برغم الجراح لماذا يرجّح العلويون خيار الدولة؟
ذاكرة مبكرة في مواجهة التقسيم
حين طرح المستعمر الفرنسي في عشرينيات القرن الماضي مشروع “دولة العلويين” المنفصلة عن سوريا، لم يكن الموقف الشعبي ضمن الساحل منسجماً كليا مع هذا الطرح كما ظلّ يُكرَّس لاحقاً في بعض الدراسات السياسية. فقد قدّم وجهاء المنطقة حينها، وعلى رأسهم شخصيات دينية واجتماعية بارزة، اعتراضات رسمية تؤكد التزامهم بوحدة سوريا.
تَظهر في رسائل ذلك الزمن—ومنها العريضة الشهيرة الموجّهة إلى حكومة باريس—في يوليو /تموز 1936، وبخلاف رؤية فئة من المسؤولين والموالين للانفصال في حكومة اللاذقية، عبّر شريحة واسعة من سكان الإقليم عن موقف وحدوي صريح يؤكد على أن الإقليم جزء لا يتجزأ من سوريا. الوثيقة التاريخية التي أُرسلت إلى وزير الخارجية الفرنسي في باريس تضمنت برقية وُصفت بـ«برقية الوحدويين»، “وزارة الخارجية الفرنسية – أرشيف سوريا/لبنان، المجلد 492/493 (1936). وثيقة اعتراض زعماء المجتمع العلوي على مشروع “الدولة العلوية” والانفصال عن سوريا.
حيث أدانت سياسة التفرقة التي اتبعها بعض موظفي الإدارة الفرنسية وبعض الانفصاليين الذين ادعوا أن العلويين قومية أو ديناً مختلفاً عن باقي السوريين. في نصها، يشير واضعو البرقية إلى أن مطالب الانفصال تخدم مصالح شخصية للمنفصلين ولا تعبّر عن رغبة السكان، مؤكدين أن الإقليم لم يكن أبداً وحدة منفصلة عن سوريا وأنه جزء من النسيج الوطني السوري. كما ذُكرت أسماء قيادات دينية واجتماعية تمثل الأغلبية الساحقة من سكان الإقليم، مثل عزيز الهواش وجابر أفندي عباس، الذين أبدوا رفضهم للانفصال ودعمهم لوحدة سوريا، وهو ما يشكل دليلاً تاريخياً على أن فكرة الوحدة كانت مكوّناً حقيقياً في وعي المجتمع العلوي آنذاك، ولم تكن مشروعاً فرضه الغرباء عليهم.
هذا الإرث التاريخي رسّخ لدى الطائفة شعوراً بأنّ الوحدة الوطنية ليست شعاراً سياسياً، بل خياراً وجودياً واجتماعياً. ولذلك اكتسبت فكرة “الدولة” لديهم بعداً عميقاً يتجاوز الأنظمة المتعاقبة، وينتسبُ إلى مخزون طويل من خشية التفكك ومقاومة مشاريع التقسيم.
العلويون… الثمن الفادح من حكم الأسد خلال الحرب (2011–2024)
من المفارقات الصادمة—والتي قلما يتم التوقف عندها في النقاش العام—أنّ الطائفة التي يُنظر إليها غالباً بوصفها “مستفيدة” من النظام، هي فعلياً إحدى أكثر المجموعات التي دفعت الكلفة البشرية والاقتصادية للحرب.
1. الخسائر البشرية:
تقدّر أوساط بحثية سورية ودولية أنّ ما بين 50 إلى 60 ألف شاب من أبناء الساحل فقدوا حياتهم خلال سنوات الحرب. هذا الرقم، حتى وإن لم يُحسم بدقة، يعكس حقيقة قاسية:
هذا النزيف أفرغ القرى من شبابها، وولّد شعوراً داخلياً جارحاً بأنّ الطائفة فقدت أبناءها في حرب أهلية عبثية لم تخدم سوى بقاء الحاكم ودون أن تحصل على حماية اجتماعية أو ضمانات سياسية.
2. الانهيار الاقتصادي:
بلغ راتب الموظف الحكومي في الساحل، كما في بقية البلاد، حدود 20 دولاراً شهرياً، وهو أدنى مستوى عالمي مسجَّل في العقود الأخيرة. هذا الوضع دفع آلاف الشباب إلى الهجرة، إما هرباً من الخدمة الإلزامية أو بحثاً عن مصدر رزق يكفل الحد الأدنى من الحياة الكريمة.
3. تهميش نخب الطائفة وتضييق هوامشها:
شهدت سنوات الحرب وما قبلها تضييقاً كبيراً على العائلات والشخصيات العلوية ذات الرمزية الاجتماعية أو الفكرية—منها مثلا عائلات الأحمد، والخير، وقبلهم الهوّاش، والعبّاس—إما عبر الاعتقال أو الإقصاء من المؤسسات الرسمية أو مراقبة نشاطهم العام. وهذا التهميش كشف عن حقيقة لطالما عاشت داخل الطائفة بصمت:
النظام لم يتعامل مع العلويين كحليف، بل كقوة يمكن الاستفادة منها واستغلالها .
الثمن غير المرئي لمعارضة أبناء الطائفة
يُتداوَل في الخطاب العام—خاصة المعارض—أنّ العلويين وقفوا كتلة واحدة خلف النظام. هذه الصورة تتجاهل جانباً مؤلماً من الحقيقة:
هناك الكثير من الشخصيات العلوية التي عارضت النظام قبل 2011 وبعدها، ودُفعت إلى السجون، وفقد البعض حياته بسبب مواقفه.
من عبد العزيز الخير، إلى عارف دليلة والآلاف غيرهم ،حتى أنه في بعض القرى يندر أن يخلو بيت من معتقل أو ضحية للنظام (بسنادا مثلا) إلى ناشطين ومثقفين وطلاب جامعات…
لكن احتساب هؤلاء كـ”أفراد” لا كـ”ظاهرة” جعل تضحيتهم غير مرئية.
وبسبب خطاب التعميم الطائفي، جرى دمغ الطائفة بوصفها “كتلة مؤيدة”، رغم أنّ مؤشرات الدعم العددي الفعلية للنظام كانت أقل من طوائف أخرى أكثر حضوراً في العاصمة ومؤسسات الدولة الأمنية والاقتصادية.
مقاومة محاولات التشييع الإيرانية في الساحل
رغم النفوذ الضخم الذي تمتلكه إيران في سوريا، فشلت في إحداث اختراق مذهبي في بنية المجتمع العلوي.
السبب لا يعود إلى “تشابه مذهبي” كما يُروَّج أحياناً، بل إلى بنية ثقافية وروحية شديدة الخصوصية، تتسم بما يلي:
- رفض الاندماج ضمن هويات مذهبية سياسية.
- طابع عَلماني اجتماعي واسع داخل مناطق الساحل.
- إرث روحي غير تبشيري وغير قابل للتمدد العمودي.
لقد حاولت إيران منذ 2012 فتح مراكز دينية ومؤسسات إغاثية، لكنها اصطدمت بكتلة اجتماعية تعتبر أن أي تغيير مذهبي هو تهديد وجودي، وأن الساحة الدينية غير قابلة للاستثمار السياسي.
هذا الصمود نادراً ما يجري الاعتراف به، رغم أنّه كان عاملاً حاسماً بمنع الساحل من التحول إلى ساحة صراع مذهبي على غرار العراق ولبنان.
استقبال المهجرين ودور الانفتاح الاجتماعي
استقبلت قرى ومدن الساحل خلال سنوات الحرب مئات آلاف العائلات النازحة من حمص وريف دمشق وحلب وإدلب، وهي مناطق تختلف مذهبياً واجتماعياً مع البيئة المضيفة.
ورغم الظروف الاقتصادية الخانقة، تم دمج هذه العائلات بسرعة نسبية، وشاركوا في المدارس والمهن والمجتمع المحلي حتى اليوم.
لم تكن هناك كانتونات مغلقة، ولا صدامات كبرى، ولا خطاب تعبئة مذهبية من المجتمع نفسه، بل انفتاح ساعد—بصمت—على حفظ النسيج الوطني في واحدة من أصعب مراحل سورية.
هذا السلوك الاجتماعي لم يُحتفَ به كما يجب، لكنه كان دليلاً على أن هذه الجماعة لا ترى نفسها جزءاً من مشروع “حكم”، بل جزءاً من بنية اجتماعية سورية أوسع.
لماذا يرجّح العلويون خيار الدولة؟
رغم المجازر والانتهاكات التي حدثت في 7 آذار وما تلاها وما سبقها، ورغم الإهانات اليومية التي يتعرض لها أبناء الساحل، وتسريح الآلاف من وظائفهم، وحرمان الشباب من مصدر رزقهم… لا تزال الطائفة—بشكل عام—متمسكة ب “الدولة” ,لأن البديل هو الفوضى وتجدد الحرب الأهلية..
لكن هذا الانحياز لم يعد دعماً لنظام كما كان يُفترض سابقاً.
بل أصبح خياراً اجتماعياً – وجودياً يمكن تلخيصه في النقاط التالية:
1. التحرر من “العبء التاريخي” الذي فوّض النظام التحدث باسم الطائفة
العلويون كانوا دائماً يشعرون بأن السلطة حمّلتهم تبعات سياسية لم يختاروها.
ومع التحولات الأخيرة، باتت الطائفة تُدرك أنها لم تعد مطالبة بحماية نظام أو مشروع سياسي، وأنها تتحرر تدريجياً من هذا العبء الثقيل.
2. وعي جماعي بأن ما يجري هو مسار دولي لا يمكن تغييره
تَشكّل إدراكٌ عميق بأن ميزان القوى في سوريا لم يعد داخلياً، وأن الاصطفاف ضد الإرادة الدولية هو مخاطرة كبيرة.
لذلك، اتجه المزاج الشعبي نحو مطالب معيشية واجتماعية على حساب الاصطفافات السياسية:
الأمن – العمل – العدالة– التمثيل المحلي – الخدمات – الحد من الفساد.
3. رفض الفيدرالية باعتبارها مشروع تفكيك لا حماية
رغم تصريح الشيخ غزال الداعي إلى الفيدرالية، فإنّ المزاج العام في الساحل اعتبر ذلك ردّ فعل غضب على استمرار المظالم وعدم تلبية المطالبات السابقة أكثر منه مشروعاً سياسياً واقعيا قادراً على تحقيق الأمن.
فالتجربة التاريخية مع مشاريع التقسيم خلقت ذاكرة معاكسة تماماً.
إنّ فهم موقف العلويين من الدولة لا يمرّ عبر السياسة فقط، بل عبر طبقات كثيفة من الذاكرة التاريخية، والخسائر البشرية، والهواجس الوجودية، والتجارب التي دفعت المجتمع إلى الاعتقاد بأنّ الدولة—أياً كان شكلها—هي حماية من الفوضى والانقسام، لا تحالفاً مع حاكم.
حدود الاستمرار ولحظة الاختبار
غير أنّ هذا المناخ الاجتماعي القائم على تفضيل خيار الدولة بوصفه حماية من الفوضى، لا يمكن افتراض استمراره بوصفه معطى ثابتاً أو مضموناً في ظل استمرار تجاهل المطالب الأساسية للسكان، ولا سيما ما يتعلق بالأمن المعيشي، والعدالة الاجتماعية، ووقف الإقصاء، وضمان التمثيل الحقيقي. فالتجربة التاريخية والاجتماعية تُظهر أن المجتمعات، مهما بلغت حساسيتها تجاه مخاطر التفكك، لا تستطيع إلى ما لا نهاية تحمّل تراكم المظالم من دون أفق سياسي واضح.
إن استمرار السياسات التي تقوم على إدارة المجتمع عبر الصمت، أو تحميله كلفة خيارات لم يشارك في صنعها، أو الاكتفاء بمناورات رمزية هدفها إرضاء العامل الخارجي، من شأنه أن يُضعف تدريجياً الرصيد الاجتماعي لفكرة الدولة نفسها، ويُرجّح كفّة الأصوات المعترضة ليس على مبدأ الدولة، بل على شكل السلطة وطريقة إدارتها.
وعليه، يمكن القول إن اللحظة الفارقة التي سترسم معالم المستقبل لا تكمن في موازين القوى العسكرية أو في ترتيبات إقليمية عابرة، بقدر ما تكمن في قدرة السلطة القائمة على التقاط هذا المناخ الاجتماعي الخاص بالساحل وسواه، وتحويله من حالة صبر قَلِق إلى عقد اجتماعي فعلي، يقوم على تمثيل حقيقي، ومشاركة محلية، واعتراف صريح بالخسائر، وإنهاء طويل لسياسات التهميش والإنكار.
ففي غياب هذا التحول، قد يتحول الانحياز للدولة من كونه خياراً وجودياً واعياً إلى حالة مؤقتة هشّة، تفرضها المخاوف لا القناعة، وهو ما يجعل مستقبل الاستقرار نفسه معلقاً على قدرة السلطة على الانتقال من منطق الاحتواء إلى منطق الشراكة.
(خاص للموقع)