي، فهي تحتاج إلى:
- تسعير عادل مرتبط بتكاليف الإنتاج الحقيقية
- دعم المحروقات والأسمدة والبذار
- إشراك الفلاحين واتحاداتهم في القرار
- تحسين البنية التحتية الزراعية والري
- دعم الإنتاجية الزراعية عبر البحث والتكنولوجيا
- تأمين استقرار التسويق والدفع السريع للفلاحين
فالقمح ليس مجرد رقم في ميزانية، بل قضية ترتبط مباشرة بالسيادة الغذائية وبقاء الإنسان في أرضه.
مصادر:
- سانا – قرار تحديد سعر القمح لموسم 2026
- تلفزيون سوريا – تحديد سعر شراء القمح من المزارعين
- الليرة اليوم – تسعيرة القمح الجديدة وتحليلها
- روناهي – احتجاجات المزارعين على التسعيرة
(رأي الموقع)