فأعود أيضا لهذا الموضوع لسببين -لعن الله جنبلاط و الأخوين حمادة، فهم ثلاثة، ألا لعن الله الثلاثة!
السبب الأول هو أنني لا أمل -و لا أرغب أن أمل- من توجيه تحياتي و حبي و احترامي لأميرة و لربعها الكريم
و السبب الثاني هو أن أحد الزملاء حاول أن يوحي أنني في مركز النكد (البحوث) إياه كنت لم تنجح وتتفوق ، فوا سخرية عمرو و واسخرية الساخرين!
هذا أول ما نقوله له...
و ثانيا و كي نشرح له، و بلغة عربية سليمة، لماذا أعترض على الشعب السوري و ليس على النظام السوري، فيليق بي أن أعلــّـم الإنسان ما لم يعلم... و أظن أن هذا الشريط هو أفضل مكان لمتابعة تلك الذكريات...
أميرة
ما لم يستوعبه الزميل إياه هو أنني تركت لهم (شايفتيلي ياها هاظي بتاعة هم ؟)، أنا تركت لهم الجمل بما حمل . ما لا يرغب الزميل إياه أن يستوعبه هو أنني حين ألوم مركز النكد و الوخم إياه فأنا لا أفعل ذلك من منطلق النق و المطالبة -ألا ما أبعد النق و المطالبة عن أدبي، أنا الثريا و ذان الشيب و الهرم!
لا يا زميل يا محترم! أنا لا ألوم شعبك السوري و نخبته في مركز الصفاقة إياه لأنهم بخسوا حقي -مع العلم أن هذا صحيح-!،
أنا ألومهم لأنهم بخسوا حقهم عندي!
أنا ألومهم لأنهم أضاعوني و أي فتى أضاعوا ليوم كريهة و سداد ثغر!
أنا ألومهم لأنني حين ذهبت إليهم متسلحا بكل طاقة شبابي و بكل قدراتي الذهنية -و هي في ظني ليست سيئة- فإنهم رفضوني و رفضوها لا لسبب إلا لكوني فلاحا و نصيريا (يعني جبلاوي)...
و كي تدرك ذلك يا زميل فخير ما يمكن لي أن أقدمه هو مجموعة من القصص الحقيقية الممتعة (أو: المؤلمة) و ذات المغزى (قحمذمات)...
و قبل أن أتابع، أرجو أن تسمحوا لي بالعودة قليلا للخلف و بإضافة ملاحظة تتعلق بالرفيق جورج حبش.
تحدثت أعلاه عن أخطاء جورج حبش و اليسار العربي عموما. هذا حديث أكرره و أصر عليه، لكن أرجو ألا يفهم كلامي كما لو أنني أنتصر لليمين العربي -النتن- أو لديمقراطية البسطار الصهيوني، حاشا!
ذلك أننا في عصر العهر و التعريص هذا صرنا نرى الإمعات -و دعنا نسميها اصطلاحا شاكر نابلسي و وليد جنبلاط و عبد الرزاق عيد و رياض الترك و إلخ...- هذه الإمعات كانت بالأمس تصرع طيز ربنا (و هي طيز خرافية لكائن خرافي لنا) بديكتاتورية البروليتاريا و تعتبر كل من لا يتبع هلوساتها عميلا لأمريكا ، و اليوم هم يصرعون نفس الطيز التي تنتمي لنفس ربنا إياه نفسه شخصيا... يصرعون هذه الطيز بما يسمونه الديمقراطية و يعتبرون كل من يعترض عليهم عميلا للنظام السوري ، ثم يروحون يشوهون تاريخ اليسار العربي كما لو أنه كان أشد سوادا من اللون الأسود...
أنا لست منهم، و هم ليسوا مني.
أنا لا أتنكر للرفيق جورج حبش. أنا لا أشتم جورج حبش. أنا أقول أن جورج حبش قد أخطأ، نعم، جورج حبش قد أخطأ، و أنا اتبعته في خطئه.
لكن جورج حبش يوم أخطأ فإنه كان، أولا، هو كان مجتهدا، اجتهد فأخطأ، فله حسنة لاجتهاده، و لا يعاب على خطئه. ثم إنه، ثانيا، يوم أخطأ، فهو لم يخطئ لأنه كان لئيما أو شرها للمال أو متكالبا على متع الحياة الدنيا، لا!
جورج حبش يوم أخطأ فإنه أخطأ كما يخطئ الإنسان الشريف المخلص لقضية شعبه.
أما فيما يخصني فأنا أقول أنني اتبعت فكر جورج حبش دون أن أجتهد، فأخطأت بدون اجتهاد. فليس لي أن أدعي أية حسنة.
نعم: إن كان هناك خطأ فهو خطئي، و أما الرفيق جورج حبش فهو يشكر على اجتهاده و لا يلام على ارتكابه الأخطاء.
ألا لا يظنن أيا كان أنني أنتمي لتيار المعرصين بأمهاتهم من ديمقراطيي آخر زمن: أنا، إن كان لي الحق أن أقول كلمتي، فأنا ألوم نفسي و لا ألوم جورج حبش، و إن سمحت لنفسي أن أتطاول فإني أصف نفسي كما قال الفرزدق واصفا علي زين العابدين:
حمـال أثقال أقوام إذا افتدحـوا * حلو الشمـائل تحلو عنده نعـم
حاشا لي أن أخون من أحببت -جورج حبش-، و منه أقول:
إن كان هناك من يستحق اللوم، فهو أنا و ليس جورج حبش، فداه عمي و خالي...
كان ذلك توضيحا ضروريا كي لا يحسب الشحم فيمن شحمه ورم...
سأخبرك يا أميرة كيف تفقد سوريا أبناءها...
أنت الآن تعلمين أنني كنت طالبا في المعهد العالي -مثلي في ذلك كمثل العديد ...
سأروي لك ما حصل معي يوم كنت في السنة الثانية في المعهد العالي... و لذلك مقدمات!
فأولى المقدمات هي أن إدارة المعهد العالي كانت تنتظر -على أحر من الجمر- ظهور الرياضيين العباقرة (=المتميزين في مواد الرياضيات)، و هم كانوا يظهرون بمعدل رياضي ممتاز كل كذا سنة... و من بين خيرة الرياضيين الذين مروا في المعهد العالي كان زميلنا محمد صالح...
إن رغب محمد أن يتحدث عن تعريص إدارة المعهد العالي تجاهه، فهو سيتحدث... أما إن فضل الصمت... فالصمت أحيانا أبلغ من الكلام...
أما أنا، فسأتحدث عن أنا... سأتحدث عن نفسي...
حصل ذلك يا أميرة حين كنت في السنة الثانية في المعهد العالي، و قد تقدمنا للإمتحانات النصفية (نصف السنة الدراسية)، و كنت راغبا أن أكون الأول على دفعتي... و لمه؟
لماذا كنت أرغب أن أكون الأول في دفعتي؟ بهدف الفشخرة و المكابرة؟
ألا كلا!
كلا و من ثم كلا!
أميرة ،
حين كنت طفلا، كنت مصابا بمرض الربو... لا أعلم إن كان بإمكانك أن تتخيلي معاناة أبي و أمي بسببي... يا أميرة أنا كنت ممنوعا من النوم الطبيعي لأني كنت ربما أموت بسبب ذلك... سلي الأطباء و هم يخبرونك!
و نظرا لكوني طفلا كانت المرحومة أمي تضطر أن تقضي الليل ساهرة بجنبي كي تلاحظ ذلك، كي ترفع صدري حين أعجز عن السهر و أسقط في النوم... و ما كان بإمكانها أن تنام -لسويعات قليلة- إلا حين كان أبي يحل محلها...
هذا ما فعله أبي و ما فعلته أمي لأجلي يا أميرة... و أنا كنت أرغب أن أكون الأول على دفعتي كي أعود فأواجه أبي و أقبله بين عينيه و من ثم أن أخبره أن تضحياته و تعبه و عذابه... كل ذلك لم يذهب سدى، بل بالعكس: أنا كنت الأول في أولى جامعات سوريا...
هذا ما كنت أرغب به يا أميرة... أنا كنت أرغب أن أقول لأبي:
يا بابا، إبنك هو الأول في المعهد العالي!
تلك كانت الهدية -البسيطة- التي كنت أرغب بتقديمها لأبي... و قد بذلت الجهد المطلوب للحصول عليها....
من دون هضم لحقوق زملائي الذين سبقوني، يمكنني أن أقول أنه حقا و صدقا كانت الدفعتين اللتين سبقتا دفعتي فقيرتين بالرياضيين. هذا لا يعني أن زملائي السابقين كانوا سيئين: لا! بالعكس! لقد ظهر بينهم مهندسون من مستوى راق، من مستوى عالمي... و يوم غد الأحد سنحتفل في بيت موسى بعيدي ميلادنا، و سيكون هناك العديد من هؤلاء المهندسين الكبار موجودين...
لكن و بكل تأكيد لم يكن هناك ذلك الرياضي الذي تنتظره إدارة المعهد... ثم جاءت دفعتنا غنية بالرياضيين: لقد كان فيها آصف ج. و من ثم أنا، إثنان دفعة واحدة... و راحت إدارة المعهد تفرك أيديها فرحا...
تحدثت سابقا عن التعامل بفوقية مع طلاب السنة الأولى، و سبب ذلك كان، عموما، هو أن السنة الأولى كانت عبارة عن مصفاية كي يتم تصفية العناصر الجيدة من السيئة، و السنة الثانية كانت هي المعيار الحقيقي للطلاب في المعهد العالي... و أظن أن الأمر لم يتغير حتى الآن...
أنا شخصيا استخدمت سنتي الآولى كي أثبت للجميع -لنفسي و لغيري و لإدارة المعهد العالي- أنني الرجل الضرب الذي يجب أن يعرفوه و أنني خشاش كرأس الحية المتوقد و أنني ذلك الرياضي الذي طالما حلموا به على امتداد سنوات عجاف ثلاثة... لعن الله الثلاثة!
و نشأت صفقة ضمنية بيني و بين إدارة المعهد: هم كانوا يريدون أن أكون الرياضي العظيم الذي سيتابع مسيرة أستاذي الكبير صلاح الأحمد، و أنا كنت أرغب بذلك... ذلك أنني يا أميرة حبب لي من دنياكم النساء و الطيب و جعلت قرة عيني دراسة الرياضيات...
لم يكن هناك حد لأحلامي و لطموحاتي... خاصة و أن بجانبي كان أحد اقوى العقول الرياضية: زميلي آصف ج. كنت أحلم أننا، أنا و آصف، سنبني مخبرا للرياضيات يجعل من سوريا مرجعا للبشر. أنا و آصف سنقدم للجيش العربي السوري الشيفرة التي ستعجز إسرائيل عن كسرها... أنا و آصف سنكسر الشيفرة بتاعة الجيش الإسرائيلي... و إن فشلنا، أنا و آصف، في ذلك فسينجح بفعله عشرات الرياضيين الذين سندربهم...
و مالي لا أحلم بذلك و قد كنت في ريعان شبابي، في التاسعة عشرة من عمري، و بجانبي أفضل الحلفاء -آصف- و عندي خيرة المدرسين -صلاح الأحمد؟
بالمقابل أنا كنت أرغب بتعويض بسيط... و أصلا هو حقي الطبيعي: أن أكون الأول على دفعتي، فإن لم يكن فأن أكون الثاني بعد آصف... هذا يا أميرة كان حقي الشرعي: أنا لم أرغب و لن أرغب أبدا أن أسلب الناس حقوقها، حاشا لي! أنا فقط كنت أرغب بما هو حق لي، و حقي كان أن أكون الأول على دفعتي...
و ما كان ذلك بهدف الفشخرة، حاشا لي! لكن، و كما سبق لي و أخبرتك، أنا كنت أرغب أن أعود لرؤية والدي و أن أخبره: يا بابا، إبنك هو الأول في المعهد العالي، و تعبك و تضحياتك لم يذهبا سدى ...
بهذه العقلية و بهذا المنطق عملت خلال الفصل الأول من العام الدراسي 1985/86 إياه... و تقدمت للإمتحان ثم رجعت لجبلة مطمئنا أنني سأحصل على ما أرغب به...
فماذا حصل؟
يتبع