الوهم “الذهبي”والواقع “البرونزي”
في قلب المشرق العربي، حيث كان يُفترض أن تُكتب مسيرة نهوض دولة ، يعيش المجتمع السوري اليوم في دوامة من العبثية المأساوية. حين تُحلل المشهد السوري الراهن، قد تظن للوهلة الأولى أن المعركة هي بين الديني والعلماني، أو بين الغني والفقير، أو حتى بين المطالب الثورية المشروعة بالحرية والكرامة والمساواة وبين نقيضها. لكن الحقيقة التي تُصدَم بها، وهي الأدهى والأمرّ، أن سوريا لا تخوض أياً من هذه الصراعات المصيرية حالياً؛ بل هي تغرق في جدال عبثي داخلي .. بين المتشدد والأكثر تشددا.
فقه “التمكين” وحدود “التقية”
المعركة الحقيقية الدائرة اليوم في أروقة القرار وفي الشارع المُستلب، هي معركة فقهية وسياسية حول “مرحلة التمكين”. فبعد سنوات من “التقية المنهجية” التي كان يُبرر بها بعض هذا التيار تراجعه عن تطبيق رؤيته المتشددة بحجة “الضرورة” أو “المراحل الانتقالية”، يرى الجناح الأكثر تشدداً أن هذه المرحلة قد ولّت.
بالنسبة لهؤلاء، هناك حدود شرعية (بحسب فهمهم) للتساهل، ولا يجوز مثلاً الترخيص لحفلات غنائية تحت مسمى “التسامح” أو “مرونة مرحلة التمكين”. ومن هنا، نجد سوريا الممزقة، التي لم تلملم جراحها بعد، والتي لا تزال مهددة من قبل عدو يقضم كل يوم شبراً جديداً من أرضها ويقصف كما يشاء، تجد نفسها في حروب وهمية أين منها الاختلاف على جنس الملائكة..
في الوقت الذي ينزف فيه الاقتصاد والمعيشة دماً، وتُطرح فيه أسئلة البقاء والخبز والأمن الاجتماعي، يذهب الناس والنخب المُسيطرة إلى معارك هامشية: صراع على لباس، جدل حول حفل فني، مظاهر لأداء شعائر دينية علنية، وصولاً إلى حد “الفصل بين الجنسين” في إحدى الثانويات في قلب دمشق.
الواقع “البرونزي” والوهم “الذهبي”
ولكي تكتمل اللوحة السريالية، ننتقل من “الوهم الذهبي” في فقه التمكين إلى “الواقع البرونزي” في الإنجازات الوطنية. ففي حقل آخر يعكس مدى البؤس والحاجة لأى انجاز ولو كان متواضعا، احتلت سوريا المرتبة ما قبل الأخيرة في ألعاب البحر المتوسط (وهي أدنى مرتبة مسجلة تاريخيا)، بحصيلة بائسة من بضعة ميداليات برونزية لا تتخلف عنها إلا إمارة “أندورا” الصغيرة الضائعة في جبال أوروبا.
ولكن الكارثة الحقيقية ليست في الترتيب، بل في “اللاوعي” الجمعي للمسؤولين؛ فوزارة الرياضة السورية ممثلة بوزيرها قد باركت الإنجازات التي حققتها البعثة السورية ! هذه الحادثة ليست مجرد طرفة بائسة، بل هي عينة مخبرية تعكس حجم القطيعة بين من هم في مواقع المسؤولية وبين الواقع المتردي.
إلهاء مُتقن أم صراع حضاري؟
إذا ما أردنا فهم هذه الظاهرة ، نجد أنفسنا أمام فرضيتين تتداخلان لتشكلا مأساة سوريا الجديدة:
الفرضية الأولى: صراع “التمكين” مع المجتمع المدني المتحضر دمشق وحلب ومدن سوريا التاريخية، هي مجتمعات مدنية متجذرة في الحضارة، تعرفت على الحداثة والانفتاح قبل أكثر من قرن. ما نراه اليوم هو محاولة “هندسة اجتماعية” قسرية من قبل تيارات ترى في هذا الإرث المدني “انحرافاً” يجب تقويمه. الصراع حول الحفلات واللباس والفصل في الثانويات هو في جوهره محاولة لكسر شوكة المجتمع المدني المتحضر، وإخضاعه لفرضيات “التمكين” السلفي الذي يرفض التعايش مع أي مظاهر لا تتطابق مع رؤيته للكون والحياة. في حين نرى أن هذا الفكر في بيئته الاساسية (السعودية)أصبح منبوذا ومرفوضا بشدة.
الفرضية الثانية: لعبة “الإلهاء” الكبرى لكن هل يعقل أن تدار دولة بحجم تعقيدات سوريا بمثل هذه العشوائية؟ هنا تبرز الفرضية الأخطر: هل هذا الصراع الوهمي هو مجرد “ألعوبة” مُتقنة لإلهاء الناس؟ إن توجيه البوصلة الأخلاقية والاجتماعية للناس نحو معارك هامشية (لباس، فن، اختلاط) هو أذكى طرق “الهندسة السياسية” لإفراغ الشارع من أي مطالب حقيقية. فما دامت الأم مشغولة بما سترتديه ابنتها في الثانوية، وما دام الشاب منشغلاً بمحاكمة حفل غنائي، فلن يسأل عن:
- لماذا يقضم العدو أرضنا ولا نجد رداً يرد كبرياءنا؟
- لماذا ارتفعت الأسعار ولم نعد نقدر على شراء أبسط مقومات الحياة؟
- أين تذهب دولارات الدعم وثروات البلاد؟
- وكيف نلملم جراح مجتمعاتنا ؟
إن صناعة “الأعداء الوهميين” و”المعارك الأخلاقية” هي الدخان الذي يُطلقه من يفشلون في إدارة “الدولة الحقيقية”.
هناك رأي يقول, أن المجموعة الحاكمة لا تستطيع كبح جماح هذا الفكر , لأن هذا الفكر يدّعي أنه قد أتى بها إلى السلطة , ولكن هناك من الأسباب الموضوعية الكثير التي تؤكد العكس , فهي قد أتت نتيجة ظروف فرضتها طبيعة الصراعات والتحالفات في المنطقة, وهذه الحجة غير واقعية من أساسها.
بين برونزية الواقع وذهبية الوهم
سوريا اليوم تعيش في مفارقة قاتلة؛ تُدار بـ “عقلية ذهبية” تحلم بالتمكين المطلق وتفتي في تفاصيل الحياة اليومية للناس، بينما تقدم للشعب واقعاً “برونزياً” (أو ربما أوطأ) على مستوى الرياضة، والاقتصاد، والسيادة، والكرامة.
إن المباركة باحتلال المركز ما قبل الأخير ببضعة ميداليات برونزية ، هي نفس العقلية التي تهنئ نفسها على فرض الحجاب أو إلغاء حفل أو إطلاق الرصاص في معرض أو المباهاة بمواكب سيارات لاتنتهي أو أداء صلاة علنية وهي الدلالة القوية على أن الأولوية هي للتمكين والإخضاع وليست للتنمية والبناء .وكأن التنمية وبناء دولة مؤسسية حديثة ليس هو الطريق الأسلم والطبيعي للتمكين , سوريا لا تحتاج اليوم إلى فتاوى التمكين، ولا إلى تبريكات وتهنئة وهمية؛ سوريا تحتاج إلى من يعيد لها “الذهبي” في إنسانها وحضارتها، قبل أن يسقط الجميع في العصر”البرونزي” ,المندثر منذ ثلاثين قرنا.
(رأي الموقع)