أرض النفاق السورية
“إن شر ما في النفس البشرية هي أنها تعتاد الفضل من صاحب الفضل، فلا تعود تراه فضلاً.”
— يوسف السباعي، أرض النفاق
في عام 1949، كتب يوسف السباعي روايته “أرض النفاق” ليصف مجتمعاً بأكمله وقد سكر من ماء نهره المسموم. قال على لسان بطله: “قذفت الحكومة بكمية النفاق الباقية في النهر، وهكذا جرت مياههم بالنفاق، وسرى منها إلى كل شيء أراضيهم وأجسامهم”. كان السباعي، وهو يكتب تلك السطور، يظن أنه يرثو حالاً عابرة، أو يشخّص مرضاً قابلاً للشفاء. لكنه، ومن حيث لا يدري، كان يضع يده على جرح لن يندمل، وعلى بنية نفسية واجتماعية ستستعيد إنتاج نفسها في كل حقبة، وتحت كل راية.
اليوم، وبعد أكثر من سبعة عقود، وبعد ثورة دامت أكثر من عشر سنوات، وسقوط نظام، وبداية مرحلة انتقالية جديدة، نكتشف أن “أرض النفاق” لم تكن مكاناً جغرافياً، بل حالة روحية. وأن “مسعود أفندي” لم يكن موظفاً بسيطاً في مصلحة حكومية مصرية، بل كان نموذجاً إنسانياً يتكرر في كل زمان ومكان. والفارق الوحيد بين مسعود الأمس ومسعود اليوم، أن الأخير يحمل شهادة جامعية، ويكتب مقالاً، ويطلّ على شاشة، ويظن نفسه نخبة.
المثقف ومسعود.. عبودية الممول
في الرواية، يدرك “مسعود” مبكراً أن النزاهة في “أرض النفاق” ضريبة باهظة، وأن من يريد أن يعيش، عليه أن يتقن فنّ الانحناء. لم يكن النفاق عنده خياراً أخلاقياً، بل استراتيجية بقاء. كان يبيع مروءته مقابل لقمة، ويصمت عن الحق مقابل وظيفة.
اليوم، لم يتغير شيء في المعادلة، تغيرت فقط “العملة” التي تُشترى بها المروءة. المثقف السوري اليوم لم يعد يبيع نفسه للنظام مقابل ترقية في وظيفة حكومية، بل يبيعها لممولين جدد: سلطة انتقالية توزع الامتيازات، جهات إقليمية تملي الأجندات، سفارات تفتح أبوابها لمن يُحسن النطق بخطابها، منظمات دولية تموّل “الدراسات” و”الندوات” و”المبادرات”، شريطة أن تبقى ضمن حدود مريحة لا تُزعج أحداً.
لقد تحوّل المثقف من “ضمير الأمة” إلى “مقاول وعي”. يكتب ما يُطلب منه، ويصمت عمّا لا يُرضي الممول، ويغلف طاعته بلغة أكاديمية رصينة. إنه “مسعود” الجديد، لكن بدل أن يكون موظفاً في مصلحة حكومية، أصبح موظفاً في “مصلحة وعي” لا تقل نفاقاً عن سلفها. والسؤال الذي طرحه السباعي على لسان بطله يظل معلقاً في الهواء: “ماذا يفعل ذو مروءة بين أهل الخداع في أرض النفاق؟”. والإجابة المحزنة هي أن “ذي المروءة” في زمننا هذا أصبح نادراً، وأن معظم المثقفين اختاروا أن يكونوا “ذوي مرتبات”.
خيانة المعرفة.. حين يصبح الوعي أداة تضليل
ثمة جريمة في “أرض النفاق” أقبح من الجهل، وهي “العلم مع التزييف”. فالجاهل يُعذر بجهله، أما العالم الذي يعرف ثم يكتم، أو يعرف ثم يلوّي، فهو شريك في الجريمة.
المثقف السوري، بحكم تعريفه، ليس جاهلاً. هو شخص قرأ، وحلل، وشهد، وعرف خبايا الأمور. هو يعرف أن الانتهاكات التي ترتكبها السلطة الانتقالية اليوم – من اعتقالات تعسفية، إلى تغييب قسري، إلى تهميش ممنهج، إلى مصادرة حقوق – ليست أقل بشاعة من تلك التي ارتكبها النظام السابق. هو يعرف أن “العدالة الانتقالية” التي تُرفع شعارات، تُمارس بشكل انتقائي، فتُحاكم خصوم السلطة، وتُغضّ الطرف عن حلفائها. هو يعرف أن الخطاب الرسمي عن “المصالحة” و”المكونات” هو في جوهره إعادة إنتاج للخطاب الطائفي القديم، بأدوات جديدة.
لكنه، بدلاً من أن يقول هذه الحقيقة، يستخدم معرفته نفسها لتضليل الناس. يحول الجرائم إلى “أخطاء إجرائية في مرحلة صعبة”، ويحول القمع إلى “إجراءات أمنية ضرورية لاستقرار المرحلة”، ويحول الفساد إلى “تحديات اقتصادية موروثة”. إنه يستخدم مفرداته وفلسفته ومنهجيته الأكاديمية لتغليف الظلم بغلاف مقبول، وليجعل من الماء المسنون في “نهر النفاق” يبدو وكأنه شراب شافٍ.
هذه هي خيانة المعرفة بعينها. المثقف الذي كان يُفترض أن يكون منارة تكشف، يصبح ظلاماً يُعمي. والذي كان يُفترض أن يكون لساناً للحق، يصبح بوقاً للباطل. والذي كان يُفترض أن يحرر الناس من الأوهام، يصبح صانعاً لأوهام جديدة.
اللاوعي الطائفي.. الفجيعة الكبرى
هنا نصل إلى العقدة الأعمق، والأكثر إيلاماً، والأكثر خطورة. فلو كان المثقف السوري يخون مبادئه خوفاً من ممول، أو طمعاً في منصب، لكانت خيانته “مهنية” يمكن تفهم دوافعها. لكن الفجيعة الحقيقية تكمن في أن كثيراً من المثقفين يخونون مبادئهم لأنهم يريدون ذلك، ولأن خيانتهم تُرضي شيئاً أعمق من العقل، وأقدم من الوعي: اللاوعي الطائفي.
لفترة طويلة، ادعى المثقف السوري أنه يحمل قيماً إنسانية ووطنية عابرة للطوائف. كتب عن الحرية، والكرامة، والعدالة، والمساواة. لكن حين سقط النظام السابق، وبدأت المرحلة الانتقالية، وظهرت انتهاكات جديدة يرتكبها حكام جدد، انكشفت طبقات اللاوعي التي كانت مدفونة تحت شعارات الحداثة والوطنية.
الصدمة الكبرى هي أن المثقف الذي كان يصرخ من شظف التعذيب في سجون النظام السابق، يتغاضى الآن عن انتهاكات مماثلة ترتكبها السلطة الانتقالية، لمجرد أن الظالم الجديد ينتمي إلى طائفته، أو إلى منطقته.
هنا يعمل اللاوعي الطائفي كآلية دفاع نفسي تُنتج “تنافراً معرفياً” يتم حله بطريقة ملتوية: حين يظلم”ابن الطائفة” ، يستحضر المثقف كل قوانين حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية، ويُطلق العنان لقلمه ولسانه. أما حين يظلم “الآخر” ،(المختلف طائفياً أو مناطقياً) فيتحول اللاوعي إلى مسوّغ ويختلق المبررات، ويصمت، بل ويدافع عن الظالم بحجج واهية: “حماية المكون”، “تجنب الفتنة”، “عدم إعطاء فرصة للأعداء”، “المرحلة لا تحتمل”، “هناك أولويات”.
لقد وصلت الفجيعة إلى درجة أن الظلم لم يعد مرفوضاً بذاته، بل أصبح مرفوضاً أو مقبولاً بحسب هوية الظالم. هذا هو الانتصار النهائي لـ”أرض النفاق”، حيث تتحول الطائفة إلى دين جديد، والظالم “المحسوب علينا” إلى مقدس لا يُمس، والحقيقة إلى سلعة تُقاس بميزان الانتماء.
وهنا يكمن الفرق الجوهري بين “مسعود” السباعي والمثقف السوري اليوم: مسعود كان ينافق لأنه يخاف، أو لأنه يريد أن يعيش. أما المثقف السوري فينافق لأنه يؤمن بنفاقه، لأنه يجد في تبرير ظلم “ابن الآخر” راحة نفسية، ولأنه يرى في إدانة ظلم “ابن طائفته” انتصاراً شخصياً.
مآلات النفاق.. حين يُؤسس المثقف لاستبداد جديد
ما هي النتائج حين يخون المثقف الحقيقة، ويخضع للممول، ويُطلق العنان للاوعيه الطائفي؟
أولاً: تقويض العدالة الانتقالية من الداخل. العدالة الانتقالية لا تقوم بـكتمان الجرائم أو تبريرها طائفياً. هي تقوم بالمساءلة الشاملة، بلا استثناءات. حين يصمت المثقف عن انتهاكات سلطته الانتقالية، فهو لا يحمي مكوناته كما يظن، بل يزرع ألغاماً في المستقبل، ويؤسس لاستبداد جديد بنفس أدوات الاستبداد القديم، فقط بألوان مختلفة.
ثانياً: موت الضمير الجمعي. المثقف هو مرآة المجتمع، وبوصلته الأخلاقية. حين يرى الشعب أن نخبته تبرر الظلم وتكتم الحقيقة، يفقد بوصلة الأخلاق، ويسود قانون الغاب. وحين يفقد الشعب بوصلته، يصبح لقمة سائغة لأي مستبد جديد.
ثالثاً: إعادة إنتاج الاستبداد بأدوات جديدة. السباعي أنهى روايته بأن مسعود استسلم للنفاق. والمثقف السوري اليوم، بتسويغه للظلم ، يعلن استسلامه ، وما دام المثقف يمارس النفاق دفاعاً عن طائفته، فإن سوريا لم تخرج من “أرض النفاق”، بل انتقلت فقط من نفاق إلى نفاق آخر، ومن استبداد إلى استبداد آخر.
رابعاً: خيانة الأجيال القادمة. كل جيل من المثقفين يخون الحقيقة، يسرق من الأجيال القادمة حقها في معرفة ماضيها، وفي بناء مستقبلها على أساس صحيح. وحين تُبنى المصالحة على كذبة، فإنها لا تكون مصالحة، بل هدنة مؤقتة بين طرفين ينتظران فرصة للانقضاض على الآخر.
هل من مفر من نهر النفاق؟
قال يوسف السباعي في روايته: “إن الإنسان هو الإنسان، غشاش مخادع كذاب منافق في كل أمة في كل جيل. لا تقولوا: رحم الله آباءنا وأجدادنا لأنهم كانوا خيراً منا وأفضل خلقاً، لا تقولوا ذلك، فما كانوا يقلون عنا رداءة وسفالة”.
هذه الكلمات، التي كُتبت قبل أكثر من سبعة عقود، تبدو اليوم وكأنها كُتبت عن المثقف السوري المعاصر. فالنفاق ليس مرضاً عابراً، بل هو بنية متجذرة، تتجدد بأشكال مختلفة، وتتلبس بأقنعة متعددة.
لكن السباعي، في عمق تشاؤمه، ترك باباً مفتوحاً للأمل. ذلك أن “أرض النفاق” لا تسقط إلا حين يقرر “ذوو المروءة” أن يكونوا ذوي مروءة فعلاً، لا في الشعارات. وأن يكتشفوا أن “اللاوعي الطائفي” هو سجنهم الأكبر، وأن حريتهم لن تتحقق إلا حين يكسرون هذا اللاوعي، ويعترفون بأن الحقيقة واحدة، والظلم مرفوض بغض النظر عن هوية الظالم أو طائفته.
المثقف السوري اليوم أمام خيار تاريخي: إما أن يكون “مسعود” الجديد، يشرب من نهر النفاق، ويوزع الأكواب على الناس وهم لا يدرون أنهم يشربون سموم الوهم. وإما أن يكون صوتاً مختلفاً، يكسر دائرة النفاق، ويعيد للكتابة كرامتها، وللمعرفة شرفها، وللمثقف وظيفته الأولى: أن يكون ضميراً للأمة، لا مقاولاً للممول.
والتاريخ لن يرحم. فحين تُكتب فصول هذه المرحلة، سيُذكر من صمت، وسيُذكر من نطق. وسيُذكر من خان الحقيقة، وسيُذكر من دافع عنها. والسؤال الذي سيبقى معلقاً في الهواء هو: أيّ “مسعود” تريد أن تكون؟
(خاص بالموقع)