الصدمة الاستراتيجية وإعادة تشكيل توازنات القوى
قراءة في تداعيات المواجهة مع إيران
مقدمة: ارتدادات الزلزال الجيوسياسي
تشهد البيئة الجيوسياسية في الشرق الأوسط حالياً حالة من “الصدمة الاستراتيجية” والارتباك العميق لدى التحالف المعادي لإيران. هذا الارتباك ليس سوى ارتدادات طبيعية للزلازل التي أحدثتها المواجهات الأخيرة، والتي كشفت عن تماسك الدولة الإيرانية و صمودها أمام محاولات تحطيمها و قدرتها على استخدام أوراق استرتيجية للضغط على الخصم، مدمرةً بذلك الفرضيات التي تنبأت بانهيار سريع عقب ضربات خاطفة ومؤلمة .
المرتكزات السابقة: هندسة الفوضى وتفكيك الدولة الوطنية
لقد استندت التخطيطات الاستراتيجية للتحالف الأمريكي-الإسرائيلي وحلفائهما الإقليميين إلى مرتكزين أساسيين:
- توظيف التيارات العابرة للحدود: تم الاعتماد على تيارات الإسلام السياسي بمختلف أطيافها (من السلفية الجهادية إلى تيارات الإخوان المسلمين)، بدعم وتمويل من بعض دول الخليج وتركيا، كأدوات لتفكيك “الدولة الوطنية” التقليدية. الهدف كان ترويج نموذج طوباوي عابر للحدود لتقويض مفهوم السيادة الوطنية، وصولاً إلى تمرير مشاريع التطبيع (مثل اتفاقيات إبراهيم) ودمج إسرائيل في البنية الأمنية والاقتصادية الإقليمية، مع العمل على طمس الهويات الوطنية لصالح ولاءات أيديولوجية قابلة للتوجيه.
- استهداف الاستقلالية الإيرانية وتفكيك المحاور: لم يكن بالإمكان تمرير المشروع الأول إلا عبر تصفية ما يُعرف بـ “محور المقاومة”، والذي كانت الدولة السورية تمثل بعدا استراتيجيا فيه غير أن الهدف الاستراتيجي الأقصى كان احتواء وتغيير “النموذج الإيراني”، بصفته القوة الإقليمية الأخيرة التي تمتلك “قراراً وطنياً مستقلاً” خارج المنظومة الأمريكية، مما يشكل عائقاً جوهرياً أمام الهيمنة الأحادية على المنطقة وثرواتها.
فجوة التوقعات: من “الحرب الخاطفة” إلى “الاستنزاف الاستراتيجي”
السؤال الجوهري الآن: لماذا انفجر هذا الارتباك الاستراتيجي على مستوى الدول والفاعلين الإقليميين والدولي؟
الجواب يكمن في أن التحالف المعادي، بشقيه الأيديولوجي والسياسي (سواء التيارات الدينية أو بعض النخب التي تماهت مع المشروع الأمريكي-الإسرائيلي)، بنى خططه على فرضية “الانهيار السريع” لإيران. لقد تم الإعداد لسيناريو ما بعد السقوط، وتقسيم النفوذ، وبناء نظام إقليمي جديد بقيادة أمريكية-إسرائيلية وبمشاركة تركية وعربية.
لكن “حسابات الحقل” اصطدمت بـ “حسابات البيدر” الإيراني. لقد واجه التحالف دولة تمتلك عمقاً استراتيجياً، وقيادة متماسكة، وقدرات ردع عسكري وتقني متطورة، وشبكات تأثير إقليمية. لقد أخرجت إيران أوراقها الاستراتيجية تدريجياً لتثبت أن الحرب لن تكون “نزهة لأسبوعين”، بل مستنقعاً مفتوحاً على استنزاف اقتصادي وعسكري وسياسي.
المأزق الأمريكي: يأس البحث عن نصر غائب
هذا الاستنزاف وضع الإدارة الأمريكية في مأزق حقيقي؛ فالحديث داخل دوائر صنع القرار الأمريكية عن الاندفاع أو التوجهات النرجسية التي قد تدفع بعض القادة لاتخاذ قرارات متهورة، أو حتى التلويح بخيارات متطرفة (بما في ذلك السقف النووي)، هو انعكاس لحالة اليأس من تحقيق “نصر” سريع يمكن تسويقه داخلياً، وسط خشية من تكبد هزيمة استراتيجية ستكون تداعياتها كارثية على إسرائيل وعلى المصالح الأمريكية في المنطقة.
الخلاصة: ولادة نظام إقليمي جديد
المعادلات الدولية لا تقررها الأمنيات، بل الوقائع على الأرض. التحالفات والمشاريع التي بُنيت على وهم “سقوط إيران” آخذة في التفكك. نحن أمام ولادة “نظام إقليمي جديد” يتسم بتوازنات قوى مختلفة، حيث ستُستبعد الدول والتابعون الذين راهنوا على الحصان الخاسر، وستتراجع أدوارهم الجيوسياسية. وعندما ينقشع غبار المعارك، ستكشف المرحلة المقبلة عن إفلاس استراتيجي وفكري لدى المغامرين ، بينما ستفرض الوقائع الجديدة على جميع الفاعلين في المنطقة إعادة قراءة الخرائط الجيوسياسية والتكيف مع واقع جديد تُرسم ملامحه بناءً على موازين القوى الفعلية، وإدراك الإرث الجيوسياسي العميق لهذه المنطقة، بعيداً عن الأوهام الإمبراطورية والمشاريع التبعية.