من يمول الإرهاب؟
الادعاء بأن إيران هي الممول الرئيسي للمنظمات الإرهابية يُعدّ تضليلاً كبيرًا. وهو لا يقلّ حجمًا عن الرواية التي يروّج لها بعض المعلّقين، والتي تحاول ترسيخ فكرة أن نظام طهران سيرسل إلى عواصم العالم انتحاريين يحملون قنابل نووية على ظهورهم، فور تمكّن الأصوليين الإسلاميين من تصنيع أول عشر قطع منها.
في الواقع، فإن أكثر الهجمات الإرهابية دموية في الغرب خلال الثلاثين عامًا الماضية كانت من تنفيذ منظمات سنّية، دون أي صلة مطلقًا بإيران. بل إن الحديث يدور غالبًا عن جهات ترتبط بحلفاء استراتيجيين حاليين للولايات المتحدة، مثل السعودية.
تعترف إيران بأنها دعمت جماعات مسلّحة في الشرق الأوسط (حزب الله، حماس، الحوثيون، ميليشيات شيعية في العراق وسوريا) بهدف وحيد يتمثل في دعم «حركات التحرر الوطني» التي تقاتل ضد الاحتلال الإسرائيلي أو التدخلات الأجنبية في فلسطين أو العراق أو اليمن. وتؤكد طهران أن الولايات المتحدة هي في الواقع الممول الرئيسي للإرهاب، من خلال دعم متطرفين مثل المجاهدين الأفغان (الذين أفضوا لاحقًا إلى تنظيم القاعدة) أو عبر غزو دول مثل العراق وأفغانستان، ما أدى إلى سقوط مئات الآلاف من القتلى المدنيين. كما تنفي إيران تورطها في هجمات مباشرة على الأراضي الأمريكية أو الأوروبية (ولا توجد وقائع تناقض هذا النفي).
في جوهره، يتمحور الصراع بين الولايات المتحدة وإيران حول إسرائيل والاتهامات بارتكاب إبادة بحق الفلسطينيين، وليس حول نية إيرانية لمهاجمة مدنيين في الغرب.
في قائمة أكثر خمسة هجمات إرهابية دموية في الغرب المنسوبة لإرهابيين مسلمين (متطرفين إسلاميين مرتبطين بالقاعدة أو داعش أو مستلهمين منهما)، لا يظهر أي إيراني على الإطلاق. ولا حتى أي صلة، مهما كانت ضعيفة، بطهران. أول هجوم إرهابي كبير، في 11 سبتمبر 2001، أسفر عن 2,977 ضحية، ونفذه 19 سنيًا (15 سعوديًا، واثنان من الإمارات، ومصري ولبناني) مرتبطين بتنظيم القاعدة. ثاني أكبر مجزرة من حيث عدد الضحايا كانت تفجيرات مدريد في مارس 2004، التي أودت بحياة 193 شخصًا، ونفذها مغاربة في الغالب، إضافة إلى سوريين وجزائريين استلهموا القاعدة.
ثم جاءت هجمات باريس (بما في ذلك باتاكلان) في 13 نوفمبر 2015، التي أوقعت 130 قتيلًا، ونفذها أفراد وُلدوا في فرنسا أو بلجيكا من أصول مغربية وجزائرية، إضافة إلى عراقيين اثنين مستلهمين من داعش. أما الهجوم الرابع، وهو دهس بشاحنة في نيس في 14 يوليو 2016، فأسفر عن 86 قتيلًا، وكان المنفذ تونسيًا مستلهمًا من داعش. وأخيرًا، تفجيرات لندن في 7 يوليو 2005، التي أودت بحياة 52 شخصًا، ونفذها ثلاثة بريطانيين من أصول باكستانية ومعتنق للإسلام مولود في جامايكا، مستلهمين من القاعدة.
وعليه، فإن طهران لم تموّل إرهابيين لقتل مدنيين في الغرب، كما يروّج دعاة الحرب.
ورغم أن البيت الأبيض يقدّم إيران باعتبارها التهديد الإرهابي الرئيسي، فإن الولايات المتحدة تسببت في السنوات الأخيرة في أعداد هائلة من الضحايا المدنيين من خلال الغزوات والقصف والطائرات المسيّرة والآثار غير المباشرة (تدمير البنية التحتية، المجاعة، الأمراض، نقص المياه والرعاية الصحية). وبالمقارنة مع الهجمات الإرهابية الإسلامية في الغرب، فإن حصيلة الضحايا المدنيين في الشرق الأوسط وغرب آسيا بسبب الولايات المتحدة تُقدَّر بالملايين، وغالبيتهم من المسلمين الأبرياء.
وتستند التقديرات إلى بيانات من منظمات غير حكومية وتقارير أممية وتحليلات إعلامية. ولا يزال عدد الضحايا في تزايد بسبب الآثار المستمرة (مثل المجاعة في اليمن، والانهيار الصحي في العراق وسوريا وغزة). وتشير التقارير إلى ما بين 3.6 و3.8 ملايين وفاة مباشرة وغير مباشرة، معظمهم مدنيون، نتيجة حروب الفترة 2001-2023. ويشمل ذلك المناطق الرئيسية في «الحرب على الإرهاب» التي قادتها الولايات المتحدة، بما في ذلك العراق (غزو 2003)، وأفغانستان (2001-2021)، والعمليات ضد داعش في سوريا والعراق، واليمن (دعم التحالف السعودي والطائرات الأمريكية المسيّرة)، وباكستان (هجمات بالطائرات المسيّرة ضد طالبان والقاعدة).
وإذا تساءلتم لماذا يهتف ملايين الإيرانيين «الموت لأمريكا»، فربما يجدر التذكير بجوانب أخرى لا تتعلق فقط بالصراع الإسرائيلي-الفلسطيني المعروف. فلدى إيران أسباب تاريخية قوية للعداء تجاه الولايات المتحدة، المتهمة بالوقوف وراء انقلاب عام 1953 (عملية أجاكس التي قادتها وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية وMI6 البريطانية)، والذي أطاح برئيس الوزراء المنتخب ديمقراطيًا محمد مصدق بعد تأميم النفط. وأعاد الأمريكيون حينها تنصيب الشاه محمد رضا بهلوي، وعززوا نظامًا مواليًا للغرب خلّف استياءً عميقًا (وقد ساهم ذلك لاحقًا في قيام الثورة الإسلامية عام 1979).
[03/03/2026 01:32 م] Hassan: ثم فُرضت عقوبات شديدة بعد عام 1979 (تفاقمت بعد 2018)، عطّلت صادرات النفط والأدوية والقطاع المالي، وأدت إلى تضخم حاد وفقر ووفيات غير مباشرة نتيجة انهيار القطاع الصحي. ومع ذلك، لا يُظهر الشعب الإيراني كراهية عامة تجاه الأمريكيين كأفراد، بل يميز بوضوح بين الحكومة والمواطنين. فكثير من الإيرانيين يقدّرون الثقافة الأمريكية ويحلمون بعلاقات طبيعية، رغم المعاناة الناجمة عن التدخلات والعقوبات الأمريكية.
وكما قال العميل السابق في وكالة الاستخبارات المركزية لاري جونسون: «إذا كان هناك إله يحاسب الأمم على الشر الذي ترتكبه، فإن الدولة الوحيدة التي ينبغي أن تخشى الحكم الإلهي هي الولايات المتحدة، لا إيران».
أدريان أونشو (صحفي روماني)