النوويّ: لماذا هو ممنوعٌ على العرب؟
الصورة: صورة تاريخية بالأبيض والأسود لعلماء عرب بلباسهم المختبري حول حوض مفاعلٍ بحثيّ .
في كلّ مرّةٍ تُقرّر فيها دولةٌ عربيّة أن تخطو خطوةً نحو امتلاك ناصية التكنولوجيا الحديثة، ولا سيّما النووية منها، تتكاتف قوىً إقليميّة ودوليّة لوأد المشروع في مهده. لا يبدو الأمر مصادفةً عابرة، ولا سياسةً ظرفيّة، بل هو نمطٌ متكرّرٌ امتدّ على مدى أكثر من سبعة عقود، يُفضي إلى قناعةٍ راسخة: هناك قرارٌ غربيّ–إسرائيليٌّ صارمٌ بأن يبقى العرب خارج النادي النوويّ، مهما كان الغرض سلميّاً أو بحثيّاً.
ولقصّة التكنولوجيا النووية العربيّة فصولٌ كثيرةٌ ومتعدّدة، تمتدّ من اغتيال العلماء إلى قصف المفاعلات، ومن العقوبات إلى الابتزاز السياسيّ. في هذا المقال، نستعرض أبرز هذه المحطّات، لا بوصفها أحداثاً منفصلة، بل كحلقاتٍ في سلسلةٍ واحدةٍ متماسكة.
أولاً: اغتيال العقول – تصفية علماء الذرّة العرب
لم يبدأ الحظر على العرب بتدمير المنشآت، بل بدأ بتصفية العقول التي يمكن أن تبني تلك المنشآت.
سميرة موسى (1952): تُعدّ العالمة المصريّة سميرة موسى، أستاذة الإشعاع الذرّي في جامعة القاهرة، من أوائل الضحايا. في أغسطس 1952، وأثناء زيارتها البحثيّة للولايات المتحدة، لقيت حتفها في حادث سيارةٍ غامض على طريقٍ جبليّ في كاليفورنيا. كانت موسى قد أعلنت رفضها الصريح للبقاء في أمريكا، وصرّحت بعزمها على العودة لتأسيس برنامجٍ نوويٍّ مصريّ. ظلّت ملابسات وفاتها محلّ تساؤلٍ حتى اليوم، وأُدرجت في أدبياتٍ عربيّة عدّة بوصفها أوّل اغتيالٍ مُمنهجٍ لعقلٍ نوويٍّ عربيّ.
يحيى المشدّ (1980): العالم المصريّ يحيى المشدّ، الذي كُلّف بالإشراف على البرنامج النوويّ العراقيّ، اغتيل في غرفة فندقه بباريس في حزيران-يونيو 1980، بطعناتٍ متفرّقة. كشفت التحقيقات الفرنسيّة لاحقاً عن تورّط عناصر من الموساد الإسرائيليّ في العملية، وإن لم يُقدَّم أحدٌ للمحاكمة.
سلسلة الاغتيالات اللاحقة: لم تتوقّف التصفية عند هذين الاسمين. على مدى العقود التالية، سُجّلت حوادث مشبوهة طالت علماء عراقيين وسوريين ومصريين، بين حوادث سيرٍ غامضة وتسمّمٍ واختفاءٍ قسريّ، في سياقٍ يُشير إلى أنّ استهداف العقول كان استراتيجيةً سابقةً على استهداف المنشآت.
ثانياً: أوزيراك–تمّوز – قصف المفاعل العراقيّ (1981)
في السابع من حزيران-يونيو 1981، شنّت ثماني طائرات إسرائيليّة من طراز F-16 وF-15، في عملية أُطلق عليها اسم “أوبرا” (Operation Opera)، غارةً جوّيةً دمّرت مفاعل أوزيراك (الذي سمّاه العراق “مفاعل تمّوز”) الواقع قرب بغداد. كان المفاعل فرنسيّ الصنع من طراز “أوزiris”، بقدرة 70 ميغاواط، وقد بُني بموجب اتفاق تعاون نوويّ فرنسيّ–عراقيّ عام 1975.
برّرت إسرائيل العملية بأنّ المفاعل كان على وشك إنتاج بلوتونيوم صالح لصنع سلاح نوويّ، رغم أنّ العراق كان قد وقّع على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT) عام 1969، وخضع المفاعل لرقابة الوكالة الدوليّة للطاقة الذرّيّة. أصدر مجلس الأمن الدوليّ القرار 487 الذي أدان الهجوم بوصفه انتهاكاً لميثاق الأمم المتحدة، لكنّ إسرائيل لم تتحمّل أيّ عواقب فعليّة.
كانت رسالة العملية واضحة: أيّ مفاعلٍ نوويٍّ عربيّ، مهما كان غرضه، هو هدفٌ مشروعٌ للتدمير.
ثالثاً: ليبيا – القذّافي يسلم مشروعه ثم يفقد رأسه
في كانون الأول-ديسمبر 2003، أعلن العقيد معمّر القذّافي، في خطوةٍ مفاجئة، تخلّي ليبيا الطوعيّ عن برامج أسلحة الدمار الشامل، بما فيها البرنامج النوويّ. جاء هذا الإعلان بعد مفاوضات سرّيّة مع واشنطن ولندن، وعقب ضغوطٍ هائلة أعقبت غزو العراق في مارس من العام نفسه.
خيانة عبد القدير خان: كشفت التحقيقات اللاحقة أنّ البرنامج النوويّ الليبيّ كان قد أُنجز الجزء الأكبر من بنيته التحتيّة بمعرفة العالم الباكستانيّ عبد القدير خان، الذي أشرف على شبكة تهريب تقنيّ نوويّ شملت ليبيا وإيران وكوريا الشماليّة. سلّم القذّافي خان للغرب سياسيّاً؛ إذ زوّدت طرابلس واشنطن بمعلوماتٍ تفصيليّة عن شبكة التهريب، مقابل وعدٍ برفع العقوبات ودمج ليبيا في المنظومة الدوليّة. وُضع خان تحت الإقامة الجبريّة في إسلام آباد عام 2004، وأُجبر على الاعتراف العلنيّ بدوره.
النهاية: اعتقد القذّافي أنّ تسليم مشروعه النوويّ سيشفع له ويضمن بقاءه في السلطة. لكنّ الرياح جرت بما لا تشتهي سفنه. في شباط-فبراير 2011، اندلعت الانتفاضة الليبيّة، وتحوّلت سريعاً إلى تدخّلٍ عسكريٍّ قادته فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة تحت مظلّة حلف الناتو (القرار الأمميّ 1973). في تشرين الأول- أكتوبر 2011، قُتل القذّافي في سرت. طار رأسه، وطار المشروع النوويّ سويةً. لم يحمِه تسليم اليورانيوم المخصّب ولا تفكيك أجهزة الطرد المركزيّ.
رابعاً: الكِبَر – قصف المفاعل السوريّ (2007)
في السادس من أيلول-سبتمبر 2007، شنّت طائرات إسرائيليّة غارةً جوّيةً سريّةً – عُرفت باسم “عملية البستان” (Operation Orchard) – دمّرت فيها منشأةً في منطقة الكِبَر على ضفّة نهر الفرات قرب دير الزور في شرق سوريا. ظلّت إسرائيل صامتةً رسميّاً لعدة أشهر، قبل أن تعلن أنّ المنشأة كانت مفاعلاً نوويّاً من طراز كوريّ شماليّ (مفاعل غاز–غرافيت مشابه لمفاعل يونغبيون).
أكّدت الوكالة الدوليّة للطاقة الذرّيّة في تقريرٍ صادرٍ عام 2011 أنّ الموقع يحمل “سماتٍ مفاعليّة”، لكنّها لم تتمكّن من استكمال التحقيقات بسبب رفض دمشق التعاون الكامل بعد القصف. لم تُفرض على إسرائيل أيّ عقوبة، ولم يُدَن الهجوم في مجلس الأمن.
مرةً أخرى: مفاعلٌ عربيٌّ، حتى لو كان تحت الإنشاء ولم يُشغَّل بعد، يُدمَّر ولا يُحاسَب المدمِّر.
خامساً: مفاعل جامعة دمشق – المساومة على البحث العلميّ
بعد عام 2011، ومع تفاقم الأزمة السوريّة، دخل الملفّ النوويّ السوريّ برمّته في دائرة المساومات الدوليّة. ومن بين ما طُرح على طاولة التفاوض، مصير المفاعل النوويّ البحثيّ الصغير التابع لهيئة الطاقة الذرّيّة السوريّة والمرتبط بالأنشطة الأكاديميّة في جامعة دمشق. هذا المفاعل من نوع TRIGA، بقدرة محدودة (حوالي 10 كيلوواط حراريّ)، مخصّصٌ للأغراض البحثيّة والتعليميّة وإنتاج النظائر المشعّة الطبّيّة.
والآن يطرح في سياق المفاوضات والضغوط الغربيّة مطالبُ بتفكيكه أو نقل مواده وإخضاعه لرقابةٍ مشدّدة، في إطار حزمة شروطٍ أوسع مرتبطة بإعادة الإعمار ورفع العقوبات. المفارقة أنّ مفاعلاً بهذا الحجم وهذه القدرة لا يُمثّل أيّ تهديدٍ عسكريٍّ، ومع ذلك يُعامَل كورقة تفاوض. الرسالة واضحة: حتى البحث العلميّ الجامعيّ في الفيزياء النوويّة ليس حقّاً عربيّاً غير مشروط.
سادساً: “الموقع 99” – محاولة إخراج الموادّ النوويّة من سوريا
أثارت تقارير استخباريّة وإعلاميّة متتالية، لا سيّما بعد سقوط نظام الأسد، تساؤلات حول ما يُعرف بـ”الموقع 99″في سوريا. تشير هذه التقارير إلى منشأةٍ يُعتقد أنّها تحوي كمياتٍ من الموادّ النوويّة أو المخلفات المشعّة المرتبطة بالأنشطة النوويّة السابقة. وقد سُجّلت محاولاتٌ – في سياق الفوضى الأمنيّة والتدخّلات الخارجيّة – لنقل محتويات هذا الموقع أو تأمينها خارج الحدود السوريّة، أو على الأقلّ وضعها تحت إشرافٍ دوليّ مباشر.
هذا الفصل من القصّة يكشف بُعداً إضافيّاً: لم يعد الأمر مقتصراً على منع العرب من بناء قدرات نوويّة، بل امتدّ إلى منعهم من الاحتفاظ بما تبقّى من موادّ أو بنيةٍ تحتيّة، مهما كانت محدودة.
سابعاً: لماذا هذا المنع؟ – البنية العميقة للقرار
لا يمكن فهم هذه السلسلة من الأحداث بمعزل عن سياقها الجيوسياسيّ:
- الاحتكار الإسرائيليّ: منذ تأسيسها، سعت إسرائيل إلى أن تبقى القوّة النوويّة الوحيدة في المنطقة. تُشير تقديرات معهد ستوكهولم الدوليّ لأبحاث السلام (SIPRI) إلى أنّ إسرائيل تمتلك ما بين 80 و200 رأسٍ نوويّ، دون أن توقّع على معاهدة عدم الانتشار أو تخضع لأيّ تفتيشٍ دوليّ. أيّ قدرةٍ نوويّةٍ عربيّة، حتى لو كانت سلميّة، تُخلّ بهذا الاحتكار.
- الهيمنة الغربيّة على التكنولوجيا: ترى القوى الغربيّة الكبرى أنّ التكنولوجيا النوويّة – حتى في أبعادها المدنيّة – تُشكّل رافعةً استراتيجيّةً تمنح الدول استقلالاً طاقويّاً وصناعيّاً يحدّ من تبعيّتها. السماح للعرب بامتلاك هذه التكنولوجيا يعني تغيير موازين القوى الاقتصاديّة والسياسيّة.
- معيار مزدوج فاضح: في حين تُقصَف مفاعلات العرب وتُغتال علماؤهم، تُبرَم اتفاقاتٌ نوويّةٌ مع دولٍ غير عربيّة، وتُغضّ الطرف عن برامج أخرى. الهند أجرت تجربتها النوويّة عام 1974 ثم 1998 ولم تُقصَف. باكستان اختبرت سلاحها النوويّ عام 1998. كوريا الشماليّة تمتلك ترسانةً نوويّة. أمّا العربيّ، فيُمنع حتى من مفاعلٍ بحثيّ بقدرة 10 كيلوواط.
- تفكيك السيادة المعرفيّة: الحظر ليس على السلاح فحسب، بل على المعرفة. اغتيال العلماء، وتدمير المختبرات، ومصادرة الموادّ، كلّها تصبّ في هدفٍ واحد: أن يبقى العقل العربيّ مستهلكاً للتكنولوجيا لا منتجاً لها.
حين نستعرض الفصول المتلاحقة – من سميرة موسى إلى يحيى المشدّ، من أوزيراك إلى الكِبَر، من تسليم القذّافي مشروعه إلى فقدان رأسه، من المساومة على مفاعل جامعيّ إلى محاولة تفريغ “الموقع 99” – تتشكّل أمامنا صورةٌ لا تحتمل تأويلاً آخر:
العرب ممنوعون من امتلاك التكنولوجيا النوويّة. هذا ليس انطباعاً عاطفيّاً، بل هو قرارٌ غربيٌّ–إسرائيليٌّ صارمٌ، مُنفَّذٌ بالاغتيال حيناً، وبالقصف حيناً، وبالابتزاز السياسيّ حيناً ثالثاً.
والسؤال الذي يفرض نفسه ليس “هل هذا المنع قائم؟”، بل: إلى متى سيبقى العرب رهائن لهذا الحظر، يستجدون حقّهم في المعرفة والبحث العلميّ، بينما يُقصَف كلُّ مَن يحاول أن يرفع رأسه فوق سقفٍ رُسم له بعناية؟
إنّ امتلاك التكنولوجيا النووية السلميّة ليس ترفاً، بل هو حقٌّ سياديٌّ نصّت عليه المادة الرابعة من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النوويّة، التي تكفل “الحقّ غير القابل للتصرّف” لجميع الدول الأطراف في تطوير الطاقة النوويّة للأغراض السلميّة. لكنّ هذا الحقّ، فيما يبدو، يتوقّف عند حدود الجغرافيا العربيّة.
(خاص للموقع)
- المواد الخاصة بالموقع بسمح بإعادة نشرها شرط الإشارة للمصدر.
المراجع والمصادر:
- قرار مجلس الأمن الدوليّ رقم 487 (1981) بشأن قصف المفاعل العراقيّ.
- تقرير الوكالة الدوليّة للطاقة الذرّيّة (IAEA) بشأن الموقع السوريّ، GOV/2011/70.
- تقرير لجنة الأمم المتحدة بشأن ليبيا (2011–2012).
- معهد ستوكهولم الدوليّ لأبحاث السلام (SIPRI)، تقديرات الترسانة النوويّة الإسرائيليّة.
- معاهدة عدم انتشار الأسلحة النوويّة (NPT)، المادة الرابعة.
- David Albright, Peddling Peril: How the Secret Nuclear Trade Arms America’s Enemies, Free Press, 2007.
- Avner Cohen, Israel and the Bomb, Columbia University Press, 1998.