مأساة محمد غميرة تحرّك الوجدان الصامت
دخل محمدٌ مخفرَ الحفة سليمًا، واعيًا، بحالة صحية مستقرة بحسب رواية عائلته
وبعد ثلاثة أيام، ورغم صدور قرارٍ قضائي بإطلاق سراحه، خرج محمولًا بنزيف دماغي وداخلي
ثم فارق الحياة بعد وجيز. شابٌّ متطوع في الدفاع المدني، وابن شهيد، أوقفَتهُ — بحسب ما تداوله الناشطون — وشايةٌ كيدية
سقطتِ الديكتاتورية، لكنّ منطقَها لم يسقط بعد. فالحادثة تفصح عن ظروف توقيفٍ ظنّ السوريون أنها دُفنت مع النظام البائد: القبو يسبق التحقيق، والجسدُ وسيلةُ «الاعتراف»، والاشتباهُ حكمٌ لا استئناف له. وفي ظلّ غياب المؤسسات الكفوءة تتحوّل الإجراءات إلى فوضى: لا رقابة قضائية فعلية على أماكن الاحتجاز، لا توثيق شفاف، لا مساءلة سريعة — فلم تتحرّك الجهات الرسمية لإعلان التحقيق وتوقيف سبعة عناصر إلا بعد أن فاض الغضب واتّسعت رقعة القضية
وحين تتعارض روايةُ العائلة عن الضرب والتعذيب مع تقريرٍ طبيّ شرعي أوّلي «لم يلاحظ آثار تعذيب»
تغدو لجنةُ تحقيقٍ مستقلةٍ وعلنيةٍ هي السبيلَ الوحيد إلى الحقيقة، والضمانَ الوحيد ألّا يُضافَ دمٌ جديد إلى السجلّ المثقل بالدم.
أفاقَتِ البقيةُ الصامتة لأنها رأت نفسَها في محمد: أيُّ مواطنٍ قد يدخل مخفرًا بوشايةٍ، ويخرج جثمانًا. ولعلّ رحيله يكون نقطة التحوّل التي تكسر جدار الصمت؛ فالمطلوب اليوم ليس الانتقام بل الضمانات: تحقيق مستقل، محاكمة علنية لمن تثبت إدانته، ضبطٌ صارم لأماكن التوقيف بما يليق بالكرامة الإنسانية، وإنصافٌ كامل لأسرة الضحية.
يا محمد..
يا من لبستَ الصدريةَ الصفراء لتنتشل الأحياء من تحت الركام، عشت مُنقِذًا ,وقد يكون رحيلك المأساوي منقذا للمئات من بعدك.
وقد يكون دمك آخرُ حبرٍ يُسفح في دفتر الكرامة.