البومرانج السوري(2)
إذا كان المثقف الموالي للسلطة الانتقالية يرى في كل أزمة دليلاً على صعوبة المرحلة وضرورة الصبر، فإن المثقف المعارض يقع غالباً في الخطأ المعاكس تماماً؛ إذ يرى في كل أزمة دليلاً على قرب الانهيار.
وفي الحالتين لا يعود الواقع هو ما يحكم الأحكام، بل تتحول الأحكام المسبقة إلى عدسة يُعاد من خلالها تفسير الواقع.
ولعلّ نموذج الدكتور كمال اللبواني يمثل هذا الاتجاه بوضوح. فمنذ أشهر طويلة تكاد لا تمر أزمة أو خلاف أو تعثر إداري أو مشكلة اقتصادية إلا ويُقدَّم بوصفه مؤشراً على النهاية الوشيكة للسلطة الانتقالية، حتى أصبح سقوط السلطة أقرب إلى موعد شهري متجدد منه إلى تحليل سياسي قابل للاختبار.
المغالطة الأولى: تحويل الرغبة إلى توقع
يبدأ هذا النمط من التفكير من نقطة بسيطة وخطيرة في الوقت نفسه.
فالمعارض يتمنى سقوط السلطة.
وهذا حقه السياسي الكامل.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الأمنية إلى توقع، ثم يتحول التوقع إلى يقين.
عندها يصبح كل حدث مهما كان صغيراً دليلاً على صحة النبوءة.
خلاف داخل مؤسسة؟
النظام ينهار.
أزمة اقتصادية؟
النهاية اقتربت.
احتجاج محدود؟
السقوط بات وشيكاً.
وهكذا لا يعود التحليل بحثاً عن الحقيقة، بل بحثاً عن الأدلة التي تؤكد النتيجة المقررة مسبقاً.
المغالطة الثانية: قراءة السياسة بمنطق الزلزال
يبدو هذا الخطاب وكأنه يفترض أن الأنظمة السياسية تسقط بالطريقة نفسها التي تسقط بها الأبنية أثناء الزلازل.
ضربة واحدة، ثم انهيار كامل.
لكن التاريخ السياسي يقول العكس تماماً.
فمعظم الأنظمة لا تسقط بسبب أزمة واحدة، بل تستمر رغم عشرات الأزمات.
بل إن بعض السلطات تخرج أحياناً من الأزمات أقوى مما كانت عليه.
إن عدم الإلمام بالقانونين المتحكمين بالعملية وهما الجدل الداخلي وجدل الداخل مع الخارج , هو ما يسبب هذا الالتباس.
فقد استمر نظام بشار الأسد 13 سنة كاملة بعد الاحتجاجات,رغم كل ما ارتكب من تدمير وتخريب ,ورغم خروج غالبية الشعب السوري ضدة ,وحين قرر الخارج أنه عجز عن الابتعاد عن ايران, قرر اسقاطة خلال عشرة أيام.
ولهذا فإن وجود المشكلات لا يكفي للاستنتاج بأن الانهيار قادم.
وإلا لكان معظم حكام العالم قد سقطوا عشرات المرات.
المغالطة الثالثة: الانتقاء المتحيز للوقائع
كما ينتقي المثقف الموالي الأخبار الجيدة، ينتقي المثقف المعارض الأخبار السيئة.
فإذا تحسنت العلاقات الخارجية تجاهلها.
وإذا استمرت مؤسسات الدولة في العمل قلل من أهميتها.
وإذا تراجع خطر أمني أو سياسي اعتبره تفصيلاً عابراً.
لكن أي حادثة سلبية مهما كانت صغيرة تتحول فوراً إلى عنوان عريض.
والنتيجة صورة مشوهة للواقع لا تختلف كثيراً عن الصورة الوردية التي ينتجها الموالون.
الفرق الوحيد أن أحدهما يستخدم نظارة وردية، بينما يستخدم الآخر نظارة سوداء.
المغالطة الرابعة: الخلط بين الأزمة والانهيار
كل دولة تمر بأزمات.
وكل سلطة ترتكب أخطاء.
لكن ليس كل خطأ مقدمة للسقوط.
وليس كل أزمة إعلاناً عن النهاية.
فالسياسة ليست رواية بوليسية نبحث فيها عن الفصل الأخير.
إنها عملية معقدة تتداخل فيها عناصر القوة والضعف والنجاح والفشل في الوقت نفسه.
لكن الخطاب التبشيري بالسقوط يحتاج دائماً إلى تبسيط الصورة.
ولهذا يختزل الواقع كله في سؤال واحد:
هل سقطت السلطة أم لم تسقط بعد؟
المغالطة الخامسة: النبوءة التي لا تخطئ أبداً
الميزة الغريبة لهذا الخطاب أنه لا يعترف بالخطأ.
فعندما لا تسقط السلطة هذا الشهر، يصبح السقوط مؤجلاً للشهر القادم.
وعندما لا يحدث الانهيار المتوقع، يصبح التأخير نفسه دليلاً جديداً على أن الانهيار قادم.
وهكذا تتحول النبوءة إلى عقيدة لا يمكن دحضها.
فهي صحيحة إن تحقق الحدث.
وصحيحة أيضاً إن لم يتحقق.
وهذه ليست طريقة للتفكير السياسي، بل طريقة للهروب من اختبار الواقع.
المغالطة السادسة: تحويل السياسة إلى انتظار
مع مرور الوقت يصبح صاحب هذا الخطاب أقل اهتماماً بفهم ما يجري وأكثر اهتماماً بانتظار لحظة الانهيار.
فتتراجع الأسئلة المهمة:
كيف تُبنى المؤسسات؟
كيف تُصحح الأخطاء؟
كيف تُدار التناقضات الاجتماعية؟
كيف يمكن توسيع المجال العام؟
ويحل محلها سؤال واحد:
متى تسقط السلطة؟
وهكذا يتحول المثقف من محلل للواقع إلى مراقب لساعة متوقفة ينتظر أن تعلن الموعد الذي وعدت به منذ سنوات.
ومع ذلك يبقى د.اللبواني حكواتيا ظريفا , ولديه عدّة نظرية لا بأس بها وإن كان يستخدمها أحيانا بطريقة انتقائية لخدمة هدفه, وكذلك خبرة عملية تجعله مميزا عن سواه ,لولا هذه الهنات التي يقع بها بين الحين والآخر,
البومرانج المعارض
إذا كان البومرانج الذي يرميه المثقف الموالي يعود إليه عندما تتحول التبريرات إلى أزمات أكبر، فإن بومرانج المثقف المعارض يعود إليه بطريقة مختلفة.
فكل نبوءة فاشلة تستهلك جزءاً من رصيده المعرفي.
وكل موعد سقوط لا يتحقق يضعف صدقيته أمام الجمهور.
ومع الوقت يتوقف الناس عن سماع التحذيرات الجدية لأنهم اعتادوا سماع الإنذارات الكاذبة.
وهنا تقع المفارقة.
فالمثقف الذي ظن أنه يقاتل السلطة يساهم، من حيث لا يدري، في تحصينها.
إذ إن المبالغة المستمرة تجعل الوقائع الحقيقية تبدو أقل خطورة مما هي عليه.
فالسلطة تستفيد من خصوم يصرخون كل يوم: “النهاية غداً”.
كما تستفيد من مؤيدين يقولون كل يوم: “كل شيء بخير”.
وفي النهاية يلتقي الطرفان عند النقطة نفسها في خدمة أهداف السلطة ,في السيطرة وتبرير الفشل في الانتقال التدريجي المؤسسي.
أما المثقف الحقيقي فلا يعمل محامياً للسلطة ولا عرّافاً لنهايتها.
إنه يحاول أن يفهم ما يجري كما هو، لا كما يشتهي أن يكون.
وهذا بالضبط ما يجعل مهمته أصعب كثيراً من مهمة المصفق أو المبشر بالسقوط.
يتبع…
(رأي الموقع)