في الواقع، كان سعيد عقل عضواً في الحزب القومي وتابعاً لمنفذية زحليه، ناهيك بأنه ناظم النشيد. ولم يكن الشاعر الوحيد في الحزب القومي بُعيد تأسيسه في العام 1932. فقد سبقه "الصلاحان" لبكي والأسير، والأول كان نائباً لسعاده، وفؤاد سليمان ومحمد يوسف حمود. ولحقه عشرات الشعراء، وفي طليعتهم نذير العظمة وأدونيس ومحمد الماغوط. لكن سعيد عقل هو الوحيد الذي ينكر علاقته بسعاده وحزبه، ربما لأنه كان يعتبر نفسه أكبر من أن ينتمي الى حزب أسسه غيره ولو كان في حجم مؤلف "نشوء الأمم".
السؤالان الآن: ما هو الدليل على عضوية الشاعر الراحل بالحزب القومي التي ينفيها صاحبها؟ وماذا عن أبرز ما قام به خلال حياته الحزبية؟
سوف أجيب عن السؤالين معاً، ارتكازاً على مراجع رئيسية ثلاثة: أحدها ما نشره سعاده عن سعيد عقل في جريدة "الزوبعة" الأرجنتينية في أوائل أربعينات القرن الماضي، والثاني ما نُشر في جريدة "النهار" البيروتية عبر بعض أعدادها الصادرة في العام 1936، والثالث ما ورد في محفوظات الخارجية الفرنسية.
تحت عنوان "من الظلمة الى النور" يقول أنطون سعاده في جريدة "الزوبعة"، العدد 54 الصادر في 15 تشرين الأول 1942: "في أواسط سنة 1935، انضم الى هذه الحركة شاعر كان اسمه قد ابتدأ يدور على الألسنة في أوساط سورية الأدبية وخصوصاً في لبنان، هو سعيد عقل ناظم ملحمة "بنت يفتاح". وقعت في يدي نسخة من هذه الرواية الشعرية، فأحسستُ فيها شاعرية ممتازة جديرة بتناول قضايا الحياة والنفس. ولكنني لم أطق قراءتها كلها لأني وجدتها تخدم موضوعاً غريباً عن المواضيع السورية، مختصاً باليهود أعداء سورية، فرأيت أن ألفت نظر الشاعر الى مطاليب النهضة السورية في الأدب. فانتهزتُ فرصة زيارة قمت بها لمنفذية الحزب في زحلة، لتنفيذ عزيمتي". وهكذا كان. وبعدما ألقى كلمة توجيهية لأعضاء المنفذية ومنهم فوزي البردويل الذي أصبح محافظاً لجبل لبنان، استدار نحو الرفيق عقل "ومدحتُ شاعريته الممتازة، وسألته هل لم يجد في تاريخ سورية من روائع المظاهر والمكنونات النفسية التاريخية ما يستهويه لاستخراج كنوزها واستئناف مجرى خططها السامية؟ فلم يحر جواباً. فأشرتُ عليه بقراءة كيفية بناء قرطاضة العظيمة وحوادث تاريخها الموقظة الشعور والمنبهة الفكر، أو قراءة شيء من أي دور من أدوار تاريخ سورية القديم، فيتمكن من ربط قضاياها القديمة بقضاياها الجديدة وإيجاد موصل الاستمرار الفلسفي بين القديم والجديد واستخراج المثل العليا الفرعية والتفصيلية الجوهرية في الأخلاق والمناقب، وإبراز أجمل المظاهر النفسية، وسنى المواقف المناقبية". أضاف: "في أواخر 1937 أوصل اليّ الأمين فخري معلوف – عمّ الأديب الفرنكوفوني أمين معلوف – نبأ جعلني أشعر بموجة حرارة تجري في جسمي كله. قال لي إن سعيد عقل يشتغل في قصيدة أو ملحمة عنوانها "قدموس" السوري التاريخي الذي علّم اليونان الأحرف الضوئية والكتابة". وختم مبدياً أسفه لأنه بعد قراءته للملحمة، لم يجد فيها ما كان يتوقعه. "فقد حاول المؤلف أن يصبغ الحقائق التاريخية والأساطير التقليدية بصبغة محلية ضيقة، فأساء الى الأساطير والى الواقع التاريخي". مما تقدم، يمكن التنويه بأمرين، أولهما أن سعيد عقل انتسب الى الحزب القومي في أواسط ثلاثينات القرن الماضي، وتحديداً قبيل انكشاف سرية الحزب في 16 تشرين الثاني 1935. وهذا يعني أن صلاح لبكي وصلاح الأسير وفؤاد سليمان قد سبقوه في الانتساب. الأمر الثاني، أن ملحمته الشعرية الثانية، أي "قدموس"، قد استوحى موضوعها وعنوانها من سعاده نفسه، وبدأ بكتابتها وهو لا يزال عضواً في الحزب. لكن لبننته لقدموس الفينيقي وحصر علاقته بصور وجبيل دون أوغاريت، يدعو الى الاستنتاج بأنه حين أصدر الملحمة كان أصبح خارج صفوف الحزب.
لنقلب الصفحة على ما كتبه مؤسس "النهار" جبران اندراوس تويني حول سعاده وسعيد عقل والشيخ عزيز الهاشم والفنان يوسف الحويك والأمير رئيف أبي اللمع وغيرهم، في أكثر من عدد في جريدة "النهار" وذلك بُعيد اعتقال أنطون سعاده للمرة الثانية في العام 1936. اثر الاعتقال، صادر التحري من منزل نائب سعاده الشاعر صلاح لبكي وثيقة حزبية مكتوبة بخط يد الشاعر سعيد عقل، ولها علاقة باتهامات وجهها المحامي عزيز الهاشم ضد سعاده والنحات يوسف الحويك. كانت السلطة القضائية الفرنسية كلفت المحقق حسن قبلان لاستجواب سعاده حول تهمة تتعلق بالحزب القومي المنحلّ. وعندما صودرت الوثيقة "السعقلية" وسّع المحقق بيكار التحقيق ليشمل اتهام الهاشم لسعاده والحويك بالقبض من ايطاليا الفاشية، اضافة الى استجواب عقل.
في الخامس من تموز 1936، تصريح للمحقق قبلان ورد فيه "ان رجال التحري عثروا في منزل الاستاذ اللبكي على كتاب مرسل الى الاستاذ عارف الغريّب – صاحب جريدة "المساء" -. ولما اطلع صلاح لبكي على الكتاب وجد ان السيد سعيد عقل هو الذي كتبه ووقّعه وكان في نيته أن يسهّل اجتماع السيد انطون سعاده بالشيخ عزيز الهاشم قبل أن تنفجر القنبلة بينهما".
هنا، قرر قبلان استجواب كاتب البيان. وهكذا كان. تلخص "النهار" في 20 تموز 1936 وقائع الاستجواب على النحو الآتي: "اعترف سعيد عقل أنه كان عضواً في الحزب عندما ذكرت الصحف شيئاً عن علاقات الزعيم بالدعاية الايطالية، ونشرت حديثاً في هذا الصدد للشيخ عزيز الهاشم، وقد قرر الفرع في زحلة أن يقف على حقيقة الأمر، فانتدب وفداً يتألف من ثلاثة أعضاء كان هو أحدهم". أضاف الرفيق سعيد أن الوفد "جاء الى بيروت وقابل الزعيم وسأله عن حديث الهاشم وعلاقة الحزب بالدعاية الايطالية. فأجاب السيد سعاده أنه مستعد للاجتماع بالشيخ الهاشم، ونفى ما ورد في حديثه بحضور أعضاء وفد زحله، وقد اتصل الوفد بالاستاذ صلاح لبكي وبالشيخ عزيز الهاشم، وتقرر أن تجري المقابلة في فندق "بيروت بالاس" على أن يحضر الوفد الاجتماع. جاء السيد سعاده في الموعد المعين يرافقه الاستاذان لبكي وسعيد عقل وبقية أعضاء الوفد، فوجدوا أن الشيخ عزيز الهاشم غير موجود. وتكرر الموعد، فغاب الشيخ أيضاً. ولما غاب في المرة الثالثة، طلب الزعيم الى الاستاذ سعيد عقل أن ينظّم محضراً ويرسله الى جريدة "المساء" فيكون كتكذيب لحديث الشيخ عزيز الهاشم. فنظّم المحضر ووقّعه ودفعه الى رجال الحزب ليرسلوه الى صاحب جريدة "المساء". في القسم الأخير من الخبر، ورد ما يأتي: "بعد التحقيق مع سعيد عقل، تابع الأستاذ حسن قبلان تحقيقاته في هذه القضية، فجيء بالسيد سعاده من سجن الرمل وقوبل بالأستاذ سعيد عقل، فوافق بدوره على الإفادة".
وتابعت "النهار" وقائع التحقيق والاستجوابات التي شملت يوسف الحويك والأمير رئيف أبي اللمع والمحامي – الوزير – في ما بعد حبيب أبو شهلا، في العددين 896 و897 الصادرين في 25 و26 آب 1936، فجاءت الأجوبة لصالح سعاده وخصوصاً حين قال أبو شهلا إنه دفع من جيبه مصاريف موكله سعاده. فوبّخ قبلان عزيز الهاشم وختم التحقيق.
يتبين من تفاصيل أخبار "النهار" التي عرضنا نماذج منها، أن سعيد عقل اعترف للمحقق بأنه كان عضواً في الحزب القومي عندما اتهم عزيز الهاشم سعاده والحويك بتلقي الأموال من ايطاليا. كذلك اعترف بأنه رافق مسؤولين زحلاويين في هيئة المنفذية هما المحامي يوسف البحمدوني وفوزي البردويل، اضافة الى اعترافه بأنه كتب محضر اللقاء الذي غاب عنه الهاشم. هنا، يقتضي القول، من خلال مراجع أخرى غير التي أوردتها "النهار"، إن سعاده نفسه رفض نشر المحضر في "المساء" لأنه لم يرغب في أن يظهر بموقع الدفاع عن النفس حيال تهمة ملفقة، وقد وافق على مقابلة الهاشم، بعدما وجد الشك متسرباً الى وجدان ثلاثة من أبرز أعضاء حزبه في زحله وبينهم الشاعر الواعد سعيد عقل. في المناسبة، فإن فكرة جمع سعاده بالهاشم، قد صدرت من سعيد عقل، لذلك، حين غاب الهاشم للمرة الثالثة عن اللقاء، كرّر عقل ثقته بسعاده وشتم الهاشم بعبارة زحلاوية لا مجال لذكرها هنا. ما نقلته "النهار" يتطابق مع ما ورد في سجلات التحقيق الرسمي الفرنسي.
لكن ملفات الخارجية الفرنسية تضمنت أيضاً وثيقة سعقلية أخرى غير البيان – المحضر، وهي القصيدة أو النشيد الذي نظمه سعيد عقل وأنكره. وقد نشره حسن قبلان في سجل التحقيق بخطّ يد الشاعر عقل، كما كان يفعل مع كل الذين يستجوبهم.
أما جبران جريج، الذي عاصر تلك الحقبة، وتولى مسؤوليات رفيعة في الحزب القومي، فقد أعاد نشر النشيد في الصفحة 27 من كتابه "مع أنطون سعاده" وقد توّجها بمقدمة قال فيها إن الرفيق سعيد عقل نظم النشيد على أساس أنه سيكون "نشيد الحزب". فأبدى سعاده له الملاحظة الآتية: ورد في أحد الأبيات "تزرعين من ذرى طوروس أهراماً إلى قلب سينا. لكننا زرعنا الأهرام في مصر، أما في بلادنا فقد زرعنا أمجاداً". هكذا وضع كلمة "أمجاداً" بدل "أهراماً"، وإذ قارن القراء بين نصّ القصيدة بعد التعديل الطفيف والمنشورة بكاملها في ما يأتي، وبين صورة القصيدة كما وردت في التحقيق الفرنسي، يتأكد من معلومة جبران جريج المتمحورة على كلمتي الأهرام والأمجاد.
القصيدة
صخب البحر؟ أم الجيش السخي،
أم بلاد تملأ الدنيا دوي؟
سوريا
يقظة ملء المدى
بسمة ملء الربيع
سوريا فوق الجميع
تزرعينا
من ذرى طوروس أمجاداً الى مقلب سينا
ومن الأبيض في الغرب الى دجلة شرقا
أمة أم شعلة ترقى؟
من علاء الملاء تملأ الافقا.
يا فداك! البطل السمح مراما
وحساما
يزرع الآفاق أعلاما
في سماح واقتحام
نحن نبنيكِ اذا جار الزمان
حفنة من تربك الدامي جبل يهزأ بالحدثان
أي مجد؟ أيها الأم لم تهزيه على حضنك طفلا
لم يزل في ظل أعلامك يحيا
أنتِ في يقظتنا حلم
وغداً في كفّنا دنيا.
جان داية(النهار)