دعوة للسيد غودو وحرمه المصون
سيدي الموقر، السيد “غودو”..
ويا سيّدته الفاضلة، حرمه المصون..
ويا سيّدته الفاضلة، حرمه المصون..
لقد تعبنا من النظر إلى السماء، وتعبت أعناقنا من التمدد على أطراف أصابعنا علّ معجزة خارجية تلوح في الأفق، أو علّ فرجاً من عند الله ينزل على شكل قافلة شاحنات تحمل “الاستثمار” و”الديمقراطية” و”الكرامة”.
لقد أملنا ، يا سيد غودو، ووعدونا بأننا بعد أن انتهينا من مرحلة الديكتاتورية ، سندخل في نفق ولكن من الضوء. قالوا لنا: انظروا إلى دول العالم، كيف نهضت بعد سقوط الطغاة، كيف هطلت عليها أمطار الاستثمارات، وكيف بنيت المؤسسات. لكننا، وخلافاً لكل شعوب الأرض، لم يأتِنا قرش واحد ليبني وطناً، بل جاءنا ما يكاد يبقي النفس يجري، فقط لنستيقظ كل صباح ونمارس طقسنا المقدس: الانتظار.
وعدونا بأن الحرية ستُقدم لنا على طبق من وعود من الفضة، لكننا حين رفعنا الغطاء عن الطبق، لم نجد سوى سراب.
أيها السيد الفاضل، نحن اليوم بلا حياة سياسية بمعناها الحقيقي، حتى لو ادعى من يبيعون لنا الوهم غير ذلك. نحن ممنوعون من حرية تشكيل الأحزاب، وممنوعون من تأسيس الجمعيات، وممنوع علينا حتى أن نجتمع لنمارس أبسط أشكال التضامن الإنساني.
ولكن.. لا تحزن علينا يا سيد غودو، فنحن نتمتع بـ الحرية!
نعم، لقد منحونا أوسع الحريات، إنها حرية اللغو.
نحن أحرار تماماً في أن نلغو في فضاءات وهمية، نلغو في أسعار الدولار، نلغو في خرافات من يحكموننا، ونلغو في ليلنا الطويل لنقنع أنفسنا أن الغد أفضل. اللغو هو برلماننا، واللغو هو نقابتنا، واللغو هو دستورنا الذي لا يُنتهك.
أيها السيد الفاضل، نحن اليوم بلا حياة سياسية بمعناها الحقيقي، حتى لو ادعى من يبيعون لنا الوهم غير ذلك. نحن ممنوعون من حرية تشكيل الأحزاب، وممنوعون من تأسيس الجمعيات، وممنوع علينا حتى أن نجتمع لنمارس أبسط أشكال التضامن الإنساني.
ولكن.. لا تحزن علينا يا سيد غودو، فنحن نتمتع بـ الحرية!
نعم، لقد منحونا أوسع الحريات، إنها حرية اللغو.
نحن أحرار تماماً في أن نلغو في فضاءات وهمية، نلغو في أسعار الدولار، نلغو في خرافات من يحكموننا، ونلغو في ليلنا الطويل لنقنع أنفسنا أن الغد أفضل. اللغو هو برلماننا، واللغو هو نقابتنا، واللغو هو دستورنا الذي لا يُنتهك.
و يا حرم السيد غودو المصون، هل تعلمين ماذا يحدث في اليوم الأول من كل شهر؟
في ذلك اليوم، لا يفتح السوري تقويمه ليرى أي يوم هو، بل يفتح آلة حاسبة صدئة من بقايا ما قبل الحرب. يبدأ بفرز فواتير الخبز، والكهرباء، والنقل، والتدفئة (إن وُجدت). نحن لسنا مواطنين، نحن محاسبو بؤس؛ نحسب الأنفاس بالقطارة، ونحسب كما رغيفا بقي في الربطة وهل يكفينا اليوم ، ونبيع دفء المنزل لنشتري ثمن المواصلات إلى عمل لا يكفي دخله لشراء دواء. لقد وعدونا بأن المعيشة ستصبح أفضل، لكنهم نسوا أن يخبرونا أن الأفضل هو مصطلح نسبي؛ فأفضل حالنا اليوم هو أن ننام جائعين لكننا لسنا تحت القصف!
في ذلك اليوم، لا يفتح السوري تقويمه ليرى أي يوم هو، بل يفتح آلة حاسبة صدئة من بقايا ما قبل الحرب. يبدأ بفرز فواتير الخبز، والكهرباء، والنقل، والتدفئة (إن وُجدت). نحن لسنا مواطنين، نحن محاسبو بؤس؛ نحسب الأنفاس بالقطارة، ونحسب كما رغيفا بقي في الربطة وهل يكفينا اليوم ، ونبيع دفء المنزل لنشتري ثمن المواصلات إلى عمل لا يكفي دخله لشراء دواء. لقد وعدونا بأن المعيشة ستصبح أفضل، لكنهم نسوا أن يخبرونا أن الأفضل هو مصطلح نسبي؛ فأفضل حالنا اليوم هو أن ننام جائعين لكننا لسنا تحت القصف!
أما عن الكفاءات التي بشرونا بها.. يا لها من نكتة بائخة تليق بمسرحيات العبث التي نعيشها!
قالوا: الأميون سيأخذون فرصتهم في التعليم، والكفاءات ستأخذ فرصتها في الإدارة. لكن الواقع، يا سيدي، أن الأمي الذي لا يعرف اين يضع الهمزة , إلا بنبرة المواطن، هو من يستلم المناصب الحساسة اليوم. كيف؟ لأنه يحمل شهادة عليا في “الولاء والبراء”. الكفاءة هنا لا تُقاس بالعقل ولا بالتجربة، بل تُقاس بـ البراءة من الخصم والولاء المطلق للسيد. لقد تحولت الدولة إلى عزبة خاصة، والمناصب إلى غنائم تُوزع على أساس المحارم والطوائف والولاءات، بينما يُرمى أصحاب الكفاءات في كهوف النسيان أو مهاجر اللجوء.
قالوا: الأميون سيأخذون فرصتهم في التعليم، والكفاءات ستأخذ فرصتها في الإدارة. لكن الواقع، يا سيدي، أن الأمي الذي لا يعرف اين يضع الهمزة , إلا بنبرة المواطن، هو من يستلم المناصب الحساسة اليوم. كيف؟ لأنه يحمل شهادة عليا في “الولاء والبراء”. الكفاءة هنا لا تُقاس بالعقل ولا بالتجربة، بل تُقاس بـ البراءة من الخصم والولاء المطلق للسيد. لقد تحولت الدولة إلى عزبة خاصة، والمناصب إلى غنائم تُوزع على أساس المحارم والطوائف والولاءات، بينما يُرمى أصحاب الكفاءات في كهوف النسيان أو مهاجر اللجوء.
سيدي غودو..
الشعب السوري لم يعد ينتظر الخلاص، لقد تحول الانتظار إلى وطن بديل يسكنه. نحن ننتظر المعجزة، ننتظر الفرج، ننتظر أن تفي الدول التي رعت الانتقال بوعودها، ننتظر أن يُفتح الباب يوماً ما ليدخل رجل نزيه يقول: لقد جئت لأبني، لا لأرث.
الشعب السوري لم يعد ينتظر الخلاص، لقد تحول الانتظار إلى وطن بديل يسكنه. نحن ننتظر المعجزة، ننتظر الفرج، ننتظر أن تفي الدول التي رعت الانتقال بوعودها، ننتظر أن يُفتح الباب يوماً ما ليدخل رجل نزيه يقول: لقد جئت لأبني، لا لأرث.
لذلك، ندعوكم أنت وحرمك المصون، لتأتيا إلى هذا الطريق الترابي في بلاد الشام.
بشرفكم…هل ستحضرا أخيرا ، أم أن عقابنا الأبدي هو أن نبقى جالسين على هذا الكرسي المكسور، نلغو في بؤسنا، ونحسب فواتيرنا، وننتظر معجزة لن تأتي.. إلا في مسرحيات العبث التي يكتبها لنا القدر كل يوم.
بشرفكم…هل ستحضرا أخيرا ، أم أن عقابنا الأبدي هو أن نبقى جالسين على هذا الكرسي المكسور، نلغو في بؤسنا، ونحسب فواتيرنا، وننتظر معجزة لن تأتي.. إلا في مسرحيات العبث التي يكتبها لنا القدر كل يوم.
(رأي الموقع)