تفكيك الرواية الرومانية عن يونس (Eunus)
قام عدد من الباحثين بتفنيد رواية ديودوروس ونقدها في إطار مدارس التحليل الحديث ومنهم دراسة هامة لبيتر مورتون
في كتابه “يونس: الملك الجبان” (Eunus: The Cowardly King, 2013) .
وهنا نقدم ابرز الأفكار التي جات في كتاب بيتر مورتون:
عنوان الكتاب: يونس: الملك الجبان (Eunus: The Cowardly King)
المؤلف: بيتر مورتون (Peter Morton)، Classical Quarterly, 2013.
أولاً: المقدمة والمقاربات الحديثة (إشكالية البحث)
يبدأ مورتون بالإشارة إلى أن ثورة العبيد الأولى (135-132 ق.م) كانت الأكبر من نوعها في العصور القديمة، مما يعني أن قادتها لا بد أنهم كانوا استثنائيين. ومع ذلك، ينقسم الباحثون المحدثون حول شخصية يونس إلى معسكرين:
- معسكر القبول الحرفي: يقبل الرواية المعادية والغريبة لديودورس الصقلي كتمثيل تاريخي أمين لشخصية يونس.
- معسكر “عكس الصفات”: يعيد تفسير الجوانب السلبية في النص ضمن سياق تاريخي إيجابي، لاستنتاج مدى ملاءمة يونس وكفاءته لقيادة مثل هذا التمرد الضخم.
حجة مورتون المركزية: يرفض مورتون كلا المنهجين. ويجادل بأن أي محاولة لكشف “صورة إيجابية” ليونس من داخل رواية معادية تفترض خطأً أنه يمكن استخراج مادة تاريخية موثوقة من تقليد أدبي معادٍ. ويؤكد: “قبل أن نبدأ في الاقتراب من الفهم التاريخي ليونس، يجب علينا أن نفهم الأهداف والأساليب الأدبية للنص الذي صُوِّر فيه”.
ثانياً: التتويج (انقلاب معايير الملك الهلنستي)
يركز مورتون على اللحظة المحورية في السرد: تتويج يونس ملكاً بعد الاستيلاء على إنا. يقتبس ديودورس (34/5.2.14):
“ثم اختير يونس ملكاً، ليس بسبب شجاعته (οὔτε δι’ ἀνδρείαν)، ولا بسبب قيادته العسكرية (οὔτε διὰ στρατηγίαν)، بل فقط بسبب معرفته بالعجائب…”
التفكيك المنهجي لمورتون:
- يلاحظ مورتون أن عبارة “الشجاعة والقيادة العسكرية” هي تعبير نمطي يستخدمه ديودورس باستمرار لوصف القادة الاستثنائيين (مثل هرقل، إبامينونداس، فيليب الثاني المقدوني، وسكيبيو أفريكانوس).
- هذه العبارة تظهر 28 مرة في “المكتبة التاريخية” لديودورس، وهي محجوزة دائماً للشخصيات البارزة.
- المفاجأة: استخدام هذه العبارة ليونس هو المناسبة الوحيدة (من أصل 28) التي تُعبر عنها بالنفي.
- الاستنتاج: ديودورس يضع يونس بلاغياً كنقيض تام للقادة السابقين. لقد وصف تتويجه على أنه حدث “لأسباب خاطئة”، مما يجعله النقيض التام لما يجب أن يكون عليه الملك الهلنستي المثالي.
ثالثاً: نهاية مخزية ونمط “موت الطغاة”
ينتقل مورتون لتحليل رواية سقوط يونس وموته في سجن مورجانتيا. يصف ديودورس هروب يونس بأنه كان “بشكل غير رجولي” و”بسبب الجبن” )، ومات بمرض أكل لحمه وتحوله إلى قمل، معلقاً بأن هذا الموت كان “جديراً بشرّه وخسته”.
التفكيك المنهجي لمورتون:
- يثبت مورتون أن هذا الوصف ليس تقريراً طبياً عن مرض الجرب، بل هو نمط أدبي كلاسيكي.
- هذا الشكل المحدد من الموت (التآكل بالقمل/الديدان) نُسب دائماً في الأدب القديم للأشخاص الذين كانوا هدفاً لمعالجة سردية معادية، كعقاب إلهي. ويضرب مورتون الأمثلة: أنطيوخس الرابع (في سفر المكابيين)، سولا (عند بلوتارخ)، وهيرودس أنتيباس (في أعمال الرسل).
- كما أن وصف هروبه بـ “الجبن” يتناقض عمداً مع حراسه الذين انتحروا بشجاعة، مما يعزز صورة يونس كقائد تخلى عنه رجاله بسبب عيوب في شخصيته.
رابعاً: المرافقون (صورة الملك المنحل)
عند القبض على يونس في الكهف، يذكر ديودورس أنه كان معه أربعة مرافقين فقط: طباخ، خباز ، مدلك ، ومسلٍّ في حفلات الشرب.
التفكيك المنهجي لمورتون:
- يوضح مورتون أن هذا اختيار متعمد لتصوير يونس كـ “ملك منحط”.
- في الفكر اليوناني، كان من المتوقع أن يركز القائد “الجيد” على الشؤون العسكرية والإدارية ويرفض الرفاهية المفرطة. إبقاء يونس مع صانعي الرفاهية والطعام فقط (بدون أي شخصية عسكرية) مصمم لتكملة شخصيته كملك جبان وغير جدير.
خامساً: من “المُخدِع” إلى “المُخدَع” (التكوين الدائري )
هذه واحدة من أقوى حجج مورتون النصية. يركز على الفعل اليوناني ψυχαγωγέω (يخدع / يبهر / يلهي).
- في بداية القصة، يستخدم ديودورس هذا الفعل لوصف كيف كان يونس “يخدع/يلهـي” سيده أنتيجينيس في حفلات العشاء.
- في لحظة السقوط، يصف ديودورس المرافق الرابع ليونس بأنه كان “معتاداً، طوال حفلات الشرب، على إبهار/خداع [يونس]”
الاستنتاج:
يخلق ديودورس “دائرة سردية” الرسالة الضمنية للقارئ هي أن يونس انتقل من كونه “مخدعاً” لسيده الأحمق، إلى أن أصبح هو نفسه “المخدوع” (وبالتالي أحمقاً أيضاً). هذا يوحي بأن يونس، رغم كونه قائد تمرد ضد الأسياد القساة، لم يكن أفضل من الرجال الذين ثار ضدهم: “بمعنى ما، أصبح يونس سيده”.
سادساً: السحر وصنع العجائب
يحلل مورتون وصف ديودورس ليونس بـ “ساحر وصانع عجائب” ، واستخدامه لأفعال مثل “ادعى”و “تظاهر”.
التفكيك المنهجي لمورتون:
- يربط مورتون مصطلح “العجائب” بنقد المؤرخ بوليبيوس لـ “المؤرخين المأساويين” الذين يركزون على الإثارة والكذب بدلاً من الحقيقة التاريخية.
- في المجتمع اليوناني-الروماني المتعلم، كانت ممارسات “السحر” الأجنبية (خاصة من الشرق) تُفهم على أنها احتيالية وتهدف إلى تغيير مسار الطبيعة بشكل غير مشروع.
- لذلك، عندما يقول ديودورس إن يونس انتخب ملكاً “فقط بسبب معرفته بالعجائب”، فهو لا يسجل سبباً تاريخياً، بل يوجه إهانة مزدوجة: العبيد خُدعوا بسحر دجال، وهذا الدجال يفتقر تماماً للشجاعة والقيادة.
سابعاً: الخلاصة المنهجية للمقالة
يختتم مورتون مقالته بتلخيص حاسم:
“لقد رأينا أن شخصية يونس في سرد ديودورس… تتكون من الجبن، وعدم الخبرة العسكرية، والميول الفاخرة، الموصوفة بمصطلحات تتوافق مع مفهوم ديودورس الخاص بالقيادة الهلنستية (السيئة)… علاوة على ذلك، يقيم ديودورس روابط صريحة بين يونس وسيده أنتيجينيس… إن شخصية يونس، الغارقة في الصور النمطية والألاعيب الأدبية، هي كاريكاتير صُمم ليقلب القارئ ضده.”
ويحذر مورتون في النهاية: إذا كان ديودورس قادراً على اللعب بحرية بهذا الشكل مع تصوير يونس، فلا يمكننا افتراض أنه لم يفعل الشيء نفسه في أماكن أخرى من سرده. يجب أن نكون حذرين جداً عند استخدام هذا السرد لكتابة تاريخ العبودية، وألا نفترض أن القصص التي يرويها الرواة القدماء تحتوي بالضرورة على “نواة صلبة” من البيانات التاريخية.
(خاص للموقع)