مغامرة العقل المستمرة(8)-شركاء الرقص الكمومي وحكاية النواة
بعد رحلتنا الملحمية مع الالكترون ,نذهب للنواة لنرى اللاعبين الآخرين في الحكاية , وما يقوله النموذج القياسي لفيزياء الجسيمات (Standard Model) عن مكوّنات الذرة:
تتألف الذرة من نواة مركزية تحيط بها سحابة من الإلكترونات. الإلكترون جسيم أولي ينتمي إلى عائلة اللبتونات (Leptons)، ولا يمتلك – حسب معرفتنا الحالية – أي بنية داخلية. أما النواة فليست كتلة واحدة، بل شراكة وثيقة بين نوعين من الجسيمات: البروتونات الموجبة الشحنة، والنيوترونات المتعادلة كهربائياً (يُسمّيان معاً النوكليونات). وكلاهما ليس جسماً أولياً، بل ينتمي إلى عائلة الهادرونات (Hadrons)، وتحديداً الباريونات (Baryons)؛ إذ يتكوّن البروتون من كواركين علويين وكوارك سفلي واحد (uud)، بينما يتكوّن النيوترون من كوارك علوي واحد وكواركين سفليين (udd). يُمسك هذه الكواركات معاً داخل كل نوكليون تبادلُ جسيمات عديمة الكتلة تُسمّى الغلونات (Gluons)، حاملةِ القوة النووية الشديدة؛ أما «الصدى» الخارجي لهذه القوة، الذي يمتد عبر النواة ليربط البروتونات والنيوترونات بعضها ببعض، فهو ما يُعرف بـالقوة النووية المتبقية. وأما ارتباط الإلكترونات بالنواة فيتم عبر القوة الكهرومغناطيسية التي ينقلها الفوتون. وهكذا، فإن كل ما نراه من مادة عادية إنما هو في النهاية رقصةٌ من الكواركات والغلونات والإلكترونات، محكومة بالقوى الأساسية — فاعلةً بثلاث منها في هذا المقياس: الشديدة والكهرومغناطيسية والضعيفة، بينما الجاذبية مهملة هنا تماماً.
والآن، لنعود بالحكاية إلى اللحظة التي انهار فيها وهم الصلابة.
الزلزال المعرفي: رذرفورد يهدم مفهوم الصلابة
الزلزال المعرفي الذي دمّر مفهوم الصلابة تماماً حدث عام 1911 على يد العالم إرنست رذرفورد وتلميذَيه هانز غايغر وإرنست مارسدن. ففي تجربتهم الشهيرة بـ«رقاقة الذهب»، قذفوا رقيقةً ذهبية رقيقة بجسيمات ألفا الثقيلة، ففوجئوا بأن الغالبية العظمى من تلك الجسيمات تعبر الرقيقة دون أي عائق، بينما جزء ضئيل جداً (نحو واحد من كل ثمانية آلاف) يرتد بزوايا حادة. لدرجة أن رذرفورد وصف ذلك لاحقاً بقوله:
«كان الأمر أشبه بأن تُطلق قذيفة مدفع عيار خمس عشرة بوصة على قطعة من المناديل الورقية، فترتد وتصيبك!»
استنتج رذرفورد استنتاجاً مذهلاً: الذرة في حقيقتها تتكوّن في معظمها العظمى من فراغ هائل. ولتفسير الارتداد، أدرك أن كل الشحنة الموجبة للذرة وتقريباً كل كتلتها يجب أن تكون مركّزة في مركز متناهٍ في الصغر أطلق عليه اسم «النواة».
لنتخيل حجم هذا الاكتشاف بتبسيط: إذا كبّرنا ذرة واحدة حتى تصبح بحجم استاد كرة قدم ضخم، فإن النواة الموجودة في المركز لن تكون أكبر من حبة رمل صغيرة موضوعة في منتصف الملعب، بينما ستكون الإلكترونات – أو بالأحرى سُحُبها الاحتمالية – بمثابة نقاط غبار مجهرية تنتشر في المدرجات الخارجية البعيدة. وما بين حبة الرمل ونقاط الغبار لا يوجد شيء على الإطلاق؛ مجرد فراغ. هذا يعني أن كل المادة التي نلمسها هي في جوهرها فضاء فارغ؛ فعندما تلمس طاولة خشبية، فإن يدك لا تلامس مادة صلبة حقيقية، بل إن المجالات الكهرومغناطيسية لإلكترونات يدك تتنافر مع مجالات إلكترونات الطاولة، وهذا التنافر هو ما يمنحك الإحساس بما نظنه صلابة.
تخيّل لو أننا أزلنا كل الفراغ الموجود داخل ذرات جميع البشر على كوكب الأرض، وجمعنا فقط النوى الكثيفة والإلكترونات، فإن البشرية جمعاء بملياراتها الثمانية يمكن – نظرياً – أن تتسع داخل حجم مكعب سكر صغير! لكن هذا المكعب الصغير سيكون ثقيلاً للغاية بكتلة تقارب نصف مليار طن، لأنه سيكون بكثافة المادة النووية.
البروتون: الوجه الأول للنواة (1919)
انتقل العلماء بعد ذلك لدراسة النواة ذاتها. ففي عام 1919، اكتشف رذرفورد أن نواة الهيدروجين جسيمٌ قائم بذاته، وبرهن على أنه مكوّن أساسي في جميع الأنوية، ثم أطلق عليه عام 1920 اسم «البروتون». لعقود تلت، ساد اعتقاد بأن البروتون هو تلك «الكرة المصمتة» التي بحث عنها ديمقريطس قديماً.
لكن سرعاناً ظهرت معضلة محيّرة: كتلة الأنوية كانت أكبر مما يمكن أن تفسّره البروتونات وحدها! فنواة الهيليوم مثلاً تحمل شحنة تعادل بروتونين، لكن كتلتها تعادل أربعة بروتونات تقريباً. ثمة «كتلة زائدة» صامتة لا تحمل أي شحنة… شيءٌ متعادل يختبئ داخل النواة. وقد تنبّه رذرفورد نفسه لذلك مبكراً، فتوقع عام 1920 وجود جسيم متعادل داخل النواة.
النيوترون: اكتشاف الشريك الخفي (1932)
حُلّ اللغز عام 1932 على يد الفيزيائي البريطاني جيمس تشادويك، الذي أثبت تجريبياً وجود جسيم ثالث: متعادل كهربائياً، وكتلته أكبر قليلاً من كتلة البروتون (نحو 939.6 MeV مقابل 938.3 MeV). إنه «النيوترون»، وقد نال تشادويك عن اكتشافه جائزة نوبل عام 1935. وبذلك اكتملت صورة النواة: عدد البروتونات يحدد هوية العنصر وموضعه في الجدول الدوري، بينما يحدد عدد النيوترونات نظيرَ ذلك العنصر (كالكربون-12 والكربون-14: ستة بروتونات في كليهما، لكن بعدد مختلف من النيوترونات).
النيوترون: البطل الصامت الذي يُمسك النواة
لماذا لا تتفكك النواة رغم تنافر بروتوناتها؟ الجواب: لولا النيوترون لتفككت فعلاً!
1) المشكلة: تنافر طويل المدى. البروتونات جميعها موجبة الشحنة، وتتنافر فيما بينها بـالقوة الكهرومغناطيسية (تنافر كولوم)، وهي قوة طويلة المدى لا تكلّ: كل بروتون في النواة ينفر كل البروتونات الأخرى أينما كانت. لو كانت هذه هي القوة الوحيدة، لما وُجدت أي نواة فيها أكثر من بروتون واحد.
2) الحل: رابطة لا ترى الشحنة. إن القوة الشديدة – القوة نفسها التي تربط الكواركات – تُسرّب «صدى» قوياً خارج البروتونات والنيوترونات يُعرف بـالقوة الشديدة المتبقية أو القوة النووية. وأجمل ما في هذه القوة أنها عمياء عن الشحنة الكهربائية: فهي تربط البروتون بالبروتون، والنيوترون بالنيوترون، والبروتون بالنيوترون بقوة متكافئة تقريباً. ولأن النيوترون لا يحمل شحنة، فإنه يضيف جذباً خالصاً دون أن يضيف أي تنافر: إنه أشبه بوسيطٍ عادل يُصافح الجميع ويهدّئ مشاجرة البروتونات.
3) كيف تتم الرابطة؟ يوكاوا والبيون. فسّر الفيزيائي الياباني هيديكي يوكاوا عام 1935 هذه القوة النووية بأنها تتم عبر تبادل جسيمات تُسمى البيونات (ميزون π)؛ فكما يقترب متزلجان على الجليد أحدهما من الآخر كلما تبادلا كرة ثقيلة بينهما، تتبادل النوكليونات البيونات باستمرار فتنجذب لبعضها. وقد نال يوكاوا نوبل عام 1949 عن هذا التنبؤ العبقري. ولاحقاً تبيّن أن البيون نفسه مكوّن من كوارك وضديد كوارك، وأن القوة النووية «صدى متبقٍّ» للقوة الشديدة الأساسية، تماماً كما أن قوى فان دير فالس بين الجزيئات صدى متبقٍّ للقوة الكهرومغناطيسية.
4) مدى قصير… وحكمة النسبة. مدى هذه الرابطة قصير جداً: نحو 1–2.5 فيمتومتر فقط، يتلاشى بعدها بسرعة، بينما يمتد التنافر الكولومي إلى مسافات بعيدة. وإذا تقلّصت المسافة دون نحو 0.7 فيمتومتر تنقلب القوة تنافراً شديداً، مانعةً النوكليونات من الانهيار على بعضها. لذلك في الأنوية الكبيرة (كاليورانيوم) يتراكم التنافر بين البروتونات المتباعدة، ويلزم «إسمنتٌ» إضافي من النيوترونات؛ ولهذا ترتفع نسبة النيوترونات إلى البروتونات من نحو 1:1 في العناصر الخفيفة إلى نحو 1.5:1 في أثقل العناصر. وإذا قلّت النيوترونات عن الحد اللازم غلب التنافر الكولومي، وإذا كثرت دفعت قوانين الكم (مستويات الطاقة ومبدأ استبعاد باولي) النواة نحو عدم الاستقرار. وعندها تبحث النواة عن التوازن عبر الاضمحلال الإشعاعي، وأشهره اضمحلال بيتا الذي يتحول فيه النيوترون إلى بروتون مع انبعاث إلكترون وضديد نيوترينو – وهو من أعمال القوة النووية الضعيفة.
5) الدليل المدهش: الديوتيريوم. أبسط نواة مركّبة، وهي نواة الديوتيريوم (الهيدروجين الثقيل)، تتكون من بروتون واحد ونيوترون واحد. أما وجود بروتونين معاً دون نيوترون، أو نيوترونين معاً دون بروتون، فحالةٌ غير مرتبطة لا توجد في الطبيعة! لولا النيوترون لما وُجدت حتى أبسط الأنوية المركبة.
6) المفارقة العجيبة: النيوترون الحرّ، بعيداً عن النواة، جسيم غير مستقر يضمحل خلال نحو 14 دقيقة و40 ثانية (879 ثانية)، مع فارق شهير غير محسوم (نحو 9 ثوانٍ) بين طريقتَي القياس «الزجاجة» و«الحزمة» – إحدى أحاجي الفيزياء المفتوحة اليوم. لكنه ما إن يستقر داخل نواة مستقرة حتى يغدو معمرّاً ثابتاً – كأن النواة بيتٌ آمن يحفظ أبناءه. إنه البطل الصامت الذي يصنع نحو نصف كتلة كل ما نراه، رغم أن اسمه قلّما يُذكر.
تشبيه تبسيطي: تخيّل حلقة من أطفال مشاغبين (البروتونات) لا يطيقون الوقوف بجانب بعضهم لأن كلاً منهم يدفع الآخر بعيداً. الآن أضف أطفالاً هادئين (النيوترونات) لا يتشاجرون مع أحد ويمسكون بأيدي الجميع: حضورهم يخفف المشاجرة ويضيف تماسكاً، فيبقى الصف مترابطاً. هذا بالضبط ما يفعله النيوترون داخل النواة.
اختراق النوكليونات واكتشاف الكواركات
لمعرفة ما يوجد داخل البروتون والنيوترون، كان على العلماء بناء ما يشبه «مجاهر عملاقة»، أي مصادمات الجسيمات؛ فكلما زادت طاقة الجسيم المُسبر، قَصُر طولُه الموجي (وفق علاقة دي برولي)، مما يسمح له برؤية أبعاد أصغر. في أواخر ستينيات القرن العشرين، وتحديداً عامي 1968–1969، في مختبر «سلاك» (SLAC) بجامعة ستانفورد، أطلق العلماء حزمة من الإلكترونات فائقة السرعة والطاقة نحو البروتونات. كانت النتيجة صادمة؛ فلم تتشتت الإلكترونات بشكل متجانس كما يُتوقَّع لو كان البروتون كتلة مصمتة متجانسة، بل ارتدّ عدد كبير منها بزوايا حادة وكأنها اصطدمت بنقاط صلبة وكثيفة جداً داخل البروتون. وتجارب مماثلة على النيوترونات أكدت البنية الداخلية ذاتها.
هذه النتائج أكدت فرضية الفيزيائي موري جيل-مان (Murray Gell-Mann) – التي طرحها بالتوازي مع جورج تسفايغ (George Zweig) عام 1964 – ومفادها أن البروتونات والنيوترونات ليست جسيمات أولية، بل تتكون من جسيمات أصغر أطلق عليها جيل-مان اسماً غريباً مستوحى من رواية جيمس جويس فينيغانز ويك: «الكواركات» (Quarks).
لغز الشحنات الكسرية والكتلة المفقودة
يمتلك البروتون تركيبة من ثلاثة كواركات: كواركان علويان (u) وكوارك سفلي واحد (d)، بينما يتكوّن النيوترون من علوي واحد وسفليين (udd). ومن أغرب خصائص الكواركات أنها تحمل شحنات كهربائية كسرية؛ فالعلوي يحمل شحنة موجبة تعادل ثلثي الشحنة الأساسية (+⅔)، والسفلي يحمل شحنة سالبة تعادل ثلثها (−⅓). وعند جمعها في البروتون:
⅔ + ⅔ − ⅓ = +1
وفي النيوترون:
⅔ − ⅓ − ⅓ = 0
وهكذا نفهم سرّ تعادل النيوترون الكهربائي: ليس لأنه خالٍ من الشحنات، بل لأن شحناته الداخلية تُلغي بعضها تماماً!
ولكن المفاجأة الكبرى كانت في الكتلة؛ فكتلة هذه الكواركات الثلاثة مجتمعة (ما يُسمّى «الكتلة الحالية») لا تشكل سوى ~1% فقط من الكتلة الكلية للبروتون أو النيوترون (نحو 9.4 MeV من أصل 938 MeV). فأين تذهب الـ 99% المتبقية؟
هنا تدخل معادلة ألبرت أينشتاين الشهيرة E = mc² لتقلب الفيزياء رأساً على عقب. الكواركات ليست ساكنة، بل هي محبوسة داخل سجنٍ نووي لا يتجاوز قطره فيمتومتراً واحداً، تتحرك فيه بسرعات تقترب من سرعة الضوء. هذه الحركة الجنونية، بالإضافة إلى طاقة الربط الكامنة في حقول القوة النووية الشديدة، تتجسد – وفقاً للنسبية الخاصة – على شكل كتلة. إذن، 99% من وزن جسدك، ومن وزن البيوت والكواكب، ليس «مادة» بالمعنى التقليدي، بل هو طاقة حركية وطاقة ربط محبوسة داخل البروتونات والنيوترونات. نحن في جوهرنا كائنات مصنوعة من طاقة محبوسة ترتدي قناع المادة الصلبة.
يتبع…
(إعداد وتحرير القسم العلمي في الموقع)