
عطب مؤسساتي
حول بيان وزارة الخارجية السورية بشأن تفجير كنيسة مار إلياس بدمشق كونه الموقف الرسمي الوحيد للذي صدر حول الحدث الارهابي .
حيث صدر عن وزارة الخارجية والمغتربين في الجمهورية العربية السورية بيان بتاريخ يوم أمس 22 حزيران 2025 يُدين التقجير الإرهابي الذي استهدف كنيسة مار إلياس بدمشق ورغم أهمية الموقف المبدئي المتمثل في الإدانة، إلا أن البيان يعاني من جملة من الاخطاء والإشكاليات التي تعكس خلالا بنيويا وارتباكًا مؤسساتيًّا وعدم فهم للأدوار والمسؤوليات، فضلًا عن فقر واضح في امتلاك ومعرفة اللغة السياسية الرصينة والمهنية.
أولًا: الخلل في الشكل والصفة القانونية
ابتدأ البيان بعنوان: “الجمهورية العربية السورية تدين…”، وهو خلل بنيوي يثير التساؤل حول مدى فهم الوزارة للمفاهيم الدستورية والمؤسساتية “الجمهورية العربية السورية” هي الدولة بصفتها الاعتبارية الكبرى، ولا يُفترض أن تصدر البيانات باسمها (الدولة ليست شخص هي كيان وظيفي خدمي ليس له لسان او عقل او دين او لون بشرة او ..) لانها كيان خدمي لاتصدر البيانات كما قلت إلا عبر رئاسة الجمهورية أو مجلس الوزراء، أو جهة رسمية مخوّلة تمثيل الدولة بكاملها، أما وزارة الخارجية فهي جهاز تنفيذي مختص بتمثيل الدولة خارجيًا، ويجب أن يصدر عنها البيان باسمها فقط، لا أن تتقمص صفة الدولة فتصبح مثيرة للتندر.
هذا التقمص للموقع السيادي يشي إما بجهل سياسي وأمية فيما يخص دور الخارجية أو بتجاوز إداري مخلّ، فكأنما الخارجية تنصّب نفسها ناطقًا باسم الدولة كلها بل هي الدولة حيث تترك الجمهورية نفسها تتحدث كشخص في بيانها، بما فيها الرئاسة والحكومة والجيش والشعب!
ثانيًا: فشل في الخطاب السياسي
بدلًا من خطاب دولة مسؤول، قدّمت الوزارة خطابًا شعاريًا مكرورًا، يُلقي التهمة على “داعش” والجهات الداعمة له دون تفاصيل أو أدلة، ويطالب المجتمع الدولي بالإدانة، وكأن الدولة تكتفي بالشكوى للعالم دون أن تنظر إلى بيتها الداخلي.
هذا الخطاب الضعيف لا يبني ثقة مع المواطنين، ولا يشكّل رادعًا للإرهاب، ولا يوصل رسالة جدية بأن هناك دولة حقيقية تتحرك وتتحمل مسؤولياتها.
ثالثا: الفشل في فهم دورها
وزارة الخارجية ليست جهاز دعاية إعلامية، ولا جهة إصدار بيانات إنشائية. دورها هو تمثيل السياسة الرسمية للدولة خارج الحدود، وعندما تختار أن تصدر بيانًا، يجب أن يكون مبنيًا على موقف مؤسساتي واضح، منسّق مع الجهات المعنية (الداخلية، الدفاع، الرئاسة).
وغياب هذا التنسيق يضعف جدوى البيان ويحول المؤسسة إلى جهاز منفصل عن الدولة، لا يعرف حدوده ولا وظيفته.
ولكي لايكون كلامي انتقاديا فقط دعونا نفهم ماذا غاب عن بيان الخارجية وماذا يجب أن يحضر ؟
إن أكثر ما يثير القلق في هذا البيان ليس فقط ما جاء فيه، بل ما لم يأتِ… إذ لم يتطرق البيان نهائيًا إلى:
مسؤولية الدولة في حماية مواطنيها، وهو واجب أصيل لأي سلطة وطنية، لا سيما عندما يكون الاستهداف داخل العاصمة، وفي مكان ديني مقدّس.
الإعتراف بالتقصير الأمني في عدم توفر حماية مناسية لمثل هذه الاماكن في اوقات حساسة، وكيفية معالجته مستقبلًا لمنع تكرار مثل هذه الهجمات.
الإجراءات الفورية التي اتُخذت لحماية أماكن العبادة وتعزيز أمن المدنيين بعد التفجير.
دور الدولة في مواساة المتضررين، وتقديم الدعم لعائلات الشهداء والجرحى، واعلان الحداد العام خاصة مع وجود بيئة عامة غير صحية بالاصل وهو ما يغيب عن الخطاب الرسمي عادة.
ايضا يفتقد إلى وجود خطاب جامع وطني يتوجه إلى كل السوريين، لا إلى فئة واحدة، بما يحافظ على وحدة المجتمع، بدلًا من تكريس الخطاب الطائفي كما ورد في البيان من خلال الاشارة للضحايا بصفتهم الطائفية والدينية.
إن غياب هذه النقاط يعرّي البيان من أي مضمون فعلي، ويكشف عجز الجهة المصدرة له عن فهم جوهر دورها في مثل هذه المحطات الحساسة. فما صدر هو “نشرة إدانة إنشائية” لا ترقى لمستوى حدث دموي بهذا الحجم.
ختاما دعونا نقولها صراحة
هذا البيان يكشف عن عطب مؤسساتي عميق، يتمثل في غياب الفهم للتراتبية الدستورية، والخلط بين المهام، والانفصال عن وجدان الشعب ومشاعره… بيان في مناسبة أليمة كهذه كان يجب أن يكون صادقًا، مسؤولًا، وموحّدًا، لا أن يكون نسخة إنشائية مبتورة، تُنسب زورًا إلى “الجمهورية”، وتخلو من أي بُعد أخلاقي أو وطني حقيقي.
سعاد خبية