إعادة تكوين يونس (Eunus)كأيقونة عالمية للتحرر
بعد التفكيك، ماذا يبقى؟
انتهى بنا المسار النقدي إلى حقيقة : إن الرواية التي ورثناها عن يونس ليست تاريخاً، بل أدبُ منتصرين. هذا ما انتهت إليه مدارس النقد والمراجعة الحديثة كلٌّ بعدسته:
- المدرسة التقليدية قبلت رواية ديودورس المعادية كما هي، وقرأت “الساحر الجبان” بوصفه حقيقة واقعة.
- المدرسة الاجتماعية (برادلي، فينلي، شو) عكست الصفات السلبية، واستخرجت من استدامة الثورة نفسها دليلاً على عبقرية قائدها.
- المدرسة النصية (مورتون) فككت الآلية الأدبية ذاتها: نفي الشجاعة والقيادة بوصفه تلاعباً بلاغياً فريداً من نوعه، والتكوين الدائري الذي حوّل المُخدِع إلى مُخدَع، ونمط “موت الطغاة”، ووصم النبوة السورية بوسم الدجل.
- المدرسة المعرفية (أوربانسيتشك) ذكّرتنا بأن النص نسب إلى يونس كل ما “يجب” أن يملكه من يُقلق النظام القائم، سواء أكان يملكه أم لا.
- المدرسة الأثرية (مانغانارو) قدّمت الشاهد المادي: عملات تحمل اسم الملك أنطيوخس، وكرات مقلاع منظمة، تنقض صورة العصابة الفوضوية.
وخلاصة هذه المدارس جميعاً أن نص ديودورس لا يصلح مرآةً للواقع، لكنه يصلح منشوراً, ومن بين شقوق النص، ومن الشواهد المادية، ومن السياق الثقافي لوطنه الأم، يمكننا أن نعيد التكوين.
إنا تعيد الاعتبار: التمثال ومعناه
على هضبة إنا، تحت الظل المهيب لقلعة لومبارديا—الحصن الذي كان يوماً عاصمة مملكته—ينتصب منذ عام 1960 تمثال برونزي ليونس: فم مفتوح على صرخة لم تُغلق منذ ألفي عام، ويدان تقبضان على قيود مكسورة.
ليس التمثال تفصيلاً سياحياً؛ إنه حكم تاريخي متأخر. فسكان المدينة التي احتضنت أول صرخة معلنة لتحرير العبيد، والتي استعادتها روما بالنار، قرروا بعد واحدٍ وعشرين قرناً أن يعيدوا الاعتبار لابنهم: لم يعد “السوري المشعوذ” وحشاً كما شاءت روما، بل صار صوتاً لمن وُلدوا في الصمت فوجدوا صوتاً. التمثال إذن هو الوجه المادي لما نحاول فعله هنا نصياً: إعادة الحياة.
وإذا كانت إنا قد كرّمته حجراً وبرونزاً، فالأولى بنا نحن—أسلافه البعيدين—أن نكرّمه معرفةً وتكويناً؛ لا لأنه سوري النشأة فحسب، بل لأن ما ثار لأجله يستحق أن يجعله أيقونة عالمية في مصاف الثوار الكبار.
إعادة التكوين
سنعيد التكوين بأدوات ثلاث: قراءة نص ديودورس عكس اتجاهه (فما يذمّه ديودورس هو بعينه ما ينبغي فهمه)، والشواهد المادية، والسياق الثقافي المشرقي الذي شكّل عقل يونس وطقوسه وخياله السياسي.
تكوين الشخصية
- عقل نافذ: إن “نفث النار” ليس خدعة صالون،أو شعوذه , بل طقس ورثه من بلاده واستخدمه كهندسة نفسية: رجل يفهم ماذا يريد المقهورون أن يروا، وكيف تُصنع الهيبة، وكيف يتحول الرمز إلى سلطة. حتى أعداؤه أقروا بأنه كان ذكياً على نحو غير عادي، وشديد الكاريزما.
- جرأة تتجاوز الظروف: أن يجلس عبداً على موائد أسياده فيتنبأ بالملك أمامهم، ويحوّل سخريتهم إلى شبكة شهود ستروي لاحقاً أن الوعد سبق التحقيق بسنين—هذه ليست دعابة عبدٍ مسلي، بل طموح معلن ,ينتظر ظروفا مؤاتية
- ذاكرة أخلاقية ورأفة سياسية: تذكّر من أطعموه لقمةً فأنقذ حياتهم عند النصر؛ وتوحي خيوط الرواية بمحاولة منح داموفيلوس شبه محاكمة قبل أن يسبق السيفُ القانون—وهي محاولة، وإن أُجهضت، تؤسس لفكرة أن الدولة الجديدة ستكون دولة قواعد لا دولة انتقام أعمى.
- كفاءة إدارية وعسكرية: مجلس من “الأرجح عقلاً”، وقادة من طراز أخايوس، وتسليح ذاتي أُبقي فيه الحدادون أحياء لصنع السيوف، وحصون صمدت لسنوات، وخطوط إمداد أطعمت جيوشاً بعشرات الآلاف. هذه لا تصدر عن إلا عن عقل منظم واستراتيجي.
المبادئ
- الحرية حق لا منحة: جوهر فعله أن الحرية لا تُستجدى من السيد بل تُنتزع؛وهي حق مقدس, ولهذا كانت ثورته الأولىَ من نوعها حجماً ومدةً وطموحاً.
- هوية مدنية جديدة: أعلن أن أتباعه جميعاً مواطنون متساوون في دولة جديدة تتجاوز الدم واللغة والمنشأ. في عالم يقسّم الناس إلى أحرار وعبيد وإلى أمم متفاضلة، هذه فكرة سابقة لأوانها بجرأتها.
- شرعية مشرقية بلبوس هلنستي: تسمّى “أنطيوخس” استدعاءً لذاكرة الدولة السلوقية التي نشأ في كنف رموزها، وربط دولته بعشتار وبديميتر ربة إنا معاً—أي أنه صاغ شرعية هجينة تخاطب السوري واليوناني معاً، وتجعل من عاصمته نقطة التقاء رمزي بين الشرق والغرب.
- الاستحقاق لا النسب: مجلسه وقواده اختيروا بالعقل والفعل لا بالمولد—وهو المبدأ الذي لا تقوم دولة بدونه.
أهداف الثورة وحصيلتها
لم تكن ثورة يونس هبّة انتقام عابرة، بل مشروع دولة بديلة: مملكة سكّت عملتها،وأمّنت مواردها وحاجاتها , و أقامت تصنيعا عسكريا من السيوف إلى كرات المقلاع المنظمة ,وضبطت اقتصاداً أطعم جيشها،وأعلنت المساواة ورفض الاستعباد وسيطرت في ذروتها على ما بين خُمس صقلية ونصفها، وحاصرت سيراكيوز نفسها، وهزمت برتورات وقناصل، وأجبرت روما على إنزال نحو ربع جيشها في لحظة حرجة من تاريخ الجمهورية.
والأهم من هذا: الإلهام و العدوى. فاسمه أشعل تمردات عبيد في إيطاليا، وصلبان مينتورناي، وكسوراً في مناجم الفضة بأتيكا، وثورة في ديلوس—أول موجة أممية للتحرر يعرفها البحر المتوسط. وهنا يُقاس بميزان الثوار الكبار: ثورته أسبق وأكبر من ثورة سبارتاكوس بأربعة أو خمسة أضعاف، وأطول منها نحو ثلاث مرات، وهو—بخلاف المصارع التراقي—بنى دولة لم يحاول سبارتاكوس بناءها، وألهم ولاءً لم ينقسم كما انقسم جيش سبارتاكوس.
نحن أسلافه البعيدون
إذا كانت إنا قد أعادت ليونس اعتباره بتمثال يقبض على قيود مكسورة، فإننا نعيد إليه اعتباره بسيرة تقبض على المعنى: عبد سوري من أفاميا، فهم أن الرمز قوة، وأن الهوية تُصنع، وأن الدولة تُبنى، وأن الحرية تُنتزع؛ فوقف في وجه أعظم آلة امبراطورية في عصره، لا ليؤسس مملكة ضيقة، بل ليوقظ فكرة .
لهذا لا نعيد تكوينه وفاءً للدم المشترك وحده، بل وفاءً لما هو أعم: للصرخة ضد الظلم والطغيان , ولحق الحرية لجميع الناس بغض النظر عن خلفياتهم وجنسياتهم. ومن هنا يستحق يونس السوري أن يقف في صف الأيقونات العالمية للتحرر—إلى جانب سبارتاكوس وقادة الزنج وتوسان لوفرتور—لا كأقل منهم، بل كأولهم.
فالصرخة التي انفتحت عليها شفتاه في برونز إنا لم تكن صرخة عبد يطلب رحمة، بل صرخة إنسان يعلن أن التاريخ لم يُغلق بعد. ونحن، أسلافه البعيدين، نشهد اليوم أن الصرخة لم تمت.
وإذا كان يونس السوري يمثل الومضة الأولى والصرخة التأسيسية التي أثبتت أن العبيد يمكنهم تنظيم دولة وتحدي روما، فإن توسان لوفرتور يمثل التتويج التاريخي لهذه الفكرة.
و أن التحرر ليس مجرد كسر للقيود (فعل سلبي)، بل هو بناء لنظام بديل (فعل إيجابي/خصب) يعتمد على الكرامة، المساواة، والسيادة. ولأن كلاهما تحدّى فكر الضرورة الذي يعتبر استعباد البشر وقوداً حتمياً للاقتصاد والإمبراطورية، فقد دفع كلاهما الثمن: تشويهاً في كتب المنتصرين، وموتاً بطيئاً في زنازينهم. لكن التمثال البرونزي في إنا، وتماثيل لوفرتور في مدن العالم الثالث، يثبتان أن الذاكرة الجمعية تنتصر في النهاية على أدب المنتصرين.
*العمل مهدى للكاتب والباحث التونسي عبد السلام زيّان , والذي نشر أول مادة باللغة العربية عن يونس وخص موقع جبلة بها منذ أكثر من عشرين عاما.
(خاص للموقع)