Skip to content
الإثنين 2026-07-06
جبلة جبلة
  • most recent news
  • trending news
  • most read
  • All Video
  • Image gallery
  • more
من نحن

موقع جبله

2025-03-13
  • Accessibility
  • Help
  • Contact
  • About qoxag
جبلة جبلة
مراسي
نصائح وحيل للتغلب على الأرق
تطورات العدالة في سوريا منذ سقوط الأسد
أكبر سر بالعالم
برغم الجراح لماذا يرجّح العلويون خيار الدولة؟
جبلة جبلة
  • الرئيسية
  • أدب وحياة
    • أدب
    • إضاءات
    • حياة
  • سياسة
    • تقارير
    • رأي
  • فوتولوجي
  • مراسي
  • عن الموقع
  • اتصل بنا

يعيش أهل بلدي

 يعيش أهل بلدي
حكاية اليوم

يعيش أهل بلدي

by jablah 2026-07-06

يعيش أهل بلدي كما تعيش الأشجار على حافة الجفاف؛ واقفة منذ زمن طويل، لا تعرف بالضبط من أين يأتيها الماء، لكنها تعرف جيداً من أين تأتيها الريح.

في بلاد أخرى يقرأ الناس الصحف ليعرفوا ماذا يحدث. أما عندنا، فما يحدث يعرفه الناس أولاً، ثم تأتي الصحف ووسائل التواصل لاحقاً لتشرح لهم أن ما حدث لم يحدث، أو أنه حدث بطريقة مختلفة، أو أنه في الحقيقة إنجاز تاريخي.

أهل بلدي ليسوا ضد أحد، ولا مع أحد بالكامل. لقد أتعبتهم الحياة من الانحيازات الحادة. صاروا ينتمون إلى طائفة واحدة اسمها: “فرجونا النتيجة”.

منذ فترة كنت أقف عند ميكانيكي يريد تغيير مضخة زيت في منظومة الفرامل. كان منهمكاً في العمل بينما كنت أتأمل القطع المعدنية الملقاة حوله كأنها بقايا معركة خاضتها السيارة ضد الطرقات السورية.

قلت له وأنا أتفلسف قليلاً:

“هذه المضخة تعطي الزيت حرية حركة أكبر داخل المنظومة.”

ما إن سمع كلمة “حرية” حتى أخرج رأسه من تحت السيارة كما يخرج جندي من خندقه عند سماع انفجار قريب.

نظر إليّ وقال:

“حرية؟ أي حرية يا أستاذ؟ ما تريده أمريكا يصبح أمراً وبالصرماية.”

قلت محاولاً إنقاذ ما تبقى من المضخة ومن الحوار:

“طول بالك… العين لا تقاوم المخرز.”

هز كتفيه بازدراء وقال:

“إي خلص… لا حدا يبيض علينا.”

لم يكن الرجل يناقش مضخة زيت، ولا الولايات المتحدة، ولا موازين القوى الدولية. كان يناقش شعوراً قديماً يسكن الناس. شعور الإنسان الصغير الذي يسمع منذ عشرات السنين أن العالم يتغير من أجل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، ثم يكتشف أن هذه الكلمات تشبه المظلات؛ تفتح فوق رؤوس الكبار فقط، أما الباقون فيبقون تحت المطر.

وفي يوم آخر، وبعد أن أصلح كومجي دولاب السيارة، قلت له متفائلاً:

“إن شاء الله هلا ظابطة.”

نظر إليّ كما لو أنني ارتكبت مزحة ثقيلة.

وقال:

“لا والله مانها ظابطة.”

ثم أضاف بعد لحظة:

“ما في شي ظابط.”

كانت جملة قصيرة، لكنها بدت لي كأنها تقرير سنوي عن أوضاع البلاد.

أحياناً أشعر أن المواطن السوري أصبح يشبه فني صيانة عجوزاً يجلس أمام آلة ضخمة معطلة منذ سنوات. كل يوم يأتيه مسؤول جديد ليشرح له أن الآلة تعمل بكفاءة عالية، فينظر إليها الرجل، يسمع صريرها، يرى الدخان يخرج منها، ثم يجيب بهدوء:

“يمكن… بس هيك مو مبين.”

لقد اكتسب الناس خبرة غريبة في قراءة الواقع. لم يعودوا يقيسون الأمور بالكلمات بل بالنتائج.

إذا قيل لهم إن الوضع الاقتصادي يتحسن، يفتحون البراد.

إذا قيل لهم إن الأسواق مستقرة، يذهبون لشراء كيلو بندورة.

إذا قيل لهم إن المستقبل واعد، يسألون عن سعر المازوت.

هذه ليست سخرية من التفكير الكبير، بل دفاع عن حقائق صغيرة جداً؛ تلك الحقائق التي يعيش منها البشر.

فالإنسان لا يسكن داخل البيانات الرسمية، بل داخل بيته.

ولا يأكل من التصريحات، بل من السوق.

ولا يدفئ أطفاله بالتوقعات الإيجابية، بل بما يتوفر لديه من وقود.

ولهذا أصبحت لدى أهل بلدي حساسية مفرطة تجاه الكلمات الكبيرة.

فكلما كبرت الكلمة، صغرت الثقة بها.

وكلما ارتفع الصوت، اقتربت السخرية.

وكلما زادت الوعود، بدأ الناس بالبحث عن أبواب النجاة.

في المقاهي الشعبية، حيث تتقاعد الأحلام قبل أصحابها، تسمع حكمة سياسية كاملة في نصف جملة.

يقول أحدهم:

“كلهم يحكون باسم الشعب، لكن لا أحد يسأل الشعب.”

ويقول آخر:

“نحن دائماً على أبواب الانفراج، المشكلة أن الباب لا يفتح.”

ويضيف ثالث وهو يضحك:

“يمكن الانفراج موجود بالداخل ونحن بالخارج.”

ثم يضحكون جميعاً تلك الضحكة السورية الشهيرة؛ ضحكة لا تعرف إن كانت فرحاً أم احتجاجاً أم وسيلة دفاع أخيرة ضد الجنون.

لقد تعب الناس من شرح الواقع. صاروا يختصرونه بالنكتة.

النكتة عند السوري ليست ترفاً، بل إسعاف أولي.

وليست وسيلة للضحك فقط، بل وسيلة لتحمل ما لا يطاق.

ولهذا يبدو أهل بلدي أحياناً ساخرين من كل شيء. لكن الحقيقة أنهم ليسوا ساخرين من كل شيء، بل من المسافة الهائلة بين ما يقال وما يعيشونه.

فحين يسمعون كلاماً عن الازدهار، ثم يرون شاباً يحمل شهادة جامعية ويبحث عن فرصة عمل فلا يجدها، تتكلم السخرية.

وحين يسمعون كلاماً عن المستقبل المشرق بينما يودعون كل يوم شاباً جديداً مسافراً أو مهاجراً، تتكلم السخرية.

وحين يسمعون أن الأمور تسير في الاتجاه الصحيح، ثم يكتشفون أن الاتجاه الصحيح يبتعد عنهم أكثر فأكثر، تتكلم السخرية.

ومع ذلك، ورغم كل شيء، لا يزال أهل بلدي يستيقظون صباحاً.

يفتحون محالهم.

يرسلون أبناءهم إلى المدارس.

يزرعون الأرض.

يشربون القهوة.

يتشاجرون ويضحكون ويتزوجون ويحلمون.

كأنهم يقولون للحياة كلها:

لن نعطيك شرف هزيمتنا بسهولة.

هذه هي الحكاية الحقيقية.

لكن الصورة لا تكتمل إذا تحدثنا عن أهل بلدي وكأنهم صوت واحد. فكما توجد شريحة لا ترى في الواقع إلا ما يناقض التصريحات، توجد شريحة أخرى تمشي مع السلطة أينما مشت، وتدافع عنها مهما اشتدت العواصف. وهذه الشريحة أيضاً جزء من الحس الشعبي، ولها منطقها الخاص الذي صنعته السنوات والتجارب والمخاوف.

تجلس مع أحدهم فيشكو من الأسعار كما يشكو الجميع، ويتذمر من الخدمات كما يتذمر الجميع، ثم ما إن يصل الحديث إلى المسؤولية حتى يتحول فجأة إلى محامٍ متطوع. فإذا انقطعت الكهرباء فالمؤامرة هي السبب، وإذا ارتفعت الأسعار فالحصار هو السبب، وإذا تعطلت الأمور فالعالم كله متآمر. أما السلطة فتقف في نهاية المطاف كالتلميذ المجتهد الذي لم يقصر في شيء، لكن الحظ العاثر لا يكف عن مطاردته.

وهؤلاء ليسوا بالضرورة أصحاب مصالح أو من أصحاب النفوذ. كثير منهم أناس بسطاء أنهكتهم الفوضى والحروب، فصار الاستقرار عندهم قيمة أعلى من أي نقاش آخر. بعضهم لا يدافع عن الواقع لأنه مقتنع بكل تفاصيله، بل لأنه يخاف البديل. وبعضهم لا يصفق حباً بما هو قائم، بل خوفاً مما قد يأتي إذا انهار القائم. وكأن النقاش لا يدور بين واقع جيد وواقع سيئ، بل بين واقع سيئ وكارثة أكبر.

ليس التشاؤم هو ما يميز أهل بلدي، بل قدرتهم العجيبة على الاستمرار رغم كل الأسباب التي تدعو إلى التوقف.

أما السخرية، فهي ليست مرضهم.

إنها فقط الطريقة الوحيدة التي بقيت لهم ليقولوا الحقيقة دون أن يرفعوا أصواتهم.

(رأي الموقع)

Share This:

Tags: سلايد
Previous post

تابعنا:

© حقوق النشر محفوظة 2026. موقع جبلة