متل ما أخدتو . ردو .. يا بحر بيروت ..
أمام بحر بيروت، وفي مقهى “الروضة” الشهير، قال لي “أبو سعد”، كما كان يحلو لي أن أناديه:
“غريبة هالمدينة، خلقنا فيها وعشنا فيها، ومع ذلك، حين ننطق باسمها ننادي: يا بيروت، كأنها على بُعد مسافة منا”.
حين حدّق “أبو سعد” في البحر، لم أشأ أن أقطع عليه خلوته. وبينما كان أحمد قعبور يرسم أغنية جديدة في رأسه، رحتُ أدندن أغنيته:
“ردّوا يا بحر بيروت، العصفور اللي هاجر مرّة، وما ودّع البيوت…”.
بابتسامته الجريحة، سألني لماذا اخترت هذه الأغنية. أخبرته حينها أنها أغنيتي المفضلة لبيروت، وعدت به إلى زمن عينيه، ذاك الزمن في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، حين سألني أبي، وهو يصافح جارنا الجديد في الطابق الرابع: “بتعرف مين هيدا؟”.
أجبته بأنني شاهدته على التلفاز يغنّي “أناديكم”. ضحك الرجلان، وقال أبي: “هيدا ابن خالي”. عندها فقط فهمت سرّ عيني أحمد.
نادى أحمد بيروت من بعيد جدًا، من زمن كان فيه مرفأ بيروت يبعث بدخان قاتم حول “طرحة” المدينة عقب الانفجار الشهير في 4 أغسطس/ آب 2020، إلى زمن جعلني، في إحدى جلساتنا، أُكمل دندنة “ردّوا يا بحر بيروت”، التي تقول كلماتها: “والمينا وحدو مجروح، وباب العنابر مفتوح”.
هنا عاتبني “أبو سعد”، رافضًا أن تتحول أيّ من أغانيه إلى مرثية للعاصمة؛ لبيروت التي أحسن عدّ ورود “الغاردينيا” فيها، واستنشق في أحيائها البسيطة رائحة الطحين في الحلويات الشعبية.
ثم عدنا، معًا، نستعيد حكايات الجدّات في جلسة أخرى، ونتتبع في الكلام تلك المدينة التي ظلّت تعيش في صوته أكثر مما عاشت في حجارتها.
مع أحمد، استرقتُ النظر صغيرًا من شرفة منزلنا الخلفية، نحو الطابق الأدنى، حيث كان صوت قيثارته يخرج إبّان الانتفاضة الفلسطينية الأولى، وهو يشدو: “يا نبض الضفّة”.
ومعه، حين كبرت، أدركتُ أن المواقف السياسية أخلاقيةٌ أولًا، وأنها تنحاز في جوهرها إلى الشارع والناس. من هنا جمعتنا الثورة السورية، وبقي أحمد يخيط في داخلي الوعي السياسي، ويغنّي “للناس”.
ومن أحمد تعلّمت أن المدن هي الناس، وأن بيروت “ضيعة” الذين لا قرى لهم؛ تكبر باتساعهم جميعًا، وتصغر في “بوسة على خدّك”.
غدًا، سأنتظر أحمد، وأنا في الثامنة من عمري، قادمًا بكيس يحمل لوحة خشبية تضم “كاسيت” فيه مسرحية دمى جديدة من ألحانه؛ تلك التي أحببته من خلالها، “ابن خال أبي”، وهي مسرحية “فراس ودولابه الفصيح”، التي يجتمع فيها عدد من الأطفال ليقرروا صنع لعبة خشبية هي “الدولاب”.
وسأشدو مع فراس والأطفال:
“رح نعمل لعبة كبيرة، وحنسميها اسم جديد، لعبة لا من بلاد بعيدة، لعبة كلّها صنع الإيد… وعليها منكتب أسامينا بالحرف العربي الواضح، ونكتب اسم الماما واسم البابا والجيران، ونكتب اسم الفقرا حتى نذكرهم بالعيد”.
(زياد عيتاني)
الأغنية…
متل ما أخدتو . ردو .. يا بحر بيروت ..
العصفور يل هاجر مرة .. وما ودع البيوت ..
بغيابو تلاقو الولاد .. عالشط ونطرو الأعياد ..
راح .. وما خاف من الحوت ..
متل ما أخدتو .. ردو .. يا بحر بيروت ..
متل ما أخدتو ردو .. ورسملو طريق .. طير النورس على وعدو .. ناطر شي رفيق ..
والمينا وحدو مجروح .. وباب العنابر مفتوح .. لا مراكب عم بتفوت …
متل ما أخدتو .. ردو .. يا بحر بيروت ..
متل ما أخدتو ردو .. للسندباد … ضايع بالمركب وحدو .. ضاعت البلاد …
والصيادي هجرو الصخر … لا منارة تضوي البحر .. وشطوطك ما فيها شطوط ..
متل ما أخدتو .. ردو .. يا بحر بيروت
كلمات: عبيدو باشا
ألحان:أحمد قعبور