مغامرة العقل المستمرة(15)-أصابع من ضوء
الركلة التي لا يشعر بها أحد
دعنا نبدأ برقم يبدو سخيفاً.
فوتون واحد من الضوء الأخضر — ضوء بطول موجي نحو 550 نانومتراً، من النوع الذي يسقط على أوراق الشجر في صباح ربيعي — يحمل زخماً مقداره نحو:
1.2 × 10⁻²⁷ كيلوغرام.متر/ثانية
ما معنى هذا الرقم بلغة الجسد؟ دعنا نقارنه بشيء نعرفه: ذبابة فاكهة صغيرة تطير أمامك بسرعة متر واحد في الثانية. زخم هذه الذبابة الضئيلة يقارب 10⁻⁶ كيلوغرام.متر/ثانية.
أي أن زخم الذبابة أكبر من زخم الفوتون الواحد بنحو مليار تريليون مرة.
فوتون واحد أضعف من أن يشعر به أي إنسان. أضعف من أن يرصده أي جهاز وهو يدفع جسماً كبيراً. ركلته صغيرة إلى حدّ يبدو معه وكأنها غير موجودة أصلاً.
لكن — وتذكّر هذه الكلمة جيداً، فهي مفتاح الحلقة كلها — الفوتونات نادراً ما تأتي منفردة.
لكن الفوتونات لا تسافر وحيدة
مصباح متوهج عادي بقدرة ستين واط — مثل الذي كان يضيء غرفة جدّتك — يبعث نحو مئة مليار مليار فوتون في الثانية. واحد وأمامه عشرون صفراً (10²⁰)، كل واحد منها يحمل كمّه الضئيل من الزخم، تتدفق جميعها في كل الاتجاهات.
مجمّعةً، تنتج هذه الأفواج قوة قابلة للقياس بأدوات حساسة: لو وضعت سطحاً مساحته متر مربع على بعد متر من هذا المصباح، لكان إجمالي الدفع نحو ستة عشر جزءاً من المليار من النيوتن — أي ما يعادل تقريباً وزن حبة غبار صغيرة بالكاد تراها العين.
صغير؟ نعم. معدوم؟ لا.
وهنا يدخل المهندسون إلى المسرح. لأن القاعدة الذهبية في عالم الفوتونات هي: إن كان الفوتون الواحد يدفع دفعة ضئيلة، فأرسل تريليونات منه في الاتجاه نفسه، وبتركيز واحد، وعلى هدف صغير وخفيف… وستحصل على قوة تصنع المعجزات.
وهكذا غادر زخم الفوتونات عالم الفيزياء البحتة، ودخل عالم الهندسة.
ثلاجة الضوء: كيف تبطئ ذرّة بشعاع؟
من أروع تطبيقات هذا المبدأ ما طوّره الفيزيائيون في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين: التبريد بالليزر. تقنية تستخدم ضوء الليزر لإبطاء الذرّات إلى سرعات تكاد تكون صفرًا، مبرّدةً إياها إلى أجزاء من المليون من الدرجة فوق الصفر المطلق — أبرد مكان في الكون المعروف.
المبدأ بسيط حتى ليبدو خدعة سحرية:
تخيّل ذرّة تتحرك نحو حزمة ليزر قادمة من الاتجاه المعاكس. الفوتونات تسافر نحو الذرّة. حين تمتص الذرّة فوتوناً، تستقبل زخمه — وزخمه موجّه عكس اتجاه حركتها. فتتباطأ قليلاً. قليلاً جداً، لكنها تتباطأ.
ثم تعيد الذرّة إصدار فوتون في اتجاه عشوائي. مرة للأعلى، مرة للأسفل، مرة لليمين، مرة لليسار. وعلى مدى ملايين دورات الامتصاص والإصدار، تتراكم دفعات الامتصاص الموجّهة (التي تبطّئ دائماً)، بينما تتعادل دفعات الإصدار العشوائية في المتوسط إلى صفر.
النتيجة؟ ذرّة كانت تندفع بمئات الأمتار في الثانية، تصبح تزحف بأجزاء من السنتيمتر في الثانية. ذرّة «ساخنة» صاخبة الحركة، تتحول إلى ذرّة «متجمدة» شبه ساكنة.
تأمل المفارقة الجميلة: أكثر الأشياء حرارة في كوننا — الضوء الخارج من فرن نووي — أصبح أبرد أداة تبريد عرفها الإنسان. النار التي تضيء، صارت الثلج الذي يجمّد الحركة نفسها.
هذه التقنية منحت ستيفن تشو وكلود كوهين تانوجي وويليام فيليبس جائزة نوبل في الفيزياء عام 1997. وكلها — من أولها إلى آخرها — تقوم على حقيقة واحدة: كل حدث امتصاص يسلّم زخم فوتون واحد للذرّة. الفوتون يركل، والذرّة تتباطأ. كررها ملايين المرات في الثانية، وستوقف العالم الذرّي عن الصراخ.
والذرّات فائقة البرودة هذه ليست لعبة مختبرية؛ إنها قلب الساعات الذرية الأدق في التاريخ، وأساس تجارب الحوسبة الكمّية، وأداة اختبار الفيزياء الأساسية. كل هذا لأن الفوتون — ذلك الذي لا كتلة له — يملك ركلة.
أصابع لا تلمس: الملاقط البصرية
لكن لماذا نكتفي بإبطاء الجسيمات؟ ماذا لو استطعنا إمساكها؟
تخيّل ملقطاً يمسك خلية حية دون أن يلمسها. أصابع تجعلها من ضوء، فتثبتها في مكانها وسط سائل، وتحرّكها حيث تشاء، وتسحب منها خيط DNA لتقيس قوة شدّه. هذا ليس خيالاً؛ هذا اختراع حقيقي اسمه الملقط البصري، رائده الفيزيائي الأمريكي آرثر آشكين، بدءاً من عام 1986.
المبدأ دقيق وأنيق: حين تمرّ حزمة ليزر مركّزة بإحكام عبر جسم شفاف ضئيل — خرزة زجاجية، خلية، عضية داخل خلية — تنكسر فوتونات الحزمة أثناء عبورها؛ أي تغيّر اتجاهها.
وحين يغيّر الفوتون اتجاهه، يتغيّر زخمه. وحفظ الزخم يفرض أن يستقبل الجسم تغيّراً مساوياً ومعاكساً في الزخم.
النتيجة؟ إن انحرف الجسم قليلاً عن مركز بؤرة الحزمة، خلقت الفوتونات المنكسرة قوة محصلة تعيده إلى المركز. تحرّك يساراً؟ يدفعك الزخم يميناً. انجرفت للأعلى؟ يعيدك للأسفل. الحزمة المركّزة تصنع فخاً ثلاثي الأبعاد من لا شيء سوى الضوء؛ قفصاً من زخم الفوتونات يمسك الجسم عند البؤرة كما يمسك الملقط حبة سمسم.
القوى هنا تُقاس بالبيكونيوتن — أجزاء من التريليون من النيوتن. قوة لا تعني شيئاً لأي جسم تراه عينك. لكن لخلية حية، لجزيء DNA واحد، لمحرك جزيئي يمشي داخل الخلية — هذه القوى عالم كامل.
بهذه الملاقط، يدرس الباحثون كيف تطوي البروتينات نفسها، وكيف تمشي الآلات الجزيئية على الخيوط الداخلية للخلية، وكيف يلتصق فيروس بسطح خلية. يلتقطون بكتيريا واحدة وينقلونها لموقع محدد. يمسكون خليتين جنباً إلى جنب ويراقبان حوارهما. يشدّون جزيئاً ويقيسون بالضبط القوة اللازمة لفكّ طيّته.
كل هذا بأصابع من ضوء. دون أن يلمس الجسيمَ أيُّ شيء مادي، أبداً.
نال آشكين جائزة نوبل في الفيزياء عام 2018 عن هذا الإنجاز. وكان عمره يومها ستة وتسعين عاماً، فصار أكبر حائز على نوبل في الفيزياء سناً. رجل أمضى عقوداً كاملة يعلّم الضوء كيف يمسك الأشياء، حتى أمسك هو نفسه بالجائزة في آخر عمره.
شراع لا يحتاج رياحاً: الإبحار على ضوء الشمس
والآن، دعنا نغادر المختبر إلى الفضاء.
الشراع الشمسي مركبة فضائية تدفعها كلياً ركلةُ ضوء الشمس. الفكرة: تنشر صحيفة كبيرة رقيقة عالية الانعكاس في الفضاء، وتوجّهها نحو الشمس. الفوتونات تصطدم بالسطح وترتدّ.
وهنا التفصيل الحاسم الذي تعلّمناه من حكاية كروكس: حين يُمتص الفوتون، يسلّم زخمه مرة واحدة. لكن حين ينعكس، يغيّر اتجاهه بالكامل، فيكون التغيّر في زخمه ضعف القيمة — وتستقبل المرآة ضعف الدفع. لذلك الأشرعة العاكسة تحصل على ركلة مزدوجة.
القوة؟ ضئيلة كما نعرف: نحو تسعة ميكرونيوتن لكل متر مربع قرب مدار الأرض. أقل من وزن بعوضة.
لكن في الفضاء، حيث لا هواء يقاوم ولا احتكاك يوقف، القوة الضئيلة المستمرة تعني تسارعاً لا يتوقف أبداً. الشراع الشمسي لا يحمل وقوداً، لا يحرق شيئاً، لا ينفث شيئاً. يركب زخم ضوء الشمس ويتسارع ببطء وصبر لا يعرفان الملل. عبر الأسابيع والشهور تتراكم السرعة، وبما أن الدفع لا ينقطع، فلا حدّ نظرياً لما يمكن أن يبلغه الشراع ما دام قريباً من مصدر ضوء.
في عام 2010، أطلقت وكالة الفضاء اليابانية مركبة إيكاروس: أول برهان ناجح للدفع بالشراع الشمسي في الفضاء بين الكوكبي. نشرت شراعاً عاكساً رقيقاً قطره نحو أربعة عشر متراً، واستخدمت ضغط ضوء الشمس لتعديل مسارها في طريقها إلى الزهرة. نجحت. تسارعت المركبة بقياس حقيقي تحت دفع الفوتونات وحدها: لا محركات تشتعل، لا وقود يُستهلك، فقط ضوء شمس يضغط على ورقة لامعة.
وفي 2019، أطلقت جمعية الكواكب لايت سايل 2، قمراً صغيراً رفع مداره حول الأرض بشراع شمسي — مدفوعاً بضوء الشمس كلياً، مرة أخرى.
كانت هذه عروضاً صغيرة لإثبات المبدأ. لكنها أثبتت ما أثبتته معادلات ماكسويل وليبيديف: زخم الفوتونات آلية دفع حقيقية لمركبات حقيقية.
إلى أقرب نجم: الحلم الأكبر
ثم جاء الحلم الذي يأخذ المبدأ إلى أقصى حدوده: مبادرة بريكثرو ستارشوت، المعلنة عام 2016.
الفكرة: لماذا ننتظر ضوء الشمس المتناثر الذي يضعف مع البعد؟ لنبنِ على الأرض مصفوفة ليزر هائلة، ونركّز حزمتها الجبارة على شراع صغير جداً وخفيف جداً.
المركبة ستكون رقاقة بوزن غرام واحد تقريباً، معلّقة على شراع عرضه بضعة أمتار. تطلق المصفوفة — بقوة نحو مئة غيغاواط، أي ما يعادل إنتاج مئة محطة نووية — لعدة دقائق، مسلّمةً سيلاً من الفوتونات إلى الشراع. كل فوتون يسلّم ركلته الضئيلة؛ تريليونات فوق تريليونات الركلات تتراكم إلى دفع هائل.
تتسارع المركبة إلى نحو ستين ألف كيلومتر في الثانية — خمسٌ وعشرون مرة أسرع من أي مركبة أطلقها الإنسان — ثم تنزلق نحو بروكسيما سنتوري، أقرب نجم إلى شمسنا، لتصل في نحو عشرين سنة فقط.
التحديات الهندسية مروّعة: شراع يجب ألا ينصهر تحت ذلك الفيض، ورقاقة يجب أن تحمل كاميرا ونظام اتصال وذكاءً يكفي للملاحة وحيدةً لعقدين في فراغ بين نجمي، حيث حتى حبة غبار تصطدم بها بتلك السرعة تطلق طاقة قنبلة.
قد تكون هذه التحديات فوق قدرتنا الحالية. لكن الفيزياء سليمة. زخم الفوتونات، المطبَّق بمقياس كافٍ، يستطيع قذف جسم إلى خُمس سرعة الضوء. الحلم كبير، لكن الركلة التي يبني عليها صغيرة ومعروفة ومقاسة منذ 1923.
معادلة واحدة، وأربعون مرتبة مقدارية
توقّف لحظة وتأمل المشهد الكامل:
نفس الزخم الذي قاسه كومبتون عام 1923 وهو يرى فوتون أشعة سينية يرتدّ عن إلكترون في مختبره…
هو نفس الزخم الذي يبطّئ ذرّة في ثلاجة ليزر إلى شبه سكون…
هو نفس الزخم الذي يمسك خلية حية بأصابع غير مرئية…
هو نفس الزخم الذي يدفع شراعاً لامعاً عبر النظام الشمسي…
وهو نفس الزخم الذي قد يحمل يوماً رقاقة بوزن غرام إلى نجم آخر.
الفيزياء لا تتغيّر. المعادلة لا تتغيّر: الزخم يساوي ثابت بلانك مقسوماً على الطول الموجي. تعمل لأشعة غاما ولموجات الراديو. تعمل على طاولة مختبر وعبر سنوات ضوئية من الفراغ. تعمل لفوتون واحد يركل إلكتروناً واحداً، ولتريليونات الفوتونات تضغط على شراع بحجم ملعب.
هذه هي القوة الحقيقية للفيزياء: علاقة واحدة، مشتقة من لقاء النسبية الخاصة بميكانيكا الكم، تفسّر ظواهر تمتد عبر أربعين مرتبة مقدارية من المقاييس.
وفي الحلقة القادمة، سنرى أن هذا الزخم الضئيل لا يشتغل فقط في المختبرات والمركبات؛ إنه يشتغل في أضخم مسارح الوجود: داخل قلوب النجوم العملاقة، وفي السدم التي تولد فيها الشموس، وفي الفجر الأول للكون حين كان الضوء نفسه هو السيّد الذي يمسك كل شيء.
(إعداد القسم العلمي في الموقع)