واقعية سوريا الضرورية
تمرّ سوريا اليوم بواحدة من أكثر مراحلها حساسية وتعقيدًا، حيث تتشابك الأزمات السياسية مع التحديات الاقتصادية والاجتماعية، في ظل واقع داخلي مضطرب وتوازنات خارجية دقيقة. وفي قلب هذا المشهد، تبرز الحاجة الملحّة إلى الواقعية كمدخل أساسي لتفادي مزيد من التدهور والانزلاق نحو أزمات أعمق.
على المستوى الداخلي، تبدو ممارسات السلطة انعكاسًا واضحًا لاضطراب في الأداء وغياب رؤية متكاملة لإدارة الدولة والمجتمع. فبدلًا من بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع تعقيدات الواقع، يجري التركيز على تنفيذ أجندة فكرية محددة، تقوم على ما يُعرف بـ”سياسة التمكين”. هذه السياسة، كما تُفهم في بعض أدبيات الإسلام السياسي، تقوم على فكرة إخضاع المجتمع والدولة بالقوة، وكأنهما نتيجة حسم عسكري يتيح فرض قواعد المنتصر، وفق معادلة مبسطة: من يحرر يقرر، ومن يحكم يُطاع.
غير أن هذه المقاربة تختزل المجتمع إلى بنية جامدة، وتتجاهل الطبيعة المركبة للواقع السوري. فهي تقوم على قدر كبير من التبسيط، وتتجاوز محددات الواقع السياسية والاجتماعية والاقتصادية، والتي سرعان ما تفرض نفسها بقوة، وتعيد التوازن وفق قوانينها الموضوعية. ومن هنا، فإن الاستمرار في هذا النهج لا يؤدي إلا إلى تعميق الفجوة بين السلطة والمجتمع.
لقد جاءت القرارات المتخذة—سواء على الصعيد الاقتصادي أو الاجتماعي، أو حتى في تجاوز صلاحيات السلطات الانتقالية—منسجمة مع هذه الرؤية، لكنها في المقابل ساهمت في خلق حالة من التذمر بدأت ملامحها بالظهور. ومع استمرار هذا النهج، من المرجح أن تتصاعد هذه الحالة، خاصة في ظل الضغوط المعيشية المتزايدة وغياب أفق واضح للإصلاح.
في المقابل، لا يمكن إغفال أن هذه السلطة لم تأتِ بمعزل عن سياق إقليمي ودولي، بل جاءت نتيجة تفاهمات وتنسيقات تمنحها نوعًا من الغطاء السياسي، وتوفر لها هامشًا زمنيًا لتعزيز حضورها. هذا العامل يمنحها شعورًا بالاطمئنان من الخارج، لكنه لا يلغي التحديات العميقة في الداخل.
وعند النظر إلى الواقع الداخلي، يتضح أن هذه السلطة تمثل أمرًا واقعًا في المرحلة الراهنة، في ظل غياب بدائل سياسية فاعلة، وضعف البنية الأمنية خارج إطارها. وهذا ما يجعل وجودها، رغم كل الإشكاليات، مرتبطًا بالحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار ومنع الانفلات.
لكن هذا الواقع لا ينبغي أن يكون مبررًا للاستمرار في النهج ذاته. ما تحتاجه سوريا اليوم هو تحوّل حقيقي نحو الواقعية: أن تعترف السلطة بتعقيدات المشهد السوري، وأن تدرك أن مشروعها لا يمكن أن ينجح إلا إذا كان مشروعًا مؤسسيًا، منسجمًا مع مفهوم الدولة الحديثة، لا قائمًا على فرضيات أيديولوجية مغلقة. كما يتطلب ذلك تبني سياسات هادئة ومتدرجة، تعالج مطالب المجتمع برؤية بعيدة المدى، لا بردود أفعال آنية.
وفي المقابل، تقع على عاتق المجتمع مسؤولية موازية. فالواقعية لا تعني فقط مطالبة السلطة بالتغيير، بل أيضًا إدراك حدود المرحلة، وعدم القفز فوق الضرورات التي فرضت وجود هذه السلطة. وهذا يستدعي التركيز على المطالب المعيشية والخدمية، مع التمسك بالحقوق الأساسية، وعلى رأسها الحرية الشخصية، دون الانجرار إلى صدامات غير محسوبة.
إن الخروج من دوامة الصراعات المتكررة يتطلب تلاقيًا بين سلطة أكثر واقعية، ومجتمع أكثر وعيًا. فالإدارة المؤسسية، المبنية على أسس الدولة الحديثة، هي السبيل الوحيد لتجنيب البلاد مزيدًا من الاستنزاف، ولحمايتها من الاستغلال الخارجي.
يبقى الأمل قائمًا، رغم كل التحديات، في إمكانية التعلم من أخطاء الماضي. فالتجارب أثبتت أن سياسات السيطرة القسرية لا تنتج استقرارًا دائمًا، بل تؤسس لانفجارات مؤجلة. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل يمكن لسوريا أن تختار هذه المرة طريق الواقعية قبل فوات الأوان؟
الأمل بذلك ليس ترفًا، بل ضرورة.
(راي الموقع)