النكتة السورية.. مرآة الأزمات ونبض الشارع(1)
إذا كانت النكتة في سوريا هي صمام الأمان الاجتماعي، فإن ما يشهده الشارع السوري اليوم من قرارات وبيانات وتصريحات رسمية قد حول هذا الصمام إلى صفارة إنذار لا تتوقف. لم تعد السخرية موجهة فقط نحو غلاء المعيشة أو غش و طوابير المحروقات، بل انتقلت لتعري عبثية القرارات الاقتصادية والاجتماعية، وصدمة التصريحات الرسمية، وانهيار معايير الكفاءة في مفاصل الدولة، وتوحش الفساد الذي بات يتحدث بلغة الدولار. في هذه الحلقة، نرصد كيف حول السوريون على منصات التواصل وفي مجالسهم الخاصة، هذه الوقائع إلى مادة دسمة لسخرية لاذعة تكشف عمق المأساة.
حين قررت وزارة التربية تغيير أسماء المدارس و حذف الملكة “زنوبيا” من المناهج الدراسية لم يكن مجرد تعديل تربوي في نظر الشارع السوري، بل كان بمثابة محاولة متعمدة لمحو الهوية والذاكرة. وفي خضم هذا الجدل، عادت إلى الأذهان ذكرى عالم الآثار السوري الراحل “خالد الأحمد”، الذي دافع بشراسة عن التراث السوري قبل أن يُغتال، لتصبح السخرية هنا مريرة وقاتمة.
تداول ناشطون نكتة سوداء موجهة لروح الراحل: “يبدو أن قاتلك سيصبح مديراً للمتحف الوطني، فبعد أن تخلصوا منك ومن زنوبيا، لم يعد في المتحف أحد يمنعهم من بيع القطع الأثرية أو استبدالها بتمثال طيني”.
أما الجيل الشاب، الذي فوجئ بسماع اسم “زنوبيا” لأول مرة خارج إطار المدرسة، فقد عبّر عن صدمته بسخرية مريرة: “معقول زنوبيا تطلع من شخصيات مسلسل ‘جيم أوف ثرونز’ (صراع العروش) أو مسلسل ‘الجوارح’؟”، في إشارة إلى أن المنهاج الدراسي تخلى عن دوره التعليمي، تاركاً للشباب مهمة اكتشاف تاريخ بلادهم عبر المسلسلات الأجنبية أو الدراما المحلية ، أو عبر مقاطع عشوائية على “تيك توك”.
وحين قررت محافظة دمشق نقل تمثال صلاح الدين تم تداول نكتة: قال الأول لصاحبة: بتعرف انهن أخدوا تمثال صلاح الدين؟ قال الثاني :ليش شو حاكي, الله يصلحو .
لم تعد التصريحات الرسمية تُقاس بمضمونها الإداري، بل بمدى قدرتها على توليد ترند” ساخر على وسائل التواصل. فحين صرّح محافظ دمشق بأنه “بسبب العمل والخبرة، أصبح يستطيع تقييم الأوضاع والدراسات الهندسية أفضل من المهندسين المختصين”، لم يضيع السوريون الفرصة لتقريع هذا المنطق.
علّق أحد النشطاء ساخراً: “لماذا نحتاج إلى مهندسين لتصميم الجسور أو تخطيط المدن، والمحافظ يستطيع تقييم التربة والخطة من خلال ‘الخبرة المتراكمة’ في الجلوس على الكرسي وتوقيع المعاملات؟ يبدو أن الهندسة أصبحت مجرد هواية، والخبرة الحقيقية هي في إدارة الكرسي البرّام”.
وفي سياق متصل، حين صرّح مدير المشتقات النفطية بأن “الشعب السوري قطيع يقوده الفيسبوك”، انقلبت الطاولة على المصدر نفسه. السخرية هنا لم تكن دفاعاً عن الفيسبوك، بل فضحاً لهذه الفوقية . ردد الناس: “إذا كنا قطيعاً يقوده الفيسبوك، فمن هو الراعي؟”، وأضاف آخرون: “المدير لم يخطئ في الوصف، نحن قطيع، لكنه نسي أن يقول أن الراعي في النهاية يذبح القطيع”.
من أكثر الملفات التي أثارت وسخرية عارمة، هو تعيين أشخاص في مناصب أمنية وإدارية عليا، لا يحملون حتى شهادات “البكالوريا” أو الشهادة الإعدادية (التاسع).
هنا، برعت النكتة السورية في كشف مستوى بعض من يستلمون مفاصل مهمة بالبلد , فحين سأل أحد المراجعين عن أحد\ المسؤولين في مراجعة ما, قيل له بأنه غير موجود ,وهو في المركز الامتحاني يقدم الفحص. وعن التزوير المؤسسي. يُروى أن أحدهم عُيّن حديثاً في منصب إداري رفيع، وعندما سأله موظف قديم عن شهادته الجامعية، أجاب بفخر: “لدي شهادة خبرة من الحياة، وشهادة تقدير من الصف التاسع”. فرد عليه الموظف: “ممتاز، هذا يؤهلك تماماً لإدارة البلاد، فهذا هو المطلوب اليوم”.
أما عن ظاهرة الشهادات الوهمية، فالسخرية طالت الجامعات التي تمنح دكتوراه في “التشريع” أو “العلوم الأمنية” لأشخاص لم يطأوا قاعة محاضرة في حياتهم. نكتة متداولة تقول: “منحوا فلاناً شهادة دكتوراه من جامعة في دولة غير معترف بها، والتحقيق أثبت لاحقاً أن ‘الجامعة’ كانت عبارة عن مقهى إنترنت في بلد مجاور، ومدير الجامعة هو صاحب المقهى الذي كان يطبع الشهادات”.
في هذا السياق تروى نكتة: “طرد ولد من المدرسة ,فولولت الأم وقالت للزوج : انخرب مستقبل الولد. فأجابها الزوج ضاحكا: بالعكس هلا انفتحتلو طاقة القدر.
مع الغلاء وتراجع قيمة الليرة السورية، ترقّى الفساد والرشوة ليتحدثا بلغة الدولار. الموظفون الفاسدون لم يعودوا يهمسون بكلمة “إكرامية” ، بل أصبح التسعير واضحاً وصريحاً بالعملة الصعبة.
“في الماضي، كان المواطن يدخل المكتب فيسأله الموظف همساً: في إكرامية؟ اليوم، ينظر إليه الموظف بملل ويسأله بصوت عالٍ: بالدولار , ما باخد سوري, هيدي أيام النظام البائد؟”.
وعن الغلاء والبنزين المغشوش ,تتناقل الألسنة نكتة تعبر عن هذا الواقع: “قرر رجل سوري بيع سيارته ، وعندما ذهب إلى التاجر وعرض عليه السيارة، قال له التاجر: سأعطيك مبلغ كذا . غضب الرجل وقال: هذه إهانة! السيارة تسوى أكثر من هذا. ابتسم التاجر وقال: أنا لا أدفع ثمن السيارة، بل أدفع ثمن الحديد, فسيارتك بالوعة بنزين.”.
وفي سياق آخر، يُروى أن مواطناً كان يدفع سيارته بيده في أحد شوارع دمشق، فسأله صديق: “لماذا لا تشغل المحرك؟”، فأجاب: “أوفر بنزين”. تعجب الصديق: “ولكنك تبذل جهداً بدنياً أكبر وتتعرق!”. فرد عليه بحسرة: “العرق مجاني يا صديقي، أما البنزين فيكلفني أكل أولادي”.
وحين صرح أحد الوزراء بأن الوزارة” مثل شحاطته”, قال ناشطون: إي مظبوط , لأنو حضرتو وزير “شحاطة” !
ما يجمع هذه النكات، من حذف زنوبيا إلى شهادات “الإنترنت” وفساد الدولار، هو أنها ليست مجرد فكاهة، بل هي توثيق شعبي لانهيار المعايير. عندما يُحذف التاريخ، ويُقدّس الجهل، ويُوصف الشعب بالقطيع، ويُقاس الفساد بالدولار، فإن النكتة تتحول إلى صرخة وجودية.
السوريون يضحكون اليوم ليس لأنهم وجدوا حلاً، بل لأن الضحك هو الآلية الوحيدة التي تمنعهم من الانهيار التام أمام هذا الكم من العبث. وكما أثبتت الأيام، النكتة السورية ليست بريئة، إنها المرآة التي تعكس الحقيقة التي ترفض السلطات الاعتراف بها: أن من يمسح التاريخ، ويوظف الجهل، ويبيع الذمة بالدولار، لا يبني دولة، بل يدير مسرحية هزلية مأساوية، والشعب هو الجمهور الذي يصفق له بمرارة، أو يسخر منه حتى آخر نفس.