عندما تقرأ مقالة زياد وفيروز ينظّران للحرب والهجرة تصاب بصدمة واستغراب. فالهجوم على زياد الرحباني عنيف، والطريقة التي حاولت الكاتبة إظهاره بها مرعبة: فهو صاحب البيان واللهجة العسكرية الانقلابية وهو البندقية في يد رموز 8 آذار وحلفائهم ، ولا تتوقف الاتهامات عند هذا الحد بل تسترسل الكاتبة: تلفتنا عودة فيروز السياسية، فبعد أن غنّت للبنان الكرامة والشعب العنيد تغني الآن... للهجرة .
نسأل الكاتبة أن تخبرنا بشكل واضح أين تكمن اللهجة العسكرية في البرنامج؟ كيف هي انقلابية وعلى من؟ والشيء الملفت للنظر هو أن الحكم القاطع على عسكرية وانقلابية البرنامج تأتي فقط من عنوانه البيان رقم واحد وتكتفي صاحبة النص بهذا القدر لتشبّهه بالبيانات الانقلابية العسكرية في البلدان العربية . أقل ما يقال عن هكذا كلام إنه سطحي لأنه خال من أي شرح وتحليل علمي، بل هو قائم على منطق إلغاء الآخر وتخوينه.
وتأتي الصدمة لاحقا في النص مع الاستنتاجات البهلوانية التي تطل عليك فجأة، بحيث أنك تكاد تضيع إذا حاولت اللحاق بالأفكار الواردة. فمن اللهجة العسكرية ينتقل زياد الرحباني ليصبح بندقية في يد رموز 8 آذار وحلفائهم، ذلك لأن صاحبة النص مقتنعة أن هناك انقلابا فنّيا سياسيا (يا لروعة المصطلح) بدأ مع زياد ولم يكتمل في أغنيات لسوريين يهاجمون فيها سياسيين لبنانيين ويهزأون من الحقيقة . المعضلة من وجهة نظرها بسيطة: لا يحق لسوريين مهاجمة سياسة قوى 14 آذار، أما لبنانيو الانتفاضة فيحق لهم الإساءة لكل الشعب السوري وإهانته. كما لا يحق لأي لبناني أن ينتقد أي طرف من قوى الأكثرية وذلك تحت طائلة التخوين، فهذا هو الواقع اللبناني الجديد بعد التحرير والتحرر من الاستبداد السوري .
اتهام زياد الرحباني بهذا الشكل المشين مردّه إلى كونه آخر الفنانين الملتزمين في لبنان، فهو الذي لم يساوم ولم يهادن يوما، وهو الذي قاوم بشراسة غير عادية مافيات الإنتاج الفني وحصارهم الوحشي، وهو الذي لم يغنّ للأشخاص وإنما للقضايا، وهو من القلة القليلة التي طوّرت الفن في لبنان موسيقى ومعان، وهو الذي أجبر اللبنانيين على سماع موسيقى من نوع جديد بعيدة عن التخدير الفني ، وهو الذي أبدع في مسرحياته بتصوير واقع مجتمعنا من دون أي مسايرة أو مواربة، وهو الذي أقنع فيروز بضرورة التخلي عن نمط الفن الرحباني التقليدي الذي أصبح منقطعا عن الواقع اللبناني، وهو الذي غنى جايي مع الشعب المسكين ، وهو الذي كانت توزّع أغانيه مجاناً على الناس وتنسخ بالآلاف، وهو الشاب العبقري الذي أتى الشيخ إمام من مصر ليتعرف عليه واتفقا على القيام بعمل مشترك إلا أن الظروف لم تسمح بتنفيذ المشروع، وهو الذي أقام عشرات الحفلات الموسيقية بسعر ربطة خبز، وهو الذي لحّن وكتب أغنية لجبهة المقاومة الوطنية اللبنانية جمول وكانت التحية فيها للشهداء (وليس لمسؤول عملياتها العسكرية)، وهو الذي طلب من فيروز أن تغني رفيقي صبحي الجيز في مهرجانات بيت الدين، وهو الذي سافرت موسيقاه مع اللبنانيين إلى جميع أنحاء العالم وبقي هو دائما في لبنان، وهو الذي غنى للحرية والسلام (النظام ، شو عدا ما بدا)، و هو الذي كان التزامه إنسانيا بكل معنى الكلمة فغنّى للحب الصادق في بصراحة و بلا ولاشي ، كما غنى في مواجهة الفكر الرجعي الديني والبرجوازي ( أنا مش كافر، شو ها الأيام)، وقام بتلحين نشيد الأممية بالعربية وقصيدة يا رياح الشعب ، وهو الذي اشترك مع الراحل جوزف صقر بتقديم عشرات الأغاني الشعبية عن الحب والوطن، وهو السبّاق في انتقاد الاجتياح السوري للبنان عام 1976 في شريط بعدنا طيبين قولوا الله مع المخرج جان شمعون، وهو الذي تنبأ منذ منتصف الثمانينات بصعود التيارات الأصولية، و هو الذي لم تتغير معتقداته بعد انهيار الإتحاد السوفياتي وظلّ مؤمناً بقيم الحرية والعدالة والمساواة التي تنادي بها الإشتراكية العلمية، وهو الذي أكمل مسيرة الثورة من الفن بينما تراجع الآخرون، وهو الذي لم يستوحش طريق النضال رغم قلة سالكيه.
إنه الشيوعي العنيد والمبدئي، الإنساني والفنان الملتزم وهذا كاف لأن يتعرض للهجوم والاتهامات في هذا الزمن الرديء حيث أصبح المناضلون في حالة اغتراب عن العالم. و صوت الشعب التي صمدت طويلا في وجه كل محاولات الرشوة والتضييق الإعلاني عليها لا تزال المنبر الحر الوحيد لاستقبال زياد الرحباني.