مغامرة العقل المستمرة(10)-قاعتا الرقص… والراقص المنفرد
أتذكرون الرقصة؟
في سلسلتنا السابقة، فتحنا باب أصغر قاعة رقص في الكون: الذرّة. وما رأيناه هناك لم يشبه أي رقصة عرفناها:
في وسط المسرح، راقصان ثقيلان يعانق بعضهما أبداً: البروتون والنيوترون. ومن أمعن النظر اكتشف أن كلًّا منهما ليس راقصاً واحداً، بل ثلاثة راقصين صغار — الكواركات — يدورون في حلقة محمومة لا يفترقون ولا يهدأون.
وعلى أطراف المسرح، يرقص الراقصون الخفاف: الإلكترونات، يدورون بسرعة تجعل العين عاجزة عن تثبيتهم، لا يسقطون نحو المركز أبداً، ولا يغادرون القاعة أبداً.
وبين الجميع، تجري أشرطة رسولة غير مرئية تحمل أوامر الرقصة جيئة وذهاباً، لولاها لتفكّك المسرح ومن عليه.
هناك تعلّمنا درسنا الأول: المادة ليست سكوناً جامداً؛ المادة رقصة أبدية.
العائلتان الكبريان في الكون
ثم اكتشفنا أن هذه الرقصة ليست فوضى، بل تتبع سيناريو أنيقاً يسميه الفيزيائيون النموذج القياسي. وهذا السيناريو يقسم شخصيات الكون إلى عائلتين كبيرتين:
العائلة الأولى: راقصو المادة (الفيرميونات) هؤلاء لبنات الوجود؛ منهم يُبنى كل شيء ملموس:
- الكواركات: منها يصنع البروتون والنيوترون، ومنها صنعتَ أنت.
- اللبتونات: وأشهرها الإلكترون، الراقص الخفيف على أطراف المسرح.
ما يميز هذه العائلة أن أفرادها يملكون كتلة، ويستطيعون السكون، ويمكن جمعهم لبناء الذرّات والجزيئات والحجر والشجر وأنت.
العائلة الثانية: حوامل القوى (البوزونات) هؤلاء ليسوا مادة، بل رسل التفاعل؛ الرسائل التي يتبادلها راقصو المادة:
- الغلوون: يحمل القوة الشديدة التي تقيّد الكواركات داخل البروتون والنيوترون.
- بوزونا W وZ: يحملان القوة الضعيفة التي تُشعل فرن الشمس.
- الفوتون: يحمل القوة الكهرومغناطيسية؛ إنه الضوء نفسه.
هؤلاء لا يبنون شيئاً، لكن لولاهم ما تفاعل شيء: لا ضوء يبلغ عينك، لا نواة تتماسك، لا شمس تشرق.
والضيف الخاص: من يوزّع الأثقال
وفي القاعة ضيف خاص، ليس راقص مادة ولا حامل قوة: بوزون هيغز، أو بدقة أكثر مجال هيغز الذي يملأ القاعة كلها.
حين يمر الراقصون في القاعة، يصافحون هيغز. من يصافحه بقوة يكتسب كتلة كبيرة، ومن يصافحه بخفة يكتسب كتلة صغيرة. الإلكترون يلقي تحية خفيفة فيبقى خفيفاً، والكواركات تصافح بقوة فتثقل.
لكن راقصاً واحداً يمرّ في القاعة دون أن يحيّي هيغز أبداً. لا يتوقف، لا يصافح، لا يأخذ وزناً.
ذلك الراقص هو الفوتون.
والآن… يدخل الراقص المنفرد
تأملوا الفرق:
- الكواركات ترقص، لكنها سجينة داخل البروتون لا تغادره أبداً.
- الإلكترون يرقص، لكنه مرتبط بمسرح النواة.
- البروتون والنيوترون يستطيعان — بمعنى ما — أن يسكنا وأن يستقرا.
أما الفوتون؟ الفوتون لا يستريح أبداً. يولد بسرعة الضوء، ويعيش حياته كلها بسرعة الضوء، ويُمْتَص بسرعة الضوء. لا توجد لحظة في وجوده يمكن أن تُسمى «سكوناً»، ولا يوجد كرسي في الكون يستطيع الجلوس عليه. لأنه لم يأخذ كتلته من هيغز، حُكم عليه — أو شُرّف — بالحركة الأبدية.
إنه ليس مادة. إنه حامل القوة الكهرومغناطيسية. إنه الضوء الذي تراه، والدفء الذي تشعر به، والرسالة التي تبلغك من كل نجم في السماء.
إنه الراقص المنفرد: الذي يرقص وحده على مسرح يمتد من ذرّة واحدة إلى الكون كله.
لكن الراقص المنفرد يخفي سرًّا
ثلاثمئة عام، والجميع يظن أنه يعرف قواعد الرقص:
من يدفع، فله وزن. ومن لا كتلة له، لا يدفع.
ثم جاء هذا الراقص المنفرد وكسر القاعدة أمام الجميع: إنه يدفع! يحرّك المرايا، ويثني ذيول المذنّبات، ويبرّد الذرّات، ويمسك النجوم كي لا تنهار، ويشكّل بنية الكون — كل ذلك بلا أي كتلة على الإطلاق.
كيف يرقص وحده؟ وكيف يدفع بيدين فارغتين… بل بلا يدين أصلاً؟
هذه حكاية سلسلتنا الجديدة.
يتبع…
(إعداد وتدقيق القسم العلمي في الموقع)