آخر الأخبار

بحيرة طبريا عند المتنبي

كان المتنبي فارساً وشاعراً مدّاحًا , وحكيماً طمّاحاً ، ومتنقلاً جوالاً , وكانت مدينة طبرية من الأماكن التي حظيت منه بالنزول فيها سنة 328هـ وعمره خمسة وعشرون عاماً وقد اشتهرت له قصيدة في وصف الأسد الذي التقاه أبو الحسين بدر بن عمار بن إسماعيل الأسدي قائد الجيش في طبرية , فعاجله بضربة سوط فارداه قتيلاً , ومطلعها :

في الخدّ أن عزم الخليطُ رحيلا

مطرٌ تزيد به الخـدود محـولا

واشتهر منها :

ورد إذا ورد البحيـرة شاربـاً

ورد الفـــرات زئيره والنيلا

ولما كان المقصود هنا بالبحيرة بحيرة طبرية فلا بد من القول منذ البداية أننا في موضع سجدتين : مرة لأقدس وأجمل بقعة في أرض الجليل الذي تنوعت مناظره ما بين شاطيء بحر, وضفة نهر, وقمة جبل , واطمئنان سهل , وعمق غور مما لا شبيه له في سائر الأقاليم ، ومرة لقصيدة شهيرة من قصائد المتنبي فيها من الروعة والجمال ما يصلح لأن يقابل ما في بحيرة طبرية من رونق وجلال ، وهي البحيرة التى اجترح على ضفافها المسيح بن مريم عليهما السلام معجزاته ، فقد سار على الماء وقرى الألوف ببضعة أرغفة وسمكات ، وشفى البرص والمقعدين والممسوسين .

***المتنبي يحني رأسه ***

وإذا كان المتنبي في قصيدة وصف الأسد , ومدح بدر بن عمار لا يلتفت إلى جمال بحيرة طبرية , بسبب التجربة الشعرية الخاصة , والحالة النفسية المغايرة , والحدث المثير جدًا من مصرع ليث غضنفر بسوط فارس بطل , فإن له قصيدة غيرها نجده فيها مضطرًا إلى أن يحني رأسه قسرًا , فيكف عن النظر إلى مطامح ليست دون النجوم , لينظر فيما حوله ودونه من جمال الربوع والتخوم والبساتين والكروم في طبرية وأرباضها , ويرسم بالوصف منظرًا قلما شغل حسه الفطري , ووجدانه الشعري بمثله باستثناء وصفه " شعب بوان " من أرض شيراز في بلاد فارس , والأبيات المقصودة ثمانية في عددها من قصيدة مدحية في الحسين بن إسحق التنوخي بلغت 42 بيتا وهي :

لولاك لم أترك البحيرة والغـــور دفـيء ومـاؤها شبــموالموج مثل الفحـول مزبـدة تهـدر فيها وما بها قطــموالطير فـوق الحبـاب تحسبها فرسان بلـق تخونها اللجـمكأنهـا والريـاح تضربـهـا جيشــا وغى هازم ومنهزمكأنهــا في نهـارهـا قمـر حفّ بــه من جنانهـا ظلمتغنـت الطيـر في جوانبهـ وجادت الأرض حولها الديمفهـي كَماويّةٍ مطوقــــة جـرد عنهـا غشاؤها الأدميشينهـا جريهــا الى بلـد تشينـه الأدعيـاء والقـزم

فلولا الممدوح التنوخي لما ترك المتنبي البحيرة ذات الماء البارد والغورالدافىء وهي من أحسن المشاتي ! فكانما عوض وجود التنوخي في الغورالمتنبي عن الاستجمام في الجليل , والاستحمام في بحيرة طبرية , وعما يراه حولها من مناظر ساحرة خلابة , وباهرة جذابة أدناها أمواج هائجة كأنها فحول من الأبل ترغى وتزبد وتهدر على أن فحول الأمواج هذه ليس فيها شبق محموم للضراب كالذي عند فحول الإبل .

ثم ينتقل المتنبي بعد رصد حركة الموج إلى رسم حركة الطير من بطّ وإوز وكراكيّ ومكاكيّ وسواها لدى انفلاتها بالعوم من على الأمواج , فكان الأمواج خيول بلق لما يخالطها من سواد وبياض , ولكن الفرسان ( الطير ) فقدت السيطرة على خيولها باللجم , فانطلقت الخيول الجامحة لا تلوي على شيء !! ثم بدت هذه الأمواج (أو تلك الطيور ) وهي في كرّ وفرّ , وكأنها جيشان متحاربان , أحدهما هازم والآخر منهزم .

*** من الخارجي الى الداخلي***

في تلك الأبيات الثلاثة من الوصف المركب استطاع المتنبي بلفتة ذكية , ولمسة فنية من الصنعة الشعرية المتقنة أن يعرض , وفي آن واحد , وصفين متوازيين الأول موضوعي خارجي ظاهر, والثاني ذاتي داخلي مضمر , فالموضوعي الظاهري ما يبدو للعيان من موج وطير ورياح وحركة مضطربة , وأما الذاتي المضمر فهو ما يعتمل في نفس الشاعر من توتّر وغليان ثائر , وحمّى قتالية , وشغف بالحياة قفز به من الخيال إلى التخيل بأن هناك فحولاً هادرة , وخيولاً جامحة , وجيوشاً في حرب دائرة مما يجعل القاريء يدهش لهذا الشعر مرتين مرة لرؤية البحيرة من خلال نفسية المتنبي ومرة لرؤية نفسية المتنبي من خلال البحيرة , وإن كانت الرؤية الأخيرة المضمرة تشبه الإيقاع المضمر في الموسيقى الكلاسيكية لايشعر به إلا كل ذي حسّ عميق وشعور رقيق , وهذا المزج المحير بين الموضوعي الخارجي والذاتي الداخلي في الوصف هو ميزة رومانسية بارزة من ميزات شعر المتنبي وهو من أبرز من بذروا بذور الشعر الرومانسي في تضاعيف قصائدهم في الشعر العربي العباسي والكلاسيكي القديم .

*** من الجزئي إلى الكلي ***

وبعد هذا, وعلى المنوال ذاته يتابع المتنبي نسج أوصافه في بحيرة طبرية من الجزئي إلى الكلي , وذلك بعرض صورة البحيرة ككل , بشكلها وظلالها وألوانها , فهي تشبه بما لها من شكل دائري , وسطح ناصع لامع , وبما يحيطها من جنان خضراء , ذات أشجار لفّاء وحدائق غنّاء , قمراً مضيئا حفت به غشاية الليل وظلماته .

وقد سمّت العرب في بلاغتها هذا التشبيه تمثيلا بسبب المماثلة الحاصلة بين صورة مرئية متعددة الجوانب وصورة متعددة الجوانب متخيّلة بأسلوب ميتافوري (مجازي) , ولولا المجاز والتشابيه والكنايات التي يأتي بها الشاعر لما كان للشعر سحر وروعة أو رونق وجمال .

*** من العين الى الأذن ***

وإذا كان المتنبي أمتع ناظريه بجمال بحيرة طبرية , وذهنه بما مر في خياله من صور وتشبيهات فما باله لا يمتع سمعه بالإصغاء إلى جوقات البلابل والشحارير , وهي تترنم بالأناشيد في أجواء من ريّ الأرض غبّ مطر دائم من كفّ سحاب كريم .

هذا والبحيرة في عمق مائها وصفائها ونقائها كأنها مرآة مطوقة بإطارها , وقد نزع عنها ما يغطيها من غشاء فبدا ماؤها كزجاج شفّاف نقي صقيل
ولكن برغم مما بدا على بحيرة طبرية من حسن وجمال , فان المثل يقول: لا تعدم الحسناء ذاماً , ولعل " الذام " الذي رآه المتنبي في طبرية وهو( ليس في أصل تكوينها ولكنه طارىء عليها ) نجده في قوله :

يشينها جريها إلى بلد تشينه الأدعياء والقزم

وهكذا فإن ما يعيبها هو أن يخرج منها ماؤها وينحدر جنوبا ليروي أرضًا يقطنها أدعياء في أحسابهم هجناء في أنسابهم , ليسوا كراما بل أراذل وأقزاما لئاما

سعود الأسدي.