يونس السوري (إيونوس) -(2)من السلاسل إلى العرش
“السيرة الروائية المتكاملة” ليونس السوري (إيونوس)، بناءً حصرياً على ما روته المصادر الأولية (ديودورس الصقلي، فلوروس، أوريوس، سترابو، النقوش، والعملات).سنروي القصة كما روتها المصادر القديمة، بتفاصيلها الدقيقة، التي سيتم تفكيكها لاحقاً ,وفق دراسات حديثة .
حكاية يونس السوري: من سلاسل إنا إلى عرش أنطيوخس
الفصل الأول: التربة الخصبة للثورة
في منتصف القرن الثاني قبل الميلاد، كانت جزيرة صقلية “سلة خبز” الجمهورية الرومانية. ولكن خلف حقول القمح الشاسعة، كانت تعيش كارثة إنسانية صامتة. كان عدد العبيد في الجزيرة يقترب من 200,000 عبد من أصل 600,000 نسمة. كانوا يُساقون في سلاسل، ويُحبسون في ثكنات تحت الأرض تُعرف بـ “الإرجاستولا” (Ergastula)، ويُحرمون من أبسط مقومات الحياة.
لم يكن الصبر على هذا القهر مطلقاً؛ فنقش لاتيني عُرف بـ “نقش بولا” (Polla Elogium) يسجل أنه قبل سنوات قليلة من الثورة، اضطر حاكم روماني لإعادة 917 عبداً هارباً عبروا إلى البر الرئيسي، مما يؤكد أن البركان كان يغلي تحت السطح. وفي الجبال، كان رعاة الماشية من العبيد، الذين مُنعوا من الطعام والملابس وأُمروا بالسرقة، يشكلون عصابات مسلحة تنشر الرعب في الريف الصقلي.
الفصل الثاني: الساحر السوري وحفلات العشاء
في قلب الجزيرة، في مدينة إنا (Enna) المحصنة، عاش عبد يُدعى يونس (Eunus). لم يكن يونس عبداً عادياً في الحقول؛ فقد وُلد حراً في مدينة أفاميا السورية، قبل أن يقع في الأسر ويُباع لرجل روماني ثري يُدعى أنتيجينيس.
تميز يونس بشيء غريب؛ فقد ادعى أنه يتواصل مع الإلهة السورية (عشتار-أتارغاتيس)، وأنه يرى المستقبل. وكان يرافق ادعاءاته استعراضات مبهرة؛ حيث كان ينفث النار والشرر من فمه (باستخدام جوزة مجوفة فيها جمرة).
بسبب هذه “العجائب”، لم يُعاقَب يونس، بل أصبح مسلّياً ومهرجاً في حفلات العشاء عند سيده أنتيجينيس. كان الضيوف الرومان يضحكون ويسألونه عن مستقبلهم، وكان يونس يتنبأ بأنه سيصبح ملكاً يوماً ما، فيضحك الضيوف ويمنحونه قطع اللحم من على المائدة. كان سيده “مفتوناً” (أو مخدوعاً) بادعاءاته، مما منح يونس حياة مريحة نسبياً مقارنة بجهنم الحقول.
الفصل الثالث: الشرارة والموافقة الإلهية
في عام 135 قبل الميلاد، وصل القهر ذروته على يد مالك قاسٍ يُدعى داموفيلوس وزوجته ميغاليس. كان داموفيلوس يتجول في عربة فاخرة يحرسه العبيد المسلحون، بينما يموت عبيده جوعاً وعطشاً.
قرر عبيد داموفيلوس التمرد، لكنهم كانوا يخشون العقاب الروماني المروع (الصلب) لقتل السيد. لذا، قرروا أنهم بحاجة إلى “موافقة الآلهة”. توجهوا إلى يونس، الساحر السوري، ليمنحهم البركة الإلهية.
وفقاً لـ ديودورس الصقلي، قام يونس باستعراض “عجائبه”، وأعلن أن الآلهة توافق على ثورتهم، وحضهم على التصرف بسرعة.
الفصل الرابع: ليلة إنا والتتويج
في هجوم ليلي مفاجئ، اقتحم العبيد مدينة إنا. سقطت المدينة، وقُتل داموفيلوس وزوجته بوحشية، لكن يونس أمر بتجنيب حياة بعض الضيوف الرومان الذين كانوا طيبين معه في الماضي ويمنحونه الطعام.
لم يكتفِ العبيد بالسيطرة على المدينة؛ بل توجوا قائدهم. أُعلن يونس ملكاً، واختار اسماً ملكياً عظيماً يربطه بأمجاد أسلافه في الشرق: “أنطيوخس” (Antiochus).
وكأي ملك هلنستي حقيقي، لم يكتفِ يونس باللقب؛ فقد أثبتت الاكتشافات الأثرية أنه سك عملات برونزية تحمل النقش اليوناني: “ΒΑΣΙΛΕΩΣ ΑΝΤΙΟΧΟΥ” (للملك أنطيوخس)، وأسس بلاطاً ملكياً، وعيّن مستشارين وقادة، من أبرزهم القائد العسكري اليوناني أخايوس.
الفصل الخامس: الحرب ضد روما
لم تكن ثورته مجرد شغب؛ بل تحولت إلى حرب دولة.
انتشرت الشرارة في كل صقلية. استولى جيش يونس على مدن كبرى مثل مورجانتيا، أغريgentum، تاورومينيوم، وكاتانا. انضم إليه عشرات الآلاف (يقدرهم ديودورس بـ 70,000، وبعض المصادر ترفع الرقم لـ 200,000)، من سوريين، ويونانيين، ورعاة جبال.
ارتعدت روما. أرسلت البريتور لوسيوس هيبساوس على رأس جيش قوامه 8,000 جندي لسحق التمرد. لكن يونس وجيش العبيد واجهوهم، وهزموهم هزيمة نكراء.
لم تتوقف روما عند هذا الحد؛ فأرسلت ثلاثة قناصل متتاليين (فولفيوس فلاكوس، ثم بوبليوس روبيليوس) بجيوش جرارة. ومع ذلك، صمد يونس ومملكته في حصني إنا وتاورومينيوم لمدة ثلاث سنوات كاملة، في واحدة من أطول وأشرس الحروب التي خاضتها روما.
يصف المؤرخ فلوروس يونس في هذه المرحلة بأنه كان يلوح بشعره المجعد في حالة هياج مقدس، مستحضراً الإلهة السورية، مما كان يبث الرعب في قلوب الرومان.
الفصل السادس: السقوط، الكهف، والنهاية
في عام 132 قبل الميلاد، بدأت الكفة تميل لصالح الرومان تحت ضغط الحصار الطويل والمجاعة. سقطت تاورومينيوم، ثم سقطت إنا.
عندما اقتحم الرومان إنا، هرب يونس مع 1,000 من حراسه الشخصيين. ولكن، في مشهد ملحمي مأساوي، أدرك الحراس أن الهروب مستحيل. وبدلاً من الاستسلام، انتحر 960 منهم بشكل جماعي، طاعنين أنفسهم بسيوفهم، تاركين يونس يفر.
هرب يونس إلى كهف في الجبال، لكنه لم يبقَ وحيداً طويلاً. قبض عليه الرومان، ولم يكن معه سوى أربعة مرافقين فقط:طباخ وخباز ومدلك ونديم شراب.
نُقل يونس إلى سجن في مدينة مورجانتيا. وهناك، انتهت حكاية الملك العبد. لم يُعدم بالسيف، بل مات موتاً بطيئاً ؛ حيث أصيب بمرض (يُرجح أنه الجرب) جعل لحمه يتحلل ويتآكل.
علق ديودورس الصقلي على هذه النهاية قائلاً: “مات موتاً جديراً بشرّه وخسته”.
وبهذا، انطفأت شعلة أول مملكة للعبيد في التاريخ، تاركة وراءها رماداً ومأساة، لكن أيضاً إرثاً من العملات المعدنية التي لا تزال تشهد بأن عبداً سورياً من أفاميا، قد تجرأ يوماً على تحدي روما، وتوج نفسه ملكاً.
المصادر الأولية
- ديودورس الصقلي (Diodorus Siculus) – المكتبة التاريخية، الكتابان 34-35 (المحفوظان عبر مقتطفات فوتيوس والمقتطفات القسطنطينية)
- فلوروس (Florus) – Epitome of Roman History 2.7.4
- أوريوس (Orosius) – History Against the Pagans 5.9
- سترابو (Strabo) – Geography 6.2.6
- نقش بولا (Polla Elogium) – نقش لاتيني من بازيليكاتا
(هذا العمل مهدى للكاتب والباحث التونسي عبد السلام زيّان , الذي خص موقع جبلة بعشرات المقالات التي تضيء على التاريخ الحضاري السوري منذ أكثر من عشرين عاما , وإن كان في حينها يشتكي من عدم اتقانه للعربية بشكل تام, وكانت تأتي الترجمة مبتسرة , ولكن يبقى له فضل الكشف والريادة , ونحن نحاول استكمال تلك المحاولات المبكرة وتوثيقها , كأول عمل منهجي ,موثق ومبني على أوليات المصادر المعروفة , مع تقديم نقد منهجي للمعلومات الواردة في هذه المصادر لاحقا ).
يتبع…
(خاص للموقع)