الحراك المجتمعي المدني,الأمل الأخير لسوريا
ينطلق اعتصام “قانون وكرامة” في دمشق بعد سلسلة من الوقفات الاحتجاجية والاعتصامات التي عبّرت عن رفض متصاعد لسلوك السلطة الانتقالية، لا سيما في سياساتها الاجتماعية والاقتصادية. هذه السياسات بدت، في نظر كثيرين، وكأنها تسير بخطى متسارعة نحو بيع ما تبقى من مقدرات الدولة، والتخلي عن مسؤولياتها الأساسية تجاه المجتمع والناس.
وإذا ما وضعنا جانبًا السجل الدموي الذي طبع العام الأول من عمر هذه السلطة، بما تخلله من انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان، ووصولًا إلى ارتكاب أو تسهيل جرائم ترقى إلى مستوى جرائم الحرب، وركّزنا فقط على الأداء الاقتصادي والاجتماعي، فإن الصورة لا تبدو أقل قتامة. إذ نشهد سلسلة من التجاوزات لصلاحيات السلطات الانتقالية، إلى جانب قرارات كارثية تهدد ما تبقى من بنى اقتصادية واجتماعية صامدة.
بعد قصة الكهرباء وفواتيرها ,بدأت السلطة، عبر مسؤولين ومقربين منها، بجس نبض المجتمع تمهيدًا لتمرير سياسات خطيرة، مثل خصخصة قطاعات حيوية كالصحة والتعليم، والتصرف بالملكيات العامة، من جبل قاسيون إلى المنشآت الصناعية. وبدل أن تقوم بصون هذه الممتلكات وتطويرها باعتبارها ملكًا للشعب، اتجهت نحو منح عقود ملتبسة تتيح التصرف بها لأفراد أو جهات، بمعزل عن أي اعتبار لحقوق المجتمع.
إلى جانب ذلك، صدرت قرارات تمس الحريات العامة والخاصة بشكل مباشر، من قوانين إعلامية مقيدة، إلى قرارات تتعلق بالمظهر والسلوك الشخصي، وصولًا إلى التضييق على الفنون والموسيقى، وتحويل الفضاءات الثقافية إلى وظائف بعيدة عن رسالتها. هذه السياسات لا تعكس فقط خللًا إداريًا، بل تشير إلى توجه عام نحو ضبط المجتمع وإخضاعه بدل تمكينه.
تعلو الحكومات عادة فوق الجمهور، وتتعامل معه ككتلة ينبغي السيطرة عليها، لكن الحقيقة الأعمق أن هذا الهرم قابل للانقلاب في أي لحظة. فالجمهور، في جوهره، هو القوة الحقيقية التي تمنح الحياة لأي نظام اجتماعي، بينما الحكومات ليست سوى أدوات تنظيم—وقد تتحول، في غياب المساءلة، إلى أدوات قهر وإخضاع تعتاش على حيوية المجتمع نفسه.
يكمن الخلل الوجودي في أن الحكومات، وهي منشغلة ببناء هياكلها، تبدو منفصلة عن أي قاعدة إنسانية حقيقية. الفساد هنا ليس عرضًا طارئًا، بل يتحول إلى أداة أساسية في التحكم، من خلال تفتيت المجتمع إلى وحدات متناحرة، وإضعاف قدرته على الفعل الجماعي. إنه تحكم يستهدف في جوهره تدمير خصوصية المجتمع واستقلاليته.
في مواجهة الحراك، ستبرز أصوات تنشغل بعدّ أعداد المحتجين بدل الاستماع إلى مطالبهم، وقد تلجأ السلطات إلى أساليبها المعتادة: إرسال موالين للاعتداء، التهديد، الملاحقة، قطع الإنترنت، أو الالتفاف على المطالب. لكن السؤال الجوهري سيبقى غائبًا: هل هذه المطالب محقة؟ وهل الاستجابة لها تصب في مصلحة الدولة والمجتمع؟
لقد أشار كثير من المفكرين والفنانين إلى أن أعظم تحديين سيواجهان العالم هما الجوع والتغير المناخي. في هذا السياق، استشرف الفن مبكرًا مأساة الفقر الحديث؛ حيث ربطت أعمال إنسانية عميقة بين الكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية. ففي تصوير رمزي مؤثر، بدا الفقراء وكأنهم يحملون مفاتيح النجاة رغم هشاشتهم، وكأن الأمل ينبثق من أكثر الأماكن قسوة.
إن الضوء الذي يلوح في الأفق، والمخرج من هذه الحلقة العبثية، يكمن في تفعيل ما يمكن تسميته بـ”المحدد الرابع”: الكفاءات. فبعد تحييد العنف، وتثبيت الحدود، وتعريف الهوية، يأتي دور بناء منظومة قائمة على الكفاءة والشفافية. وهذا المسار لن تبادر إليه الحكومات من تلقاء نفسها، بل يحتاج إلى ضغط مجتمعي واعٍ ومنظم.
إن أمام سوريا فرصة أخيرة لإعادة تصحيح المسار، والبدء في بناء دولة تقوم على أسس عادلة وقانونية وشفافة، بعد سنوات طويلة من التأخر والتدهور. ويبقى السؤال مفتوحًا: هل ستُهدر هذه الفرصة مرة أخرى، أم أن المجتمع المدني سيتمكن من فرض معادلة جديدة تفتح بابًا نحو معجزة طال انتظارها؟
(رأي الموقع)