آه يا جلدنا…
عبارةٌ قصيرة، لكنها كانت كافية لتفتح أبوابًا ظنناها أُغلقت، وتوقظ صورًا قديمة نامت طويلًا تحت ركام الخيبات والخذلان. عبارةٌ جاءت كحفنة ملحٍ على جرحٍ لم يلتئم يومًا، فآلمتنا لأننا عرفنا صدقها، وأوجعتنا لأننا رأينا فيها انعكاسًا لوجوهنا جميعًا.
كتبتها سيدة دمشقية شاركت في اعتصام أمام برلمان سوريا. نعم، حقًا شاركت. وقفت هناك حيث تراجع كثيرون، ورفعت صوتها حيث اختنقت أصوات كثيرة. كانت أشجع منا جميعًا، نحن الذين احتمينا بالشاشات الصغيرة، واكتفينا بالمراقبة والتعليق والانفعال المؤقت. كانت أشجع من أولئك الذين ظنوا أن الكتابة غضب، وأن المشاركة الافتراضية فعل، وأن ضغط الأزرار يمكن أن يعفي الإنسان من مسؤولية الموقف.
لسنا هنا بصدد جلد الذات، فما عاد فينا متسع لمزيد من الجلد. جلدنا نفسه صار رقيقًا إلى حدٍّ مؤلم، بالكاد يحمي ما تبقى من أرواحنا المتعبة. صرنا هشّين من كثرة ما مرّ بنا، ومن كثرة ما رأينا وسمعنا وخسرنا. حتى أجسادنا لم تعد تقوى على حمل أوزار السنين، وكأنها تردد مع أحمد:
«كفى بجسمي نحولًا أنني رجلٌ…
لولا مخاطبتي إياك لم ترني»
ثم إن جلد الذات لم يعد مهمة نقوم بها نحن. لقد تكفّل بها غيرنا منذ زمن طويل. كبار مثقفينا ومبدعينا أشبعونا نقدًا ولومًا وتأنيبًا، حتى بدا وكأن الأمة لم تُخلَق إلا لتكون موضوعًا دائمًا للمرافعات ضد نفسها. وربما كان كثير من ذلك النقد مشروعًا، وربما كان بعضه ضرورة لا مفر منها، لكن السؤال ظل معلقًا: لمن كانت تُقال كل تلك الكلمات؟
فأنت تنادي… ولكن من تنادي؟
كثير من هؤلاء كتبوا من مسافة بعيدة، بعدما فتحت لهم المنافي أبوابها وأغلقت الأوطان أبوابها في وجوههم. وربما كان معهم كل الحق في الرحيل، فليس من حق أحد أن يطالب إنسانًا بالتضحية إلى ما لا نهاية. لكن المأساة أن الذين بقوا هنا كانوا أحيانًا أبعد عن سماع تلك الصرخات من الذين غادروا.
ها هو نزار قباني يكتب بمرارة منفيٍّ رأى أن السفر صار قدرًا، حتى خُيّل لكثيرين أنه يعلن اغتيال وطنه بالكلمات لأنه لم يعد قادرًا على إنقاذه. وها هو أدونيس يذهب بعيدًا ، حتى بدا أنه يرى أن القطيعة مع “الجد السامي” ومع البنية الثقافية التقليدية هي الطريق الوحيد إلى الخلاص. وبين هذا وذاك تعالت أصوات كثيرة: مظفر النواب، ومحمد الماغوط، وغيرهما ممن جعلوا من الغضب أدبًا، ومن الخيبة قصيدة، ومن الهزيمة مادةً للتأمل والسخرية السوداء.
قرأناهم جميعًا. حفظنا مقاطعهم عن ظهر قلب. صفقنا لجرأتهم، وبكينا مع مرارتهم، ورددنا تشخيصاتهم الدقيقة لأمراضنا المزمنة. لكن شيئًا ما كان ينقص المشهد دائمًا. فالتشخيص، مهما بلغ من العبقرية، لا يكفي وحده لصناعة الشفاء.
لقد عرفنا عللنا جيدًا؛ عرفنا الاستبداد، والتعصب، والكسل العقلي، والخوف، والتردد، والتعلق بالماضي، وسوء إدارة الحاضر. لكن كثرة النظر إلى الجرح لا تعني بالضرورة الاقتراب من العلاج. بل إن بعضنا صار مأخوذًا بصورة الجرح أكثر من انشغاله بالتئامه.
وحين كتبت تلك السيدة عبارتها: “الساحل شريان دمشق والسويداء نبضها”، لم تكن تقدم نظرية سياسية ولا مشروعًا فكريًا جديدًا. كانت تفعل شيئًا أبسط وأصعب في آن واحد: كانت تتذكر الوطن. الوطن بوصفه شبكة حياة متبادلة، لا ساحة محاكمات دائمة. الوطن الذي لا ينجو فيه جزءٌ إذا نزف الجزء الآخر، ولا يزدهر فيه مكان إذا اختنق مكان آخر.
كم أصبحنا بحاجة إلى هذا النوع من الكلام. كلام لا ينكر الأخطاء، لكنه لا يتحول إلى إدمانٍ على جلد الذات. كلام يعترف بالخراب، لكنه لا يتعامل معه كقدرٍ أبدي. كلام يرى الإنسان قبل أن يرى الفكرة، ويرى الوطن قبل أن يرى الانقسام.
آه يا جلدنا…
لقد تعب من السياط كلها؛ سياط الخصوم، وسياط الأصدقاء، وسياط المثقفين، وسياط التاريخ. وما نحتاجه اليوم ليس جلدًا جديدًا، بل بعض العافية. بعض الإيمان بأن هذا الجسد المرهق ما زال قادرًا على الوقوف، وأن هذا الوطن الذي أرهقته الجراح ما زال قادرًا على أن يتذكر نفسه.
وربما كان ذلك هو المعنى الأعمق لتلك العبارة التي أوجعتنا: ليست دعوة إلى البكاء على ما ضاع، بل تذكيرًا بما بقي. وما بقي، رغم كل شيء، أكثر مما نظن.
(رأي الموقع)