غداء مع أمير حرب
داخل مقابلة إريك برينس المثيرة مع “فاينانشال تايمز”: من “النصيحة السيئة” لترامب إلى “خصخصة الدول الفاشلة”
في واحدة من أكثر الوجبات الصحفية إثارة للجدل هذا الصيف، جلست صحيفة “فاينانشال تايمز” البريطانية إلى طاولة فاخرة في حي مايفير الراقي بلندن، لكن الضيف هذه المرة لم يكن مصرفياً أو وزيراً، بل الرجل الذي تصفه الصحيفة نفسها بـ”قائد المرتزقة الأول”: إريك برينس، مؤسس شركة “بلاك ووتر” سيئة السمعة. المقابلة، التي نُشرت في 27 يونيو 2026 ضمن سلسلة “الغداء مع الفاينانشال تايمز” وأجرهاها محرر شؤون الطاقة مالكولم مور، لم تكن حواراً سياسياً عادياً، بل نافذة مفتوحة على عقل رجل حوّل الحرب إلى نموذج عمل مربح، ويقدم نفسه اليوم لا كمتعاقد أمني، بل كبديل عن الحكومات العاجزة.
إيران… “نصيحة سيئة” وخطة خارج السجل
لم يتردد برينس في مهاجمة معسكر حلفائه من الداخل؛ إذ اعتبر أن الرئيس دونالد ترامب تلقى “نصيحة سيئة للغاية” بشأن العملية العسكرية الأخيرة ضد إيران، ووصف العملية بأنها “مخططة بشكل سيئ” ومن غير المرجح أن تحقق أهدافاً استراتيجية دائمة.
وعندما سأله المحاور عما كان سيفعله لو كان هو المسؤول عن العملية، رفض برينس الإفصاح عن خطته علناً، مكتفياً بكشفها “خارج السجل”، وكل ما سُمح للصحفي بنشره جملة واحدة: تلك الخطة “لم تكن صفقة وقف إطلاق النار المكونة من 14 نقطة التي وقعها ترامب في فرساي”.
وبالنظر إلى ما بعد الصراع، تنبأ برينس بأن دول الخليج قد تقلل تدريجياً اعتمادها على الدعم العسكري الأمريكي، وتنفتح على شركاء بديلين وشركات خاصة قادرة على “التحرك بالسرعة اللازمة لتوفير الدفاع فعلياً”. أما هاتفه هو، فلم يرنّ مؤخراً: “ما زلنا أصدقاء، لكنهم لم يتصلوا. يبدو أن أمورهم تحت السيطرة. أنا متاح عند الحاجة”.
من الأمن الخاص إلى “خصخصة الحكومات الفاشلة”
لعل أخطر ما في المقابلة ليس ما قاله برينس عن الآخرين، بل ما كشفه عن نفسه. فقد أوضح أن عملياته الحالية لم تعد تُمول من واشنطن أو بروكسل: “نحن لا نتقاضى أجورنا من الحكومة الأمريكية أو الاتحاد الأوروبي. نحن نتقاضى أجورنا من حكومات محلية لديها مشكلة كبيرة”.
نموذج عمله بسيط ومخيف في آن: رجاله يجمعون الضرائب أو يحمون المناجم، وهو يحصل مقابل ذلك على “حصة من العائدات”. ويقول: “مهمتنا أن ننجز الأمر بسعر يستطيعون تحمله. السر يكمن في معرفة كيفية تنظيم العتاد والأفراد والعمليات بمستوى احترافي وبأسعار معقولة”. هذا ما يسميه برينس “خصخصة الحكومات الفاشلة”، وهي وصفة يراها نقاده بيعاً لسيادة الدول الفقيرة لمن يدفع.
هايتي… اعتراف صريح بالارتزاق
في هايتي، حيث استأجرته الحكومة المؤقتة لمحاربة العصابات، خلع برينس قناع “المتعاقد الأمني” وتبنى علناً الكلمة التي حاربها طويلاً: المرتزقة. يقول: “ما نفعله في هايتي يلبي بالتأكيد تعريف المرتزق، بلا شك. الجنود المحترفون في ساحة المعركة كانوا جزءاً من الحرب منذ أن بدأ الناس يلتقطون العصي ويرمون بها”.
ويدّعي أن قواته الصغيرة، التي تواجه “عشرات الآلاف من أفراد العصابات”، “تفوق عددياً لكنها ليست مهزومة”، وأن رجاله استعادوا السيطرة على نحو نصف العاصمة بورت أو برانس. وعن قواعد الاشتباك، يقول إن رجاله “يمنحون فرصاً كثيرة للاستسلام”، مضيفاً ببرود: “البعض يختار القتال، وإذا أرادوا القتال فسيحصلون عليه”. أما تفضيله الشخصي فهو الاستسلام يتبعه “أعمال شاقة”، ليرى بقية أفراد العصابات “طريقاً للخروج”.
الكونغو… 130 “عصابة معادن” وصفعة لترامب
ملف الكونغو الديمقراطية أكثر تعقيداً وتفجيراً. برينس، الذي حصل على عقد لتحصيل الضرائب لصالح حكومة كينشاسا، يقول إنه يقاتل “130 عصابة معادن مختلفة، أسوأها حركة M23” المدعومة — بحسب خبراء الأمم المتحدة — من الجيش الرواندي.
ويتهم هذه العصابات بتهريب “مئات الملايين من الدولارات شهرياً” من المناجم الكونغولية إلى رواندا، حيث يُعاد استثمار الغنائم في ترسانة متطورة تشمل: أنظمة صواريخ أرض-جو صينية، وطائرات مسيرة مسلحة تركية، وأنظمة تشويش بولندية، وصواريخ موجهة بالليزر إسرائيلية، وقذائف هاون موجهة بنظام GPS. “إنه مستوى عالٍ من التطور”، يلاحظ برينس.
وعند سؤاله عن قواعد الاشتباك في هذه الحرب، جاء جوابه حاسماً كالسكين: “عندما يطلقون عليك صواريخ موجهة بالرادار، يصبح واضحاً جداً من هو العدو”.
ولم يخفِ برينس امتعاضه من تناقضات واشنطن: فبينما استضاف ترامب الرئيس الرواندي بول كاغامي ونظيره الكونغولي فيليكس تشيسيكيدي في البيت الأبيض في ديسمبر للتباحث في السلام، كانت رواندا ترسل آلاف الجنود إلى عمق الكونغو. وتعليق برينس على هذا التزامن جاء فظاً: “إنها بمثابة إهانة كبيرة لإدارة ترامب”.
قائمة طعام مثيرة للجدل: مادورو وأنفاق غزة وخطة الترحيل
لم تقتصر وجبة الغداء على أفريقيا والخليج. فبرينس، الذي يصف نفسه بأنه “محب لا يعتذر عن الحضارة الغربية”، أشاد بالعملية التي أطاحت بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو واصفاً إياها بأنها “عملية رائعة، رائعة للغاية”.
كما تفاخر بأنه عرض على الجيش الإسرائيلي خطة تستخدم فريق تكساس للتنقيب عن النفط بالحفر أفقياً نحو أنفاق حركة حماس في غزة لغمرها بالمياه — وهي خطة ترقى، إن صحت، إلى جريمة حرب، وقد سارع الجيش الإسرائيلي إلى نفي أي دور لبرينس فيها.
ولم يتوقف عند الحروب الخارجية؛ إذ كشف عن عرضه على إدارة ترامب خطة لوجستية بقيمة 25 مليون دولار للعثور على المهاجرين غير النظاميين واحتجازهم ومعالجتهم تمهيداً لترحيلهم، مدافعاً عن الخطة ببرود المحاسب: “إنها مجرد رياضيات”.
خاتمة الغداء: “على الأقل يعرفون أنني جاد”
في نهاية الوجبة، وبعد كل الغضب الشعبي الذي يلاحقه منذ مذبحة ساحة النسور في بغداد عام 2007 — حين قتل رجاله 17 مدنياً عراقياً، وأُدين أربعة منهم قبل أن يعفو عنهم ترامب عام 2020 — لخص برينس علاقته بالعالم بجملة واحدة: “بعض الناس يحبونني، وبعضهم يكرهونني، لكن على الأقل يعرفون أنني شخص جاد”.
المقابلة لم تمر دون عاصفة؛ إذ اتهمت منصات وصحف غربية، في مقدمتها موقع “ذا كناري” البريطاني، صحيفة “فاينانشال تايمز” بنشر “قطعة ترويجية وقحة” تلمّع صورة مستفيد من الحروب دون مواجهته بأشلاء الضحايا التي خلفتها عملياته، من العراق إلى ليبيا، ومن هايتي إلى الكونغو.
لكن أبعد من الجدل، تكمن أهمية “غداء مايفير” فيما تكشفه عن مستقبل الحرب نفسه: مستقبل لم تعد فيه القوة حكراً على الدول، وصارت فيه “الحكومات الفاشلة” سوقاً مفتوحة، ورجل أنيق يرفع كأس نبيذه فوق عالم يشتعل — ويربح — فيه رجاله من الكاريبي إلى قلب أفريقيا.
(فاينانشال تايمز)