
سوريا تتجه نحو “الضريبة الموحدة”
تعمل الحكومة السورية على الانتقال بالاقتصاد إلى مرحلة جديدة بعد رفع العقوبات واستعادة حضورها في النظام المالي العالمي، وتسعى، بالتوازي، إلى تحديث نظامها المالي والضريبي، وجعله مواكباً للتغيرات والحاجات، وأكثر استجابة لمتطلبات النهوض الاقتصادي والاستثماري والمجتمعي.
ويتولى فريق عمل متخصص، بمشاركة متخصصين وممثلين عن القطاعين العام والخاص، عبر “اللجنة العليا للضرائب”، العمل على تعديل وتحديث القوانين الضريبية في سوريا ، وتحويلها إلى قوانين أكثر وضوحاً وتبسيطاً وكفاءة، بما يسهم في زيادة إيرادات خزانة الدولة وتقليل التهرب الضريبي الذي بلغ مستويات كبيرة، مما لن يتحقق إلا من خلال بناء نظام ضريبي يحقق التوازن والثقة بين حقوق الدولة والمكلفين.
وأعلن وزير المالية السوري، محمد يسر برنية، عن قرب إصدار الحكومة السورية حزمة من القوانين الجديدة التي تصب في خانة الإصلاح الضريبي، مؤكداً أن البلاد باتت مستعدة للدخول في مرحلة جديدة من السياسات الضريبية، أكثر عدالة وشفافية. وأوضح في منشور له على منصة “لينكد إن” أن وزارة المالية ستطرح خلال الأسبوعين المقبلين مشروع “الضريبة الموحدة على الدخل”، تمهيداً لإطلاق حوار عام حوله مع مختلف الجهات المعنية والجمهور، ما يعد خطوة أساسية في طريق إعداد القانون الجديد، الذي من المقرر أن يدخل حيز التنفيذ مع بداية عام 2026، وشدد على أن الحوار يهدف إلى فتح باب التشاور وتعزيز المشاركة المجتمعية في صياغة النظام الضريبي المرتقب.
وتحدث وزير المالية السوري عن إنجاز مراجعة رسوم البيوع العقارية بالكامل، ومن المتوقع أن يبدأ العمل بالتعديلات الجديدة خلال الأسابيع القليلة المقبلة، مما سينعكس على واقع المعاملات العقارية في البلاد. وضمن إطار التعديلات المنتظرة أيضاً، أعلن الوزير برنية عن إلغاء ضريبة رسم الإنفاق الاستهلاكي قريباً، واستبدال ضريبة المبيعات بها، التي صيغت بطريقة تراعي التبسيط والتخفيف وزيادة الإعفاءات، وهي خطوة تمهد بدورها للانتقال مستقبلاً إلى تطبيق ضريبة القيمة المضافة.
وأشار الوزير إلى التحديات الكبيرة التي تواجه النظام الضريبي السوري، مبيناً وجود قصور وإرث ثقيل يتطلب العمل الجاد لمعالجته، بخاصة في ما يتعلق بتحقيق العدالة الضريبية والاستجابة لشكاوى المواطنين. وعلى رغم أن هذه الجوانب قد تخرج عن صلاحيات لجنة الإصلاح الضريبي نفسها، فإن الوزير أكد التزامه عدم إغفالها، وشدد على أهمية التحول الرقمي في مجال الضرائب والرسوم، لافتاً إلى أن العمل جارٍ لتطوير آليات الدفع والتواصل الرقمية بما يعزز من كفاءة النظام ويقلل من التعقيدات الإدارية.
وأكد نائب عميد كلية الاقتصاد بجامعة حلب، حسن حزوري، أن انتقال سوريا إلى نظام ضريبي جديد يعني حكماً امتلاكها قابلية التحول إلى نظام اقتصادي أكثر تطوراً وانفتاحاً وجذباً للاستثمارات والأعمال. ولفت إلى أن طرح مشروع “قانون الضريبة الموحدة على الدخل” للنقاش العام، سيساعد في إغنائه بالأفكار والطروحات، بما يفضي لاحقاً إلى إنتاج قانون عصري ينسجم مع المرحلة الجديدة التي تمضي إليها سوريا.
وأكد أن التهرب الضريبي الكبير، الذي كان يتكرر عاماً بعد عام، كان نتيجة القوانين الضريبية القديمة وتشتت تطبيقها، وقال “لقد كان الناس البسطاء، والضعفاء بخاصة من الموظفين، بمثابة كبش فداء لهذه القوانين المتخلفة، بينما كان الأغنياء قادرين دائماً على الإفلات منها بسهولة والتهرب من دفع الضرائب”.
وأشار حزوري إلى أن سوريا، ومن خلال ضريبة واحدة فحسب، يمكنها أن تحسن تحصيلها الضريبي بمقدار 50 في المئة، في إشارة إلى “التبغ” ومنتجاته، الذي ينفق عليه السوريون مئات الملايين من الدولارات، إذ إن ثلث الشعب السوري مدخنون. ومع ما يترتب على التدخين من أعباء صحية وبيئية وغيرها، يجب فرض ضرائب على تجارته واستهلاكه وضبط تهريبه، واصفاً التبغ بـ”المصدر الضريبي المغيب” لأن تجارته كانت محصورة بآل الأسد ومن يعمل لصالحهم.
وأضاف أن التهرب الضريبي في سوريا كبير جداً ويتجاوز الأرقام المعلنة، وهناك صناعات ومهن ونشاطات، لولا التهرب الضريبي، لما استطاعت الاستمرار، بل إن بعضها يقوم مستعيناً بضعف القوانين الضريبية، داعياً إلى ضرورة أن يكون الإصلاح الضريبي شفافاً وعادلاً ومبسطاً، ويتضمن إجراءات صارمة في حق كل من لا يصرح عن حجم أعماله، وقال “لقد حان الوقت لإنهاء ظاهرة الدفترين، دفتر للمالية قائم على تصغير حجم الأعمال والأرباح، ودفتر لصاحب العمل يحوي الأرقام الحقيقية”.
القانون الضريبي السوري أصدر قبل 76 عاماً
يعود القانون الضريبي السوري الحالي إلى عام 1949، واستمر عقوداً على رغم تغير الحكومات والأنظمة، وهو أحد مراسيم الرئيس السابق حسني الزعيم، منسوخ عن النظام الضريبي الفرنسي الذي كان مطبقاً في فرنسا عام 1931، ويعتمد على نموذج الضرائب النوعية، وهو النموذج الذي تخلت عنه معظم دول العالم لمصلحة الضرائب التصاعدية المفروضة على إجمال دخل الأفراد والشركات.
وتعني الضرائب النوعية أن كل نوع من الدخل يخضع لنوع مختلف من الضرائب ، وهو نظام تجاوزه الزمن لأنه يقوم على تفتيت دخل الفرد، ومن ثم تفتيت الضريبة نفسها.
اندبندنت