اضطراب في تيارات الأطلسي قد يغيّر مناخ العالم
تواجه المملكة المتحدة وفرنسا وإسبانيا وألمانيا ودول أخرى موجة حر غير مسبوقة بفعل ظاهرة “القبة الحرارية”، وسط تحذيرات رسمية من مخاطر تهدد الحياة، وإجراءات استثنائية شملت إغلاق مدارس وتعطيل خدمات النقل في عدد من المناطق.
ولمعرفة أسباب هذه الظاهرة كشف تحليل جديد عن “بقعة باردة” في المحيط الأطلسي ناجمة عن ضعف نظام التيارات المحيطية الذي يُرجّح أنه يقترب من نقطة تحول حاسمة.
يشهد جزء من المحيط الأطلسي، جنوب غرينلاند وأيسلندا مباشرةً، انخفاضًا في درجة حرارته بينما ترتفع درجة حرارة بقية أنحاء العالم. تُعرف هذه البقعة الغامضة غالبًا باسم “البقعة الباردة”، وقد سعى العلماء جاهدين لفهم الآليات الكامنة وراء تبريدها. فبينما عزت بعض الدراسات السبب إلى زيادة فقدان الحرارة من سطح البحر، تشير دراسات أخرى إلى أن ضعف التيارات البحرية يُقلل من كمية الحرارة التي تصل إلى المنطقة. والآن، تُقدم دراسة جديدة، نُشرت في مجلة “Geophysical Research Letters”، دعمًا إضافيًا للرأي الأخير، وذلك باستخدام بيانات إعادة التحليل المستندة إلى رصدات جوية مباشرة بدلًا من الاعتماد على النمذجة فقط.
التيار المداري الأطلسي (AMOC) هو نظام من التيارات المحيطية يعمل كـ”حزام ناقل” على كوكب الأرض، حيث ينقل المياه السطحية الدافئة من المناطق الاستوائية شمالًا والمياه الباردة الكثيفة جنوبًا. ويلعب هذا الدوران المحيطي دورًا هامًا في تنظيم مناخ الأرض وإعادة توزيع الحرارة. وقد ربطت العديد من الدراسات السابقة البقعة الباردة في المحيط الأطلسي بدوران الانقلاب المداري الأطلسي (AMOC)، مشيرةً إلى أن ضعف هذا النظام قد يُقلل من كمية المياه الدافئة التي تصل إلى المنطقة.

التيار المداري الأطلسي
يقول مؤلفو الدراسة الجديدة إن هذا الأمر منطقي، إذ تُعدّ منطقة “البقعة الباردة” هي المنطقة التي ينقل فيها تيار المحيط الأطلسي (AMOC) حرارته إلى الغلاف الجوي. ويشيرون إلى أن دراسات أخرى استخدمت تغيرات ملوحة سطح البحر المرصودة وبيانات المناخ القديم غير المباشرة للإشارة إلى أن تيار المحيط الأطلسي (AMOC) قد تباطأ منذ ما قبل الثورة الصناعية.
كتب مؤلفو الدراسة: “قد يكون لمزيد من الضعف في دوران المحيط الأطلسي (AMOC) تداعيات خطيرة على المناخ لآلاف السنين، نظرًا لأن هذا الدوران معروف بوجود نقطة تحول بعد تجاوزها يُرجح أن يتوقف”.
مع ذلك، يعتقد البعض أن البقعة الباردة ناتجة عن فقدان الحرارة السطحية وتأثيرات الغلاف الجوي، لكن النماذج والمؤشرات لم تتوصل إلى إجماع.
ليست مشكلة سطحية فحسب
قرر فريق البحث دعم النمذجة ببيانات رصدية لمحاولة حسم الجدل. استخدموا بيانات إعادة تحليل قائمة على الرصد لمحتوى حرارة المحيط وتدفقات السطح، بما في ذلك قياسات الأقمار الصناعية ودرجة الحرارة، ودمجوا ذلك مع نماذج المناخ. كما أجروا تحليلًا لميزانية الحرارة، والذي حدد كميًا التوازن بين الحرارة الواردة والصادرة في منطقة البقعة الباردة. تعود بيانات إعادة التحليل عالية الجودة إلى عام 1955، بينما تعود بيانات الأقمار الصناعية إلى عام 1993، مما مكّن الفريق من تحديد التغيرات على مدى عقود عديدة.
وأشارت نتائجهم إلى أن التبريد في “البقعة الباردة” ظاهرةٌ تحدث في أعماق المحيط، مدفوعة بتغيرات في نقل الحرارة المحيطية، وليس فقط بتغيرات درجة حرارة السطح. وأظهرت البيانات انخفاضًا فعليًا في فقدان الحرارة السطحية في منطقة البقعة الباردة، مما يناقض فكرة أن زيادة التبريد السطحي هي السبب.
ويكتب الفريق: “لتفسير اتجاه التبريد في منطقة البقعة الباردة بفقدان الحرارة السطحية في حين أن دوران المحيط الأطلسي (AMOC) مستقر، يجب أن يزداد هذا الفقدان الحراري ليتفوق على إمداد دوران المحيط الأطلسي بالحرارة. ويُلاحظ عكس ذلك في بيانات ERA5: فقد انخفض فقدان الحرارة السطحية بالفعل (بشكل ملحوظ منذ عام 1993، وبشكل طفيف منذ عام 1955) فوق البقعة الباردة. وهذا متوقع عندما يُزوّد دوران المحيط الأطلسي المنطقة بكمية أقل من الحرارة، وبالتالي تُطلق كمية أقل منها في الغلاف الجوي.”
نقطة تحول وشيكة
وفقًا للعديد من نماذج المناخ، قد يكون لمزيد من الضعف في هذا النظام التيار الحيوي آثارٌ بعيدة المدى على الطقس ومستوى سطح البحر والنظم البيئية. ويحث الباحثون صانعي السياسات على التفكير في استراتيجيات إدارة المخاطر للحد من تأثير نقطة التحول التي قد تنجم عن دوران المحيط الأطلسي.
ويكتبون: “بالنظر إلى وجود نقطة تحول راسخة في دوران المحيط الأطلسي، فضلًا عن الدراسات الحديثة التي وجدت مجموعة من “إشارات الإنذار المبكر” المختلفة التي تشير إلى اقتراب دوران المحيط من هذه النقطة، فإن الأدلة القوية على ضعف دوران المحيط الأطلسي تُعدّ دليلًا قاطعًا على ذلك.”
بقلم كريستال كاسال، Phys.org