أبرز المؤشرات الإقتصادية والمالية في سوريا 2025-2026
بناءً على تقارير البنك الدولي، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، وبيانات وزارة المالية السورية ومصرف سوريا المركزي خلال الفترة الممتدة من أواخر 2024 وحتى منتصف 2026 (عام ونصف من حكم الحكومة الانتقالية)، في قراءة تحليلية شاملة لأبرز المؤشرات الاقتصادية والمالية:
احتياطات الذهب والعملات الأجنبية
الذهب: يُعد هذا الملف من أهم “نقاط الارتكاز” التي ورثتها الحكومة الانتقالية. أكدت مصادر مصرفية وتقارير دولية أن قبو المصرف المركزي السوري لا يزال يحتفظ بـ نحو 26 طناً من الذهب (تحديداً 25.8 طناً)، وهو نفس الرصيد الذي كان يمتلكه عند اندلاع الأزمة في عام 2011. لم يتم تهريب هذا الاحتياطي أو استنزافه بالكامل، وهو ما يمنح الحكومة الحالية والمصرف المركزي غطاءً احتياطياً يساعد في الدفاع عن سعر صرف “الليرة السورية الجديدة” (بعد حذف الأصفار).
العملات الأجنبية: لا توجد أرقام رسمية شفافة ومعلنة لحجم الاحتياطي النقدي الأجنبي (السيولة الدولارية) في المصرف المركزي، لكن المؤشرات تدل على أن السيولة كانت شحيحة جداً في الأشهر الأولى. ومع ذلك، أدى الرفع التدريجي للعقوبات الغربية (قانون قيصر وغيره) في منتصف 2025 إلى عودة جزئية لتحويلات المغتربين عبر القنوات المصرفية الرسمية، وتدفق بعض الودائع من دول خليجية كـ “مساعدات سيادية” لدعم الاستقرار النقدي.
الإنفاق العام والموازنة (مفارقة الفائض المالي)
سجلت الموازنة العامة مؤشرات تحمل تناقضاً ظاهرياً بين “الأرقام المحاسبية” و”الواقع المعيشي”:
موازنة 2025 (الإنفاق والإيرادات): بلغ إجمالي الإنفاق العام نحو 3.44 مليار دولار (بزيادة 45.7% عن 2024)، وتم توجيهه بشكل كبير نحو الرواتب وتشغيل مؤسسات الدولة. المفاجأة الكبرى كانت في إعلان وزارة المالية عن تحقيق فائض مالي لأول مرة منذ 35 عاماً (منذ 1990)، حيث تجاوزت الإيرادات (الجمركية والضريبية وعائدات المعابر التي تم توحيد جبايتها) النفقات بنحو طفيف.
موازنة 2026 (الانفتاح): قفزت تقديرات موازنة عام 2026 بشكل هائل لتبلغ نحو 10.5 مليار دولار (بزيادة تقارب 5 أضعاف عن 2024). هذا الرقم لا يعكس نمواً اقتصادياً داخلياً حقيقياً، بل يعكس “موازنة إعادة إعمار” تعتمد على توقعات بتدفق استثمارات خارجية (تركية وخليجية) وقروض ميسرة من مؤسسات دولية بعد عودة سوريا لمقاعد البنك الدولي وصندوق النقد.
ومع ذلك، صرح وزير المالية بأن فجوة التمويل (العجز) في موازنة 2026 تبلغ 1.8 مليار دولار
الصادرات والواردات والتبادل التجاري
الهيكل السلعي: لا يزال الاقتصاد السوري يعتمد في صادراته على المواد الأولية والزراعية (زيت الزيتون، القطن غير الممشط، المكسرات، والبذور مثل الكمون والكزبرة)، مع غياب شبه تام للصناعات التحويلية التي دُمّر معظمها.
لا يزال الاختلال الهيكلي في الميزان التجاري سيد الموقف، مما يعكس ضعفاً شديداً في القاعدة الإنتاجية. بلغت القيمة الإجمالية للصادرات السورية في عام 2025 نحو 883 مليون دولار فقط
في آذار/مارس 2026، سجلت الصادرات ما يقارب 333.3 مليون دولار
على الجانب الآخر، بلغت قيمة الواردات في عام 2025 نحو 6.92 مليار دولار
وسجلت الواردات حوالي 696.7 مليون دولار في آذار/مارس 2026
ومن الملاحظات الإيجابية انخفاض واردات النفط بنسبة 42% بسبب تحسن الاستقرار وتغير خطوط الإمداد
النتيجة هي عجز تجاري ضخم يُغطى غالباً عبر تحويلات المغتربين أو المساعدات، مما يعني أن التعافي لا يقوده الإنتاج المحلي بل الاستهلاك.
الواردات والشركاء:
الهيمنة التركية: ارتفعت الصادرات التركية إلى سوريا بنسبة 70% خلال عام 2025 لتصل إلى 2.6 مليار دولار، مما يجعل تركيا المورد الأول والمسيطر الفعلي على استهلاك السوق السورية.
الطاقة: طرحت الحكومة الانتقالية في أوائل 2025 مناقصات لاستيراد ملايين البراميل من النفط الخام والمشتقات النفطية (من دول كالسعودية والعراق) لكسر الحصار الطاقي والاعتماد السابق على إيران.
أوروبا: سجل التبادل التجاري مع الاتحاد الأوروبي نحو 605 مليون دولار في 2025، وهو رقم رمزي لكنه يحمل دلالة سياسية قوية على بداية كسر العزلة التجارية.
معدلات البطالة والفقر (الكارثة الصامتة)
هنا تكمن الفجوة الأكبر بين الإحصاءات الدولية والاعترافات الحكومية:
الأرقام الرسمية والدولية: تقدر منصات مثل (Trading Economics) والبنك الدولي معدل البطالة العام بنحو 13.6% في 2025، مع قفزة مرعبة في بطالة الشباب التي تجاوزت 33.1%.
الاعتراف الحكومي: في تصريح صادم، أكد وزير الاقتصاد السوري أن البطالة الفعلية تتجاوز 60%، مشيراً إلى أن الأرقام الرسمية لا تعكس “العمالة المقنعة” أو من فقدوا وظائفهم وتوقفوا عن البحث عن عمل.
الفقر: أكد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) أن 9 من كل 10 سوريين (90%) يعيشون تحت خط الفقر، وأن الاقتصاد لا يزال يعاني من نقص حاد في الموارد والقدرة الشرائية.
النمو الاقتصادي والتضخم
الناتج المحلي الإجمالي (GDP): بعد انكماش بنسبة 1.5% في عام 2024 (آخر عام للنظام السابق)، توقع البنك الدولي نمواً هزيلاً بنسبة 1% فقط في 2025، وهو أول نمو إيجابي منذ 2022. لكن المسؤولين السوريين يتحدثون عن أرقام أعلى مستندين إلى انتعاش قطاعي “الزراعة والطاقة” وتحسن ساعات التغذية الكهربائية.
الانكماش التراكمي: يُشير البنك الدولي إلى أن الاقتصاد السوري انكمش بنسبة تراكمية بلغت 54% بين عامي 2011 و2025، مما يعني أن حجم الاقتصاد الحالي لا يتعدى نصف ما كان عليه قبل الحرب.
التضخم: نجحت السياسات النقدية الصارمة وإصلاح العملة (حذف الأصفار) في خفض معدل التضخم من مستويات كارثية بلغت 58% في 2024 إلى توقعات بنحو 19.7% في 2025. ورغم أنه لا يزال مرتفعاً، إلا أنه يُعد “إنجازاً استقرارياً” للحكومة الانتقالية مقارنة بسنوات الحرب.
الخلاصة الاستراتيجية: كيف نقرأ هذه الأرقام؟
اقتصاد “إدارة الأزمات” لا “الازدهار”: الفائض المالي وتراجع التضخم يعكسان انضباطاً مالياً صارماً (ربما على حساب الخدمات الاجتماعية ودعم السلع)، واعتماداً كبيراً على الجبايات الجمركية من المعابر التي سيطرت عليها الحكومة الجديدة.
التبعية الاقتصادية الخارجية: الأرقام تؤكد أن سوريا تنتقل من “التبعية لإيران وروسيا” إلى “التبعية الاقتصادية لتركيا والخليج”، حيث تمول الواردات التركية الاستهلاك المحلي، وتمول الأموال الخليجية الموازنة الاستثمارية.
معضلة التشغيل: رغم المؤشرات المالية “الإيجابية” على الورق (مثل الموازنة والفائض)، فإن عجز الاقتصاد عن خلق فرص عمل (بطالة 60%) يعني أن الاستقرار الأمني الحالي هش جداً، وأن أي تعثر في تدفق المساعدات الخارجية أو الاستثمارات قد يؤدي إلى انفجار اجتماعي سريع. الاقتصاد السوري اليوم هو “اقتصاد إنعاش” يعتمد على أجهزة الإنعاش الخارجية، ولم يصل بعد إلى مرحلة “النمو الذاتي”.
( خاص للموقع)