أثار أدونيس من الخلاف قدر ما قدم من إبداع! فهو لم يكف عن تقديم ما يصدم عقلنا وذائقتنا.
الشاعر الكبير، وصاحب الثابت والمتحول ، لم يتعلم المرواغة بعد كل هذه السنين! وما يزال قادراً على قول ما يفكر به بكلمات تعبر عنه، دون تردد..
قال أدونيس الكثير في حواراته السابقة. فما الذي يمكن أن يقوله هنا؟!
ربما كانت أسئلتنا استفزازية بعض الشيء. وربما غير معهودة. لكنه أدونيس.. وهذا هو..
+ نلاحظ حالة من القطيعة المعرفية التي أقامها أدونيس بينه وبين الفكر الديني الذي يراه مسؤولاً عن إرساء بُنى من التخلف في المنطقة العربية.
+ أدونيس: كان اليسار بجميع تياراته يقف ضدي عندما أصدرت كتاب (الثابت والمتحول) ما عدا عبد الفتاح إسماعيل، رئيس اليمن الجنوبي، وقد كانت حجتهم إنني أتحدث عن موضوع انتهى وأعطي أهمية لما لم يعد له أية أهمية. وهذا يثبت أن اليسار في تلك الفترة كان بعيداً عن الواقع وعن الحياة التي يعيشون فيها وعن المجتمع الذي يعملون به. وهذه الردة الأصولية تثبت هذه الحقيقة.
+ كيف يحدد أدونيس هويته وانتماءه؟ هل هو فينيقي أم مسلم علوي.أم فرنسي؟!
++ أدونيس: أشعر أنني نتاج مزيج تاريخي يرقى إلى 5000 سنة، وأعتقد أن قطيعة المسلمين والفكر الإسلامي مع هذا التاريخ العريق، السوريين والبابليين والأكاديين والفينيقيين والفراعنة، هذه القطيعة أفقرت النظرة الإسلامية وأفقرت الشخص المسلم، حتى إنهم أقاموا قطيعة مع ما قبل الإسلام وصلت إلى درجة إطلاق اسم الجاهلية على كل ما قبل الإسلام. وأنا لا أستطيع أن افهم كيف يمكنك أن تقوم بقطيعة مع شعب قرآنك نزل بلغتهم، وهذا لا يناقش.
ونحن نعلم أنه في الإطار أو المناخ العام في البلدان العربية وسورية جزء من هذا المناخ. فالثقافة ليس لها وجود، وهنا أقصد الثقافة بوصفها بحثاً حراً ومستقلاً عن الحقيقة، الثقافة العربية هي حالة نفسية أكثر مما هي حالة فكرية بحثية. نفسية بمعنى أن لا أحد يعترف بالآخر، فليس هناك حد أدنى مشترك بين الذين يفكرون. فحتى الحرية التي هي مطلب أساسي حتى لعملية الإبداع والثقافة لا يتفق عليها المثقفون العرب، بل وهناك الكثير من المثقفين العرب يشعرون بالسعادة إذا اعتقل المثقفون الآخرون.
نحن دائماً بأفكارنا نسأل: ما الأسباب؟ وما هو الحل؟ ! يجب التخلي عن هذين السؤالين والبدء بالتحليل، ومن ثم تظهر الأسباب وتبدو الحلول في سياق التحليل. وأنا لا أعتقد أنه يوجد كتاب تحليلي واحد في الثقافة العربية. وحتى الماركسيون العرب الذين يفترض بهم أن يعتمدوا التحليل منهجاً أساسياً لهم.
+ يوصف أدونيس بأنه مفكر حر، فكيف استطاع أن يحصل على هذه الحرية؟
++ أدونيس: أنا لم اشعر أنني حر حتى تحررت من المرجعيات، وفي مقدمتها المرجعية الدينية، عندئذٍ بدأت أشعر أنني حر من الداخل أما الحرية الخارجية فإنها تحتاج إلى دفع ثمن غال، وقد دفعت هذا الثمن حتى وصلت إلى هنا، من اتهامات وتخوينات ألاحق بها حتى الآن. فمثلاً جمعية حقوق الإنسان في سورية التي من المفترض أن تكون مهمتها الدفاع عن حقوق الإنسان تقوم بالتزوير والكذب. فقد أنزلوا بياناً فحواه أنه عرض علي بيان للمطالبة بالإفراج عن د.عارف دليلة وأنني رفضت التوقيع، في حين لم أسمع بهذا الأمر. وفي حال عرض علي مثل هذا البيان فإنني أول من يسارع إلى توقيعه، كما أنهم يقدمون أحد المعتقلين وهو فرج بيرقدار في الغرب على أنه شاعر. وعندما قلت لهم إنهم يسيئون بتقديمه كشاعر وهو ليس شاعراً ردوا بأنهم يحصلون على تعاطف أكبر عندما يقدمونه كشاعر. وهذا يظهر انعدام الأخلاق والشرف حتى في النضال باسم الشرف والأخلاق.
+ يعرف بعضهم الشعر بأنه بوح ونجوى، ويشترط بعضهم الوزن ليكون الشعر شعراً، في حين يرى آخرون الشعر غطاء وأقنعة.. كيف يرى أدونيس الشعر؟
++ نحن العرب ميالون لتصنيف الأشياء والأشخاص وإرجاعها إلى مرجعيات. وقد عرف أدباء البلاط الشعر منذ القديم بأنه كلام موزون مقفى.. وإذا لم يكن كذلك فهو ليس شعراً. في حين عد العرب القرآن شعراً عند نزوله، وهذا يثبت أنهم كانوا يعتقدون بوجود شعر خارج الوزن والقافية.
لكن النص دائماً هو قراء ته، وكان هناك الشعراء والنقاد الذين اتصلوا بالسلطة وسيطروا على التعبير السلطوي عن المجتمع، وأقاموا قراءة مرتبطة بالخلافة والدولة، وعمموا هذه القراءة وأسَّسوا لها بحيث طمسوا وهمَّشوا جميع القراءات الأخرى.
أجمل شيء وأعمق شيء في الشعر أنه لا يحدد، وعندما تحدده تفقده. تماماً كالحب. ففي أقصى حدود التسامح يمكن تعريف الحب استناداً إلى التجربة الشخصية، ومن الخطأ تعميم أي تجربة شخصية. وإذاً فهناك أنواع لا نهاية لها من الحب بقدر ما هناك تجارب حب، رغم أن هناك حباً صغيراً وحباً أقل صغراً وحباً كبيراً وحباً أكثر كبراً حسب التجارب الكبرى التي يعيشها العشاق. وهذا ينطبق على النص. خذ مثلاً ملحمة جلجامش أو الإلياذة أو نصاً لبودلير أو غوتيه، وأعط هذا النص شخصاً يعرف الشعر، وأعطه نفسه شخصاً لا يعرف الشعر، تجد أن النص يكبر بعين القارئ الكبير ويصغر بعين القارئ الصغير.
إذاً أنا ضد تحديد الشعر، وبرأيي أنه حالة لوصف علاقة الإنسان بالإنسان وبالعالم، ولوصف وضعه في هذا العالم.
+ ولكن ألا ينسحب هذا الوصف على جميع الأشكال الأدبية الأخرى؟ إذاً ما الذي يميز الشعر؟
++ يتجلى النص شعرياً بعلاقة الكاتب مع اللغة. ولا أعتقد بوجود أي طريقة أخرى للتمييز بين الشعر وغيره من الأجناس الأدبية. وهكذا فكل كتابة (أحياناً تجدها في الروايات أو غيرها) تستخدم اللغة استخداماً مختلفاً عن استخدامها العلمي أو التاريخي أو الاجتماعي.. إلخ وتخاطب المخيلة نستطيع أن ندعوها نوعاً من الشعر دون الإغراق في التحليلات والتعاريف. وأنا أعتقد أن الشعر هو أعلى أنواع التعبير لأنه يستطيع أن يعبر عن كلية الإنسان.
+ هل رؤيتك للشعر بهذه الطريقة هي التي أعطتك الحرية لخرق قواعد الشعر القديم بشكل سافر والاستغناء عن أمور كانت حتى الأمس القريب مسلمات لا يمكن المس بها؟
++ لا يمكن أن يكون للشعر مرجعية، حتى الشعر نفسه. يجب أن يثور الشاعر على نفسه وعلى الشعر، وأن يبتكر قواعده فيما يبتكر شعره إلا قاعدة اللغة فاللغة أداة الشاعر.
+ يقال إن لأدونيس أسلوباً فريداً في العودة دائماً إلى الأضواء، فكلما أحس أنه سيغرق في النسيان أو يبتعد عن المشهد الثقافي والفكري يقوم بنقلة مفاجئة تعيده إلى الواجهة من جديد متخلياً عن أفكار وآراء ومدن قديمة ليلبس أخرى جديدة.
++ أشعر أن الإنسان يجب أن يتطور دائماً، وهذا كل نتاجي الشعري من (قادة الأرض) إلى (أول الجسد آخر البحر)، فكل مجموعة شعرية مختلفة عن الأخرى، ولا علاقة لهذا لا بالأضواء ولا بغير الأضواء، وإنما بنموي الداخلي ورقابتي على نفسي وباجتهادي بمسايرة حركية العالم المتغير باستمرار، رغم إدراكي لعجز اللغة عن استيعاب واستنفاد هذه الحركية بأن أخلق مواكبة لتغيرات العالم. فشعري لا يخترق العالم فحسب بل يواكبه أيضاً. وهذا ما يجعل الناس يقولون بأن أدونيس قد كتب هذا الكتاب أو هذه القصيدة بشكل مختلف عن غيرها.
+ أشير هنا إلى أفكار عُدَّت انتقامية، وأقصد بيروت ووصفك لها بأنها مدينة التجارة. فكثير من اللغط أثير حول هذا الموضوع والعديد من الأدباء اللبنانيين وصفوك بالانتهازية والخيانة. فما الذي قصده بيروت من هذا الكلام؟
أهو الألم مما آلت إليه بيروت التي اختلفت عن ذاتها وأنكرت ذاتها؟!
++ أنا لا أنتقد إلا ما يهمني، فأنا لم أرد على جميع الأشخاص الذين كالوا لي التهم ولم أناقشهم على الإطلاق، لأنني لا أرى فيهم أية أهمية. فأنا أناقش من يهمني وما يهمني. وبوصفي ولدت ثقافياً في بيروت فأنا مسؤول أمامها. ولذلك أريد أن تكون باستمرار أكثر كمالاً وجمالاً، وأن تكون مدينة ثقافة لا مدينة سياحة. وبهذا المعنى كنت قاسياً على بيروت ولكن بحب كبير.
ولو دققت في الأشخاص الذين ردوا بالاتهام والتخوين، لوجدت أن هناك خلافات شخصية أو شعرية بينهم وبيني، وقد اغتنموا هذه الفرصة لغايات معينة.
إن الناقد السعودي عبد الله الغذامي صاحب الآراء الحداثية المثيرة للجدل في نقده للمحافظة والسلفية يصف أدونيس بأنه شاعر حداثي رجعي. ذلك أنه وإن كان في الظاهر ينفي القيم السائدة، إلا أنه يؤكدها في مضمون النص، وذلك بتمجيده الأنا الطاغية ولأنه يقوم بإلغاء الآخر من خلال خطاب مجازي غير عقلاني، إذ إنه يرى أن الحداثة التي لا تعلي من شان العقلانية والمنطق لامعنى لها بل لا وجود لها.
هذا مثلاً سؤال مهم لأنه لم يتهمني وحدي وإنما مع نزار قباني.. والمتنبي وغيرهم.
الأستاذ الغذامي يصدر في نظرته إلى الشعر عن مفهوم الجماعة ومفهوم الأمة والفردية بالنسبة لمفهوم كهذا يجب أن تكون ملغاة، فهناك الحزب أو الجماعة أو الأمة، وعلى الفرد أن يذوب في هذا كله، وخصوصاً الأمة والتاريخ العربي وخصوصاً الإسلامي، هو تاريخ قتل الفرد وقتل الذاتية. فأنا برأيي أن من مهمة الشعر أن يفكك هذه البنية التي تقوم عليها الأمة، ولا يفكك هذه البنية إلا بإعطاء الذاتية بعدها الأقصى. وبهذا المعنى فأنا أعطي الفرد المجال الكامل لتحرره وباستقلال كامل عن القيم الجماعية وقيم الأمة.
والأستاذ الغذامي بلا شعوره الديني _ولا أقول شعوره_ ضد الفردية وضد الذاتية وضد الأنوية. وليس هناك شاعر أو فنان يترك هذه الأنوية إلا ليكون صوت سيده. والفنان يكون صوت إبداعه وصوت حريته لا صوت سيده. ولهذا فهو يدعوها الفحولة، وبدل أن يمجد الشخص الذي لديه رؤية حديثة للمجتمع والإنسان والعالم أرى أنه يجب أن يمجد هذا النقد الفحولي ضد القطيعية والجماعية، وضد مفهوم الأمة الذي هو بالحقيقة مفهوم ديني بحت. لذلك فالفن والشعر يسامح الأستاذ الغذامي، فهو يقرأ الشعر بعقلية فقيه لا بعقلية ناقد فني.
+ هذا يقودنا إلى سؤال آخر: بدأ في السبعينيات سجال ثقافي جميل بينك وبين المرحوم المبدع سعد الله ونوس. فأنت حملت لواء الفن للفن، والمرحوم سعد الله قال إن الفن يكتسب قيمته الحقيقية من خلال الآخر القارئ ممثلاً بالشعب، فما الذي تغير في نظرتك؟
++ الأستاذ سعد الله ونوس صديق حبيب كما تعلم، عشنا وعملنا معاً سوية فترة طويلة. كان موقفه موقف الماركسي الحزبي لا موقف الماركسي المتحرر، فماركس يقول كما تعلم: من يرد أن يتذوق الفن فعليه أن يكون ذا ثقافة فنية.
فالأستاذ سعد الله كان ماركسياً لينينياً حزبياً، وأنا لم أقل على الإطلاق إن الفن للفن بل الفن للإنسان، ولكن ليس الفن للجمهور. فحين أقول ذلك أكون أستهزئ بالشعر وأستهزئ بالجمهور، كاللقاء الأخير الذي قمت به لجمعية العاديات في طرطوس. ففي القاعة أشخاص من عصور مختلفة، فمنهم من يعيش في القرون الوسطى، وهناك أشخاص يعيشون في قرننا الحاضر، وفيها أشخاص يعيشون بين بين، وهم مجموعهم جمهور. فتصور شاعراً يريد أن يخاطب جمهوراً متناقضاً إلى هذا الحد إلا أن يقوم بتعميمات سريعة وتبسيطية. فأنا أقول إن الشعر هو للقارئ، وأنا جمهوري القراء وليس الجمهور، بمعنى الحشد الحزبي أو السياسي.
وهذه كما تعلم مشكلة قديمة. خذ ماياكوفسكي مثالاً. كان الشيوعيون يرمونه بالبندورة في بعض الأحيان لأنهم لا يفهمونه، والآن بعد كل هذه السنوات لينين الذي قاد الاتحاد السوفييتي هو مجرد جزء من التاريخ، في حين أن التاريخ جزء من شعر ماياكوفسكي.
أو خذ معاوية مؤسس أول دولة عربية. كان لديه جرير والفرزدق والأخطل. شعراء معاوية هم جزء من التاريخ. أما الشعراء الذين عاشوا معه بل ومدحوه، فعندما تريد أن ترى هوية العرب لا تراها من خلال كلام معاوية بل من خلال شعر أولئك الشعراء.
إذاً الإبداع هو التاريخ الحقيقي للبشرية، والسياسة جزء من الثقافة. وكل بلدان تجعل الثقافة جزءاً من السياسة، كبلداننا العربية، هي بلدان متخلفة وستبقى متخلفة بكل معنى الكلمة. وكان هذا الخلاف بيني وبين المرحوم سعد الله، فقد كان يقول (لكن هناك مرحلة تاريخية)، فأرد عليه أن هذه المرحلة التاريخية لا يصفها الشعر، فمهما كان مبسطاً لا يمكن أن يفهمه كل إنسان. هل كل إنسان شيوعي يفهم ماركس إذا قرأه، وهو معلم وصاحب عقيدة؟ بالطبع لا.
فكيف تريد من كل إنسان عادي أن يفهم الشعر؟! هذا من جهة. من جهة أخرى لماذا يطلب من الشعر أن يؤثر كما تؤثر البندقية؟ فالشعر له مجاله وطرقه المداورة وغير المباشرة في التأثير، وهكذا لا يجوز على الإطلاق مقايسة الفن بالعمل. فالفن شيء والعمل شيء آخر.
اكتب شعراً عظيماً تخدم قضاياك العظيمة،أما الشعر الرديء فلا يخدم أي قضية... والتاريخ والتجربة قد أثبتا صحة رأيي وموقفي، وخطأ موقف المرحوم سعد الله.
+ قبل عقود أسست مع الماغوط وعدد من المبدعين مجلة شعر في بيروت، كنتم في تلك الفترة كما قال الماغوط في إحدى المرات تحلمون بتغيير العالم عن طريق الشعر. إلى أي مدى ما زلت تحتفظ بهذا الحلم؟ وهل سرق الواقع منك براءة الشباب وأحلامهم؟ وكيف ترى نفسك والماغوط الآن بعد هذه السنوات؟
++ بالنسبة لي ما أزال أرى نفسي في طور التجريب والاختبار، واعتقد أنني إن خيرت بأن أتخلى عن كثير مما أنجزته لما ترددت أبداً. فأنا في طور التلميذ، وسأبقى في هذا الطور إلى الموت. والجواب البسيط على أن الشعر غيَّر أم لا؟ هو أن مجلة (شعر) التي حوربت من جميع الاتجاهات القومية العربية واليسار العربي، اليوم بعد مرور 50 سنة عليها، فهي قد غيرت طريقة الكتابة الشعرية، والدليل أن لا أحد يكتب الآن عمودياً.
كما أنها نقلت الشعر من مستوى إلى مستوى. فإذاً مجلة (شعر) هي بداية حقيقية للحداثة الشعرية العربية، فهي كانت مفصلاً وأقامت قطيعة وأسست لعصر آخر وفكر آخر. وهذا يؤكد مدى الجذرية في رؤية مجلة (شعر).
وأنا ما أزال في المنحى العميق لما بدأناه في مجلة (شعر)، واعتقد أن محمد الماغوط ما يزال كذلك أيضاً، وإن كان لم يعد يكتب القصيدة كما كان يكتبها في الماضي، وإنما حول غضبه في القصيدة إلى غضب آخر في المسرح.
+ قلت (إلى الموت)، فما هو الموت بالنسبة لأدونيس؟!
++ الموت هو نضج الحياة، فالحياة كعنقود العنب تنضج ثم تسقط. لولا الموت لما كانت هناك حياة، فتخيل جيلاً بأكمله لم يمت مثلاً؟ وأنا أرى أن المشكلة ليست مشكلة موت بل هي مشكلة حياة، كيف أحيا هو السؤال المهم، لا كيف أموت؟
يقول نيتشه: (لا صلاح لأمة فسدت منابت أطفالها). ونحن أمة نرضع الفساد مع حليب أمهاتنا في هذه المرحلة. فما الذي أوصلنا إلى هذه المرحلة برأيك؟ فنحن الآن نحلم أن نعيش فترة الخمسينيات والستينيات.
أنتم تعلمون السبب أكثر مني.
+ نعتقد أن مشكلة الشباب العربي الرئيسية هي غياب القدوة، إذ يفرغ الواقع القائم على الازدواجية والنفاق الاجتماعي والوحدانية من المثل الأعلى. وحتى على الصعيد الإبداعي يعاني الشباب قلة المبدعين الذين استطاعوا أن يوائموا بين قولهم الإبداعي وواقعهم الحياتي. كيف ينظر أدونيس إلى دور المبدع في ترسيخ الثقافة الوحدانية كمطبل للسلطان عموماً، وإلى دوره خصوصاً؟
++ لا أعطي نفسي الحق بالإجابة عن المبدعين العرب، لكن بعلاقتي مع الشباب مع وعيي الكامل لظروفهم ومتاعبهم والفراغ الهائل الممتد أمامهم أكثر منا نحن. فجيلنا امتلك مشروعاً ولو أنه كان وهمياً، إلا أننا كنا نتحرك ضمن ذاك الحلم وتلك المغامرة الحية. أما الشباب اليوم فأمام أفق مسدود، فكأن آباءهم جيش منكسر عائد من المعركة. وككل جيش منكسر فإنهم يتلهون بنقد بعضهم وهكذا. فالشباب يرون أنفسهم في بحيرة ضخمة مليئة بالسمك، لكن ماء البحيرة يجف شيئاً فشيئاً فلا يجدون أمامهم إلا التخبط، خاصة أن السمك يأكل بعضه بعضاً، لذلك كان لدي دائماً في نتاجي وكتابتي شيئان أقولهما للشباب:
1_ثوروا على آبائكم إطلاقاً، مع الاحترام العاطفي، لكن لا تصغوا إليهم.
2_عيشوا حياتكم.
هناك طبعاً صعوبات اقتصادية واجتماعية، وهذه لا أستطيع أن أحلها أنا.
+ واحدة من أهم الاختلافات بين الموروثين الثقافيين العربي والغربي هي مسألة النظر إلى الآخر.
فالموروث الثقافي العربي ينظر إلى الآخر باعتباره عدواً أو منافساً من جهة، أو عبداً وتابعاً من جهة أخرى، وذلك بسبب وحدانية النمط، في حين ينظر الموروث الثقافي الغربي إلى الآخر على أنه شريك توجد الأنا من خلاله. هل تعتقد أن للدين الإسلامي علاقة بهذا الاختلاف؟ وكيف؟
++ مسألة بديهية بالنسبة لي أن الدين هو المسؤول عن ذلك، فمتى دخل الدين، فإن أي شخص لا يقول قول الجماعة يكفِّر. وهناك طوائف بأكملها يكفرها الدين الإسلامي، لأنها لا تقول قول الأكثرية. فالآخر في الثقافة الإسلامية هو خارج، والنظرة له تتغير تبعاً لاقتراب هذا الآخر من الإسلام حتى يصبح مسلماً، وفيها يدخل في الأمة. أما حين لا يكون مسلماً فهو يظل كافراً وعدواً بشكل أو بآخر، وهي نظرة شبه عنصرية. ونحن العرب شبه عنصريين، رغم أن الإسلام آخى بين البشر (لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى والعمل الصالح).
و من هنا نشأت الحركة الشعوبية التي هي أكثر الحركات تقدماً في التاريخ العربي، ورغم ذلك يطلق عليها العرب اسم الشعوبيين باحتقار ومذمة.
وهنا يجب أن نميز في الإسلام بين مستويين:
مستوى النص وتأويل النص بعوامل سياسية اقتصادية سلطوية، فإذاً نصُّ السلطة الديني هو المسؤول عن هذا التخلف الذي نعيشه، وليس النص بذاته، لأنه كان ذا وجه تقدمي يوماً ما. ولكن القراءة السلطوية للنص التي أكدها الفقهاء المرتبطون بالسلطة، وهكذا يجب تفكيك النص عن هؤلاء، ولكن كيف؟ إنها المهمة المستحيلة.
الإسلام قزم نفسه، فمن بين 1،300 مليون مسلم، وهم خمس سكان الأرض، فأنت لا ترى مفكراً واحداً وإن وجد فإنه يكفّر ويطرد، وهذه كارثة حضارية.
أعتقد أن الأنثى الحقيقية كائن أصبح على وشك الانقراض، فالنساء اللواتي نراهن مجرد كائنات استلبها الذكر منذ عهد طويل، ثم استرجلها وذلك بإيهامها أنها لتكون ذات قيمة فإن عليها أن تتبنى سمات الفعل الذكوري وخصائصه وشروطه. في حين حبست الأنثى الحقيقية وراء حجب من الرفض وعدم الفهم والاتهام بالعهر.
+ كيف يرى أدونيس الأنثى وما الذي يريده منها ولها؟
++ أنا دائماً بهذا الموضوع أتبنى كلام ابن عربي:
_كل مكان لا يؤنث لا يعول عليه.
_طريق الإنسان إلى الله لا بد أن يمر بالمرأة.
فالمرأة أنوثة الكون وأنوثة العالم، وهي القرار. أما الذكر فهو الريح العابرة. وبالنسبة للمرأة العربية فأنا أرى أنها أكثر وعياً وحساسية وتقدماً من الرجل العربي. وإذا كان هناك خلل فهو في الرجل وليس في المرأة. فالرجل العربي مريض معقد منهار قليل الثقة بنفسه. يُسقط هذا كله على المرأة، لذلك يسعى لامتلاكها كي يعوض نقصه. فالمرأة بالنسبة للرجل مجرد ملك ومتعة ولذة. ونظرة الرجل إلى المرأة هي التي يجب أن تتغير، فالأنثى هي مرآة الرجل، وهذا المجتمع الذكوري الأبوي. والرجل هو الذي يدفع المرأة إلى أن تتصرف تصرفات لا تشبهها.
و الحرية في مجتمعنا هي نقطة سوداء على المرأة بالنسبة للرجل الذي يبيح لنفسه كل شيء.
كم يستطيع المبدع أن يكون كما يقول خليل حاوي جسراً:
يعبرونَ الجسرَ في الصبحِ خفافاً
أضلعي امتدَّتْ لهمْ جسراً وطيدْ
من كهوفِ الشرقِ من مستنقعِ الـ
شرقِ إلى الشرقِ الجديدْ!
لا يستطيع المبدع أن يجيب على هذا السؤال بل هو سؤال برسم الناس.