عاشت سورية اخفاقات في مجال الطاقة, وانقطاعات في الكهرباء خلال الصيف. وقوبلت ايحاءات رئيس الوزراء السوري محمد العطري, بتحميل الضغوط الاقتصادية الامريكية والفرنسية المسؤولية عن ذلك, قوبلت بالتشكيك من الجمهور السوري المضطرب.
لكن مزاعم العطري تمثل تحولا في موقف بلد طالما ادعى ان تأثيرات الضغوط الامريكية في سورية ليست ذات شأن يذكر. ويقول الكثيرون من السوريين ان مشاكل الكهرباء التي يعانون منها, ناجمة من عجز الاداء الحكومي اكثر من كونها ناتجة عن الضغوط الدولية. وفي هذا الشأن, يقول نضال ملعوف, مدير المركز الاقتصادي السوري, في مقالة نشرتها "ابناء سورية الاليكترونية", بتاريخ 5 آب, وهي وكالة انباء خاصة, "حسب علمي, تمثلت السياسة الرسمية في القول ان العقوبات الاقتصادية الامريكية وسياسة عزل سورية قد باءت جميعها بالفشل, واليوم, تحاول الحكومة ايجاد ذريعة لفشلها في تزويد المدن بأبسط حاجاتها الاساسية".
وقال عصام الزعيم, وزير الصناعة الاسبق, والمعلق السياسي الشهير, ان ملاحظات رئيس الحكومة ما هي الا محاولة لتجنب المسؤولية حيال تحديث شبكة كهرباء وطنية, المرجأة منذ سنوات, ما تزال تعمل بتكنولوجيا مضى عليها عقود من الزمن. مضيفا بان "المشكلة الرئيسية في سورية تكمن في غياب التخطيط للمستقبل غيابا كاملا. قد يكون للعقوبات الاقتصادية تأثير ما, غير ان سوء الادارة هو العامل الرئيسي في ذلك, ولم نشهد محاسبة اي من المسؤولين على اخطائه".
لقد وقع الفشل في الامدادات الكهربائية في اشد الاصياف حرارة في تاريخ سورية الحديث. ففي دمشق, التي مرت في حالات يومية من انقطاع التيار الكهربائي, استمر حتى خمس ساعات, كان هدير المولدات يطغى على حركة المرور المزعجة جدا في المدينة. كما ظهرت الانوار في بعض ضواحي العاصمة لفترة ست ساعات فقط.
وتقول بعض التقارير غير المؤكدة ان سورية, المزود الاقليمي للكهرباء, اضطرت الى تعليق صادراتها من الطاقة الى لبنان وشمال العراق, عدة مرات, هذا الصيف, بغاية توفير الاحتياط منها. ويقول الزعيم ان هذه الانقطاعات في التيار الكهربائي تكلف البلاد ثمنا باهظا. فهي تؤثر في مقدرتنا على ضخ المياه في عموم انحاء سورية, الامر الذي لا يلقي باعبائه وتبعاته على الاستهلاك وحسب, بل على الصناعة والزراعة وجميع المجالات الاخرى".
كانت ادارة بوش قد تبنت فرض العقوبات الاقتصادية, وفقا لقانون مسؤولية سورية حيال استرداد لبنان لسيادته الوطنية, لعام ,2004 لمعاقبة سورية على السماح لمنظمات مسلحة فلسطينية, مثل حماس, بالتواجد على الاراضي السورية, وكذلك لما تراه الادارة الامريكية تدخلا سوريا في الشؤون اللبنانية, وادخال المقاتلين الاسلاميين الى العراق. لكن تلك العقوبات لا تشكل اكثر من رمز سياسي. فالطيران المباشر بين سورية والولايات المتحدة محظور اصلا. وعلى الرغم من حظر تصدير معظم المنتجات الامريكية, فقد ازدادت التجارة بين الولايات المتحدة وسورية بنسبة 30 بالمئة في عام .2006 ومع هذا, يقول مسؤولون سوريون ان العقوبات الاقتصادية تضر بتوليد الطاقة الكهربائية. فعقود بناء محطتين كهربائيتين كبيرتين, الغرض منهما التماشي مع وتيرة الطلب المتزايد على الكهرباء, قد طرحت للمناقصة في السوق العالمية خمس مرات, خلال العامين الماضيين, ولم ترس على احد.
وفيما يتعلق بالشركات القادرة على بناء هاتين المحطتين, اتهم رئيس الوزراء السوري شركة "جنرال اليكتريك" الامريكية برفض التقدم بعرضها في هذا العطاء, ثم باقناع شركة "ميتسوبيشي" اليابانية بالرفض ذاته. اما شركة "الستوم" الفرنسية, فقد اقنعها الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك بعدم العمل في سورية". وجاء حديث العطري هذا في خطاب له في اللاذقية بتاريخ 4 آب. وقال فيه ايضا "ان الارجاء في بناء هاتين المحطتين هو نتيجة ضغوط سياسية".
وقال اندرو تابلر, رئيس تحرير مجلة "سيريا توادي" في لقاء معه, "تجد سورية نفسها الان في وضع محدودية عدد الشركات القادرة على بناء محطات كهربائية كبيرة, وان الشركات المقتدرة على انشاء هكذا مشاريع قد سارت وراء الموقف الامريكي الرافض لذلك, لان هذه الشركات تخشى عواقب الاعمال في سورية.
وعلى الرغم من احتمال قيام الشركات الامريكية باعمال في سورية ضمن القانون فان بعض هذه الشركات قد ترددت في ذلك, وانسحبت منها شركات متخصصة في اعمال الطاقة, مثل شركتي "كونوكو فيليبس" و"ماراثون اويل" في غضون السنوات الثلاث الاخيرة.
وخلال شهر آب, صرحت ادارة بوش بانها ستحجز موجودات الافراد الذين يهددون الائتلاف الحاكم في لبنان المطوق.. ما يعني تحذيرا مبطنا للمسؤولين السوريين وحليفهم حزب الله في لبنان. "فمثلا اشهار سيف داموقليس, امام الرئيس بوش خيار الضغط بقوة على رؤوس الشركات متعددة الجنسيات المتعاملة مع سورية, قال تابلر.
وتفيد تقديرات الحكومة السورية بان مخرجات الطاقة الكهربائية لا بد وان تزداد بنسبة 9 بالمئة هذا العام, كي تساير احتياجات تدفق يقرب من مليوني لاجئ عراقي اليها, وارتفاع ملحوظ في معدلات الولادة, وقطاع خاص صاعد بوتائر متسارعة من حيث الاستهلاك في الكهرباء. اما الصادرات النفطية, التي نفخت عائداتها الربحية المفاجئة, وقت الازمات, في فعالية القطاع العام في البلاد, فقد هبطت بشكل حاد.
وبسبب الضغوط الخارجية من الغرب, التجأت سورية مؤخرا الى جيرانها من الدول العربية, والصين وايران, بغاية تمويل الخصخصة فيها.. ويتكهن المسؤولون السوريون بان تتوسع الاستثمارات الاجنبية فيها بنسبة 11 بالمئة هذا العام, وتصل الى اكثر من ثلاثة مليارات دولار, معظمها من دول النفط الغنية, مثل العربية السعودية والامارات العربية المتحدة. غير انه ما من دولة من هذه الدول لديها الخبرة في حل مشاكل الكهرباء في سورية. فقال تابلر, "هناك قضايا معينة تهيمن فيها الشركات الغربية, مثل مرافق توليد الكهرباء. ومن الصعب الالتفاف على هذه الحقائق".