لماذا يقع المثقف في فخ الطائفية ؟
المأساة الفكرية والسياسية في منطقتنا. هي انزلاق “المثقف” (الذي يُفترض أنه حامل لراية التنوير والقيم الكونية) في فخ الطائفية، وتنكره لأبسط المبادئ الإنسانية، ليس مجرد “تخلف” أو “جهل”، بل هو ظاهرة معقدة تخضع لآليات نفسية، سوسيولوجية، واقتصادية دقيقة.
في مجتمعات “ما قبل المواطنة” و”ما قبل الدولة المدنية” (حيث تغيب المؤسسات المحايدة ويحضر الولاء الدموي)، لا يقع المثقف في الطائفية عن “غباوة”، بل يقع فيها عن “عقلانية أداتية” و“دفاع وجودي”.
ولتفكيك هذه الظاهرة بناءً على المدارس الحديثة في التحليل النفسي، الاجتماعي، والاقتصادي:
أولاً: التحليل النفسي: “نرجسية الاختلافات الطفيفة” وهروباً من القلق الوجودي
لماذا يجد المثقف راحة نفسية في الطائفية؟
- نرجسية الاختلافات الطفيفة (Narcissism of Minor Differences):
أشار سيغموند فرويد إلى أن المجتمعات المتجاورة أو المتشابهة جداً تميل إلى المبالغة في التركيز على “الاختلافات الطفيفة” بينها لتبرير العداء والحفاظ على هويتها. المثقف، بقدرته البلاغية والفكرية، يكون الأفضل في “تضخيم” هذه الفروق الصغيرة وتحويلها إلى هوة سحيقة (تاريخية، لاهوتية، ثقافية) ليشعر بتميز جماعته. - نظرية إدارة الرعب (Terror Management Theory – TMT):
في مجتمعات “ما قبل الدولة”، يكون العنف والفوضى حاضرين دائماً. هذا يولد “قلقاً وجودياً” (Existential Anxiety) من الموت والعبث. الطائفة هنا لا تقدم مجرد انتماء، بل تقدم “خلوداً رمزياً” وسردية تاريخية تجعل الفرد يشعر أنه جزء من شيء خالد. المثقف ينزلق للطائفية لأنها توفر له “درعاً نفسياً” يحميه من رعب الفراغ والفوضى المحيطة. - التنافر المعرفي (Cognitive Dissonance) والتبرير:
عندما يرتكب “الجماعة” (الطائفة) فظائع، يواجه المثقف تنافراً معرفياً: كيف لجماعتي أن تفعل هذا وأنا أحمل قيماً إنسانية؟ الحل النفسي الأسهل ليس إدانة الجماعة (مما يعني النبذ والعزلة)، بل توظيف intellect (الفكر) لتبرير الجريمة. المثقف لا يكذب، بل يعيد صياغة الواقع (Rationalization) ليصبح القتل “دفاعاً عن النفس”، والنهب “استرداداً للحقوق”.
ثانياً: التحليل السوسيولوجي: هل هي “ثقافة زائفة” أم “جاذب قوي للانتماء”؟
الإجابة السوسيولوجية الحاسمة هي: الطائفية في مجتمعات ما قبل الدولة هي “جاذب قوي للانتماء” (Strong Attractor) يتم توظيفه لإنتاج “ثقافة زائفة” (False Culture).
- العصبية الخلدونية كملاذ أخير:
في غياب “الدولة” التي تحتكر العنف وتحمي المواطن عبر القانون، يعود المجتمع إلى حالة “العصبية” (بتعبير ابن خلدون). الطائفة هنا ليست مجرد “معتقد ديني”، بل هي شبكة أمان اجتماعي وسياسي. المثقف يدرك سوسيولوجياً أنه إذا تجرد من طائفيته، فإنه سيصبح “عُرياناً” في غابة لا تحميها مؤسسات. الطائفية هي “الثياب” الوحيدة التي تمنعه من التهميش. - اختراع التقاليد (Invention of Tradition – إريك هوبسباوم):
هنا تبرز “الثقافة الزائفة”. الطائفية الحديثة ليست امتداداً طبيعياً للتاريخ، بل هي “اختراع حديث” يتم تغليفه بلبوس التاريخ والقداسة. المثقف هو “المهندس” الذي يصنع هذه الثقافة الزائفة؛ فهو من ينبش في التراث ليخرج بنصوص هامشية، يعيد قراءتها خارج سياقها، ليصنع سردية تضحية ومظلومية دائمة لجماعته. الثقافة الزائفة ضرورية لأنها تعطي “شرعية أخلاقية” للصراع على السلطة والموارد. - نظرية الهوية الاجتماعية (Social Identity Theory – هنري تاجفيل):
الفرد يستمد تقديره الذاتي (Self-esteem) من انتمائه للمجموعة. في مجتمعات ما قبل المواطنة، حيث يغيب “الإنجاز الفردي” وتغيب “المواطنة الفاعلة”، تصبح الهوية الطائفية هي المصدر الأسرع والأرخص لـ “الفخر” و”الاعتزاز”. المثقف يدافع عن طائفته بضراوة لأن أي مساس بها هو مساس مباشرة بـ “الأنا” (Ego) الخاصة به.
ثالثاً: التحليل الاقتصادي: الاقتصاد السياسي للطائفية (لماذا يدفع الانتماء؟)
هنا تكمن الإجابة الأكثر قسرية وواقعية. المثقف ليس كائناً ملائكياً يعيش في برج عاجي، بل هو كائن اقتصادي يحتاج إلى الموارد، النشر، التأثير، والحماية.
- اقتصاد الريع والزبائنية (Clientelism):
في دول ما قبل المواطنة، لا تُوزع الموارد (الوظائف، المنح، التمويل، المناصب) بناءً على الكفاءة أو المواطنة، بل عبر شبكات المحسوبية الطائفية. المثقف الذي يرفض الطائفية يجد نفسه محروماً من الوصول إلى “سوق العمل الثقافي والسياسي”. الطائفة هنا هي “النقابة” و”البنك” و”الناشر”. - الطائفية كـ “رأس مال اجتماعي” (Social Capital – بيير بورديو):
في غياب رأس المال المؤسسي، يتحول الانتماء الطائفي إلى “رأس مال” يمكن تحويله إلى مكاسب مادية وسياسية. المثقف الذي يتنكر لطائفته يخسر رأس ماله الاجتماعي الوحيد، بينما المثقف الطائفي يحظى بتمويل من “رجال أعمال” من نفس الطائفة، وبدعم إعلامي، وبحماية أمنية. - لعبة المحصل الصفري (Zero-Sum Game):
في الاقتصاديات الهشة، يُنظر إلى الموارد على أنها محدودة. نجاح “الآخر” (الطائفة الأخرى) يُترجم نفسياً واقتصادياً على أنه “خسارة” لجماعتي. المثقف يتبنى هذا الخطاب لأنه يضمن له حصته من الكعكة عبر التخويف من “الآخر”.
رابعاً: المدارس الحديثة: “خيانة المثقفين” و”العقلانية الأداتية”
كيف تفسر المدارس النقدية الحديثة (ما بعد الكولونيالية، والنقد الماركسي الجديد) هذه الظاهرة؟
- خيانة المثقفين (La Trahison des Clercs – جوليان باندا):
في كتابه الشهير، يشرح باندا كيف أن وظيفة المثقف الحقيقية هي الدفاع عن “الحقائق الكونية” (العدالة، الحق، الإنسانية). لكن في أوقات الأزمات، يخون المثقفون هذه المهمة ويصبحون “دعاة قبليين” (Tribal propagandists). المثقف العربي/الشرق أوسطي غالباً ما يتحول من “مفكر نقدي” إلى “محامٍ دفاع عن جماعته”، لأنه يدرك أن الجماهير في مجتمعات ما قبل الدولة لا تستهلك “الأفكار الكونية”، بل تستهلك “العواطف القبلية”. - المثقف العضوي (أنطونيو غرامشي) في خدمة الطائفة:
غرامشي تحدث عن “المثقف العضوي” الذي يخدم طبقته. في غياب الطبقات الاجتماعية الواضحة في مجتمعاتنا (بسبب تداخل الريعية والقبلية)، يحل “المثقف العضوي الطائفي” محله. هذا المثقف لا يؤمن بالضرورة بالخرافات الطائفية في قرارة نفسه، لكنه يستخدمها كـ “أداة” (Instrumentalism) لتعبئة القطيع، وتبرير هيمنة النخب الطائفية التي تموله وتحميه. - التفكيكية والخطاب (ميشيل فوكو):
المثقف يدرك أن “الحقيقة” في مجتمعاتنا ليست شيئاً موضوعياً، بل هي “نتاج للسلطة”. وبما أن السلطة الحقيقية على الأرض هي “السلطة الطائفية/الميليشياوية”، فإن المثقف يحاذي خطابه مع سلطة القوة، لا مع سلطة الحق.
الخلاصة: لماذا هو “فخ” سهل الوقوع فيه؟
المثقف في مجتمعات ما قبل المواطنة يواجه خياراً وجودياً قاسياً:
- الخيار الأول: أن يكون “مواطناً كونياً”. النتيجة: عزلة تامة، تجريف اقتصادي، اتهام بالخيانة من الجميع، وفقدان شبكة الأمان في لحظة الخطر.
- الخيار الثاني: أن يكون “مثقفاً طائفياً”. النتيجة: احتضان جماهيري، دعم مادي، شعور بالانتماء، وحماية من “القطيع”.
الطائفية ليست “ثقافة زائفة” فحسب، بل هي “عقد تأمين” (Insurance Policy) في مجتمع لا دولة فيه.
المثقف ينزلق في هذا الفخ لأنه يمتلك “الأدوات اللغوية والفكرية” التي تسمح له بتجميل هذا الانزلاق. هو لا ينكر المبادئ الإنسانية لأنه يكرهها، بل لأنه يعيد تعريفها لتتوافق مع مصلحة جماعته (مثلاً: “العدالة” تعني انتصار طائفتي، و”الحرية” تع هيمنة جماعتي).
كيف يُكسر هذا الفخ؟
لا يُكسر هذا الفخ بـ “الوعظ الأخلاقي” أو بـ “دعوات التنوير المجردة”، بل يُكسر فقط بـ بناء الدولة المدنية والمواطنة. عندما تصبح “المواطنة” هي الجاذب الأقوى للانتماء، وعندما تصبح “الدولة” هي شبكة الأمان الاجتماعي والاقتصادي الوحيدة، سيفقد المثقف “الحافز الاقتصادي والنفسي” للطائفية، وسيعود تدريجياً إلى دوره الطبيعي كحامل للقيم الكونية. قبل ذلك، ستبقى الطائفية هي “العقلانية الوحيدة” المتاحة في عالم غير عقلاني.