مغامرة العقل المستمرة(12)-تجارب صيد الأشباح
الجهاز الذي ربما رأيته يوماً دون أن تعرف حكايته
في متحف، أو في متجر هدايا علمية، أو على رفّ مكتب أستاذ فيزياء عجوز، ربما مررت يوماً بجهاز صغير جميل: كرة زجاجية شفافة، بداخلها أربع ريش خفيفة تدور بحرية، كل ريشة سوداء من جهة وفضّية من الجهة الأخرى. حين يسقط عليها الضوء، تدور الريش ببطء، كأنها تطحن الضوء نفسه.
إنه مقياس كروكس الإشعاعي. وربما ابتسمت له يوماً كما تبتسم للعبة ظريفة.
لكن هذا الجهاز الصغير كان بطل واحدة من أغرب الفضائح في تاريخ الفيزياء. ليس فضيحة احتيال، بل فضيحة من نوع أعمق وأجمل: فضيحة خطأ بشري صادق، علّم العلم درساً قاسياً عن الفرق بين «أن ترى شيئاً يحدث» و«أن تفهم لماذا يحدث».
كروكس يمسك «الشبح»… أو هكذا ظن
في سبعينيات القرن التاسع عشر، بنى العالم البريطاني ويليام كروكس هذا الجهاز بنية واحدة واضحة: صيد ضغط الضوء.
فرّغ كروكس الكرة الزجاجية من معظم الهواء. علّق الريش الخفيفة على محور يدور بحرية. ثم سلّط الضوء.
ودارت الريش!
تخيّل فرحته. أخيراً! جهاز يريه بالعين المجردة ما تنبأ به ماكسويل على الورق. الضوء يدفع الريش. الوجه الأسود يمتص الضوء فيُدفَع، والوجه الفضّي يعكسه فيُدفَع بطريقة مختلفة، وعدم التوازن يدير الريش. بدت القصة كاملة، أنيقة، مثالية.
لسنوات، استُشهد هذا الجهاز في الكتب والمقالات الشعبية كدليل مباشر على ضغط الإشعاع. وبدا الأمر منتهياً.
لكن الفيزياء لا تكتفي بأن ترى. الفيزياء تسأل: هل يحدث الشيء بالطريقة التي ظننتها فعلاً؟
الاتجاه الخطأ: تفصيل صغير يهدم قصة كاملة
لم تمر فرحة كروكس بسلام. فبعد قليل، بدأ فيزيائيون آخرون يدقّقون، ولاحظوا شيئاً مزعجاً:
الريش تدور في الاتجاه المعاكس لما يفترضه ضغط الضوء!
تأمل معي المنطق: حين يضرب فوتون سطحاً أسود فيُمتَص، يسلّم زخمه مرة واحدة. لكن حين يضرب سطحاً فضّياً فينعكس، يرتدّ عائداً، والتغيّر في زخمه يصبح ضعف القيمة — فيسلّم للمرآة ضعف الدفع.
إذن، لو كان الضوء هو الدافع حقاً، لوجب أن تُدفَع الأوجه الفضّية بقوة أكبر من الأوجه السوداء، ولدارت الريش باتجاه معيّن محسوب بدقة.
لكن ريش كروكس كانت تدور بالعكس: الأوجه السوداء هي التي تُدفَع بقوة أكبر!
تفصيل صغير؟ لا. هذا التفصيل الصغير كان كفيلًا بهدم القصة كلها. فالجهاز لم يكن يقيس ضغط الضوء أصلاً. كان يقيس شيئاً آخر تماماً.
الجاني الحقيقي: الهواء الذي لم يُطرَد من المسرح
أين الخلل؟ في بقايا الهواء.
رغم كل جهود كروكس في التفريغ، ظلّت كمية ضئيلة من الهواء عالقة داخل الكرة الزجاجية. وحين يسقط الضوء على الريش، يحدث الآتي:
الوجه الأسود يمتص الضوء، فيسخن أكثر من الوجه الفضّي العاكس. هذا السطح الساخن يسخّن بدوره جزيئات الغاز الملتصقة به تقريباً. والجزيء المسخّن يرتدّ عن السطح بسرعة أكبر، وبقوة أكبر، كما ترتد كرة أُلقِيَت على جدار ساخن متوهج بعنف أكبر مما لو أُلقِيَت على جدار بارد.
نتيجة ذلك؟ دفع محصلّة من الأوجه السوداء نحو الأوجه الفضّية. الريش تدور — لكن ليس لأن الضوء يدفعها، بل لأن الهواء المسخّن يدفعها.
الضوء كان يسخّن، والهواء كان يدفع. والفوتونات نفسها؟ بريئة براءة كاملة من التهمة التي احتُفل بها!
انظر إلى صورتنا الافتتاحية: «فوتون» يقف بابتسامته البريئة ويديه على خاصرتيه، كأنه يقول: «أنا؟ لم أفعل شيئاً!». بينما شيطان الحرارة الأحمر الصغير — ذلك الهواء الخبيء — ينفخ على الريش من حيث لا يرى العالِم المسكين، الذي يدوّن ملاحظاته بثقة تامة… وثقته في غير محلّها.
إنه درس خالد: الطبيعة لا تكذب، لكنها لا تتكلم أيضاً. إنها فقط تفعل، ونحن نؤوّل. والتأويل قد يخطئ.
الضرر: حين يسمّم خطأ واحد بئر العلم
قد تظن أن الخطأ صُحِّح بسرعة وانتهى الأمر. لكنه لم ينتهِ. لقد سمّم البئر لسنوات.
لأن الجهاز كان مقنعاً بصرياً، ظل يُستشهد به كدليل على ضغط الضوء. وحين اتضح أنه مخطئ، انقلب السحر على الساحر: بدأ كثير من الفيزيائيين يشكّون ليس في الجهاز فحسب، بل في الفكرة نفسها.
هل ضغط الإشعاع حقيقي أصلاً؟ أم أنه وهم من أوهام ماكسويل الرياضية؟
بعضهم قال: ربما المعادلات خاطئة. وبعضهم قال: ربما التأثير حقيقي لكنه صغير جداً، وسيبقى مدفوناً إلى الأبد تحت ضجيج الحرارة وتيارات الهواء، عصياً على القياس ما دام العالم يدور.
وهكذا، تحوّل السؤال من «كيف نقيس ضغط الضوء؟» إلى سؤال أشد قسوة: «هل يمكن أصلاً بناء فخّ يصطاد شبحاً بهذا الخفاء، دون أن تقع في فخاخ نفسك؟»
الجواب جاء من رجلين على ضفتي المحيط، قررا أن يفعلا ما لم يفعله أحد قبلهما: أن يخرسا كل صوت في المختبر، حتى لا يبقى مسموعاً إلا همس الفوتونات.
ليبيديف: الرجل الذي فرّغ العالم من الضجيج
في عام 1901، في موسكو، دخل الفيزيائي الروسي بيوتر ليبيديف مختبره ومعه خطة صارمة: إذا كان الهواء المسخّن هو الجاني، فسأفرغ الهواء حتى آخر ذرة ممكنة. وإذا كانت الحرارة هي المتسلّل، فسأصمم التجربة بحيث لا تجد الحرارة منفذاً.
علّق ريشاً معدنية خفيفة للغاية داخل وعاء زجاجي فرّغ منه الهواء إلى حدود ما كانت التقنية تسمح به يومها. ثم سلّط حزمة ضوء مركّزة، وانتظر، وقاس.
كانت التجربة شديدة الصعوبة إلى حدّ يكاد يكون مستحيلاً. أي نسمة هواء متبقية، أي فرق حرارة صغير، أي اهتزاز في الطاولة — كلها قوى أكبر من ضغط الضوء بملايين المرات، وكلها كفيلة بإغراق الإشارة في الضجيج.
لكن ليبيديف كان صياداً صبوراً. عزل، وفرّغ، ووازَن، وكرّر. وحين هدأ كل ضجيج… بقيت إشارة صغيرة ثابتة عنيدة: الريش تتحرك باتجاه ضغط الضوء، وبالمقدار الذي تنبأ به ماكسويل تماماً.
الأشباح أمسكت متلبّسة. الضوء يدفع. فعلاً. حقاً. بلا وسيط، بلا هواء، بلا خدعة حرارية.
نيكولز وهول: المرآة التي التوت على خيط
في الوقت نفسه تقريباً، وعلى الضفة الأخرى من المحيط، كان الفيزيائيان الأمريكيان إرنست نيكولز وغوردون هول يصطادان الشبح نفسه بأداة مختلفة.
بدل الريش، علّقا مرآة صغيرة على خيط رفيع للغاية داخل غرفة مفرّغة. حين ضرب الضوء المرآة، التوت المرآة على خيطها التواءً ضئيلاً — ضئيلاً لدرجة أن قياسه يشبه قياس سماكة شعرة من مسافة ملعب كرة قدم.
لكنهما قاسا. ومن مقدار الالتواء، حسبا القوة. وكانت النتيجة، المنشورة بين 1901 و1903، مطابقة لتنبؤ ماكسويل.
تجربتان مستقلتان، بأداتين مختلفتين، في بلدين مختلفين، وعلى يدَي فريقين لا يعرف أحدهما الآخر — وتصلان إلى الرقم نفسه.
هكذا يُبنى اليقين في العلم: ليس بشاهد واحد، بل بشهود لا يعرفون بعضهم، وتتطابق شهاداتهم.
أُغلقت القضية تجريبيّاً. الضوء يمارس ضغطاً. الضوء يحمل زخماً. شيء بلا كتلة ينقل الحركة إلى شيء ذي كتلة. صورة كرة البلياردو النيوتنية انكسرت رسمياً.
لكن كيف؟ الآلية التي ترقص بها الموجة
بقي سؤال يلحّ على الفيزيائيين: حسناً، الضوء يدفع. لكن كيف تفعل موجة ذلك؟ ما الحيلة الميكانيكية؟
الجواب يكمن في الطبيعة المزدوجة للموجة الكهرومغناطيسية: مجال كهربائي ومجال مغناطيسي يتذبذبان متعامدين، ويتحركان معاً في اتجاه ثالث.
حين تصطدم الموجة بسطح، يبدأ المجال الكهربائي عمله فوراً: يمسك بالإلكترونات في مادة السطح ويهزّها جيئة وذهاباً، جانبياً، عمودياً على اتجاه سير الضوء. حتى هنا، لا يوجد دفع أمامي؛ مجرد إلكترونات ترتجف في مكانها.
ثم يدخل المجال المغناطيسي إلى المسرح. والقاعدة هنا قاعدة قديمة في الكهرومغناطيسية: جسيم مشحون يتحرك داخل مجال مغناطيسي يختبر قوة — تسمى قوة لورنتس — اتجاهها عمودي على كلٍّ من سرعة الجسيم والمجال.
الإلكترونات تتذبذب جانبياً (بفعل الكهربائي)، والمجال المغناطيسي يشير في اتجاه عمودي ثالث، فتكون محصّلة قوة لورنتس في الاتجاه المتبقي الوحيد: إلى الأمام، في اتجاه سفر الضوء نفسه!
تأمل الجمال: المجال الكهربائي يوقظ الإلكترونات ويحرّكها، والمجال المغناطيسي يلتقط تلك الحركة الجانبية ويحوّلها إلى دفعة أمامية. رقصة ثنائية منسّقة: أحدهما يوقّع اللحن، والآخر يحوّله إلى دفع. وهذا هو ضغط الإشعاع.
وهنا نفهم سرّ الضآلة أيضاً: القوة المغناطيسية على جسيم مشحون تتناسب مع سرعة الجسيم مقسومة على سرعة الضوء. وسرعة تذبذب الإلكترونات في سطح ما ضئيلة جداً مقارنة بسرعة الضوء. لذا تكون الدفعة الأمامية جزءاً يسيراً يسيراً من الرجفة الجانبية. صغيرة؟ نعم. صفر؟ لا. وهي هناك دائماً، تعمل دائماً، تدفع دائماً.
كم يدفع؟ أقل من بعوضة… وأكثر من كون
دعنا نضع الأرقام في لغة الجسد:
لو أمسكت مرآة عاكسة تماماً، مساحتها متر مربع واحد، ووجّهتها إلى شمس الظهيرة، فإن كل ضوء الشمس مجتمعاً سيدفع مرآتك بقوة تقارب تسعة ميكرونيوتن.
ما معنى ذلك؟ إنها قوة أقل من وزن بعوضة واحدة تستريح على ذراعك. لا بعوضة تدفعك — بل بعوضة جالسة بهدوء، وزنها فقط. هذا كل ما تفعله شمسٌ بأكملها بمتر مربع من المرآة.
وإن جمعت الضغط على سطح الأرض كله، حصلت على رقم يبدو ضخماً — نحو مئة وثلاثين مليون رطل — لكنه موزّع على كوكب بأكمله، فيذوب إلى لا شيء لكل متر مربع. ولتعرف كم نحن غافلون عن هذا الدفع: قوة الجاذبية التي تلصقك بالأرض أقوى من ضغط الضوء الذي يدفعك بعيداً عن الشمس بنحو ترليون مرة.
فلا عجب أن كروكس أخطأ، ولا عجب أن حواسنا خانتنا قروناً.
لكن — وهنا المفصل الذي سيغيّر كل شيء لاحقاً — المقياس هو الحكم. على مستوى حبة غبار كونية، يصبح ضغط الضوء سيّداً يقرر مصيرها. على مستوى مذنّب، ينحت الذيول. على مستوى ذرّة واحدة، يصبح الفوتون الواحد ركلة تُحسب وتُقاس. وعلى مستوى شراع لامع هائل في فراغ لا احتكاك فيه، يصبح الدفع الصغير المستمرّ قوةً لا تتوقف أبداً.
القوة الصغيرة ليست قوة معدومة. إنها فقط قوة تنتظر مقياسها الصحيح.
وهنا… تقف الفيزياء على حافة الصدع
لننظر الآن إلى المشهد الكامل :
من جهة، نيوتن وميكانيكا عمرها ثلاثمئة عام تقول بثقة: الزخم كتلة مضروبة في سرعة. لا كتلة؟ لا زخم. لا زخم؟ لا دفع.
ومن جهة أخرى، ماكسويل بمعادلاته المحكمة، وليبيديف ونيكولز وهول بمختبراتهم الصبورة، يقولون جميعاً: الضوء يدفع، ويحمل زخماً، رغم أن كتلته صفر.
كلا البرجين قائم. كلاهما ناجح في ميدانه. نيوتن يفسّر الكواكب والقذائف والجسور. ماكسويل يفسّر البرق والمغناطيس والضوء. لكنهما، في هذه النقطة الواحدة، يتناقضان تناقضاً صريحاً.
وحين يتصادم برجان عظيمان، لا ينهار أحدهما عادةً… بل تنهار الأرض التي يقفان عليها، ليكتشف الجميع أن هناك طابقاً أعمق لم يره أحد.
في برن بسويسرا، في تلك السنوات نفسها، كان موظف براءات اختراع في السادسة والعشرين من عمره يجلس في مكتبه، يقلّب ورقة وقلما، ويبدأ بهدوء تامّ هدمَ الأرض التي يقف عليها البرجان — ليرفع مكانها بناءً جديداً، يتصالح فيه الزخم مع الكتلة، والزمان مع المكان، والضوء مع المادة.
اسمه ألبرت أينشتاين.
في الحلقةالقادمة «ثورة أينشتاين: حين تبيّن أن الطاقة هي مصدر الزخم» — كيف اختفى الأثير، وتباطأت الساعات، وقصرت المساطر، واكتشفنا أن المعادلة التي حفظناها في المدرسة ليست سوى ظلٍّ لمعادلة أعظم.
يتبع…
(إعداد القسم العلمي في الموقع)