هل تتعلق الكتابة ببناء المعنى؟ هل تتعلق هذه الوظيفة الأثيرة بتلوين الأشياء و إعطاء القبيح و السيء و اللاعقلي بُعده الفني الذي يرفعه إلى أعلى المراتب و يثبّته في أفكارنا على الشكل الذي أراد له الفنان/الكاتب أن يكون؟أم أن هذا النشاط الغامض من أنشطة الإنسان ينجم من شيء آخر يحدد وظيفته و يجدد مساره في كل مرّة.
إن الكتابة تتعلق في وظيفتها الأساسية فضلا عن وظائفها الأخرى بمساءلة البدايات و بهذا تضفي علينا الدهشة التي ننتظرها من الفن فنُتِمّ القصيد و القصة و الرواية حتى رمقنا الأخير بحثا عن الأصيل فينا و الحقيقي و رغبة ملتهبة منا في الارتواء من منبع الوعي علّنا نجيب عن أسئلتنا فنقلع مسامير صليبنا واحدا تلوالآخر...
مشهد لغوي مبذول يتفتق فيه الإيروس ضاريا تارة ,رقيقا حانيا تارة أخرى. نساء مختلفات تخترق التجارب الجنسية معهن شغاف الرواية، أجساد طرية يغلي فيها مرجل من الشباب و الجمال و تنقاد طورا للجنس كماهية و تارة للمال كسبب و كمنتهى و لا أدري هل إن الإمعان في وصفها و هتك أسرارها انتقام لاشعوري و مقصود في آن للأرض المغتصبة علما و أن الجسد موضوع الرواية جسد يهودي متمثلا في بنات يعقوب (نانا/جوديت/ميمونة/دينة) فقد أمعن الكاتب في جعل هذا الجسد يقترن اقترانا آليا بالدنس و لهذا جعل مشاهد الاغتسال تتكرر بشكل لا محدود خلال الرواية و كأن الجسد يتطهر من الوسخ و من الخيانة في آن ليعود إليه فيتكرر مشهد الاغتسال مرة أخرى، هذا الاغتسال الذي يعطي فرصة ثانية للكاتب للانتقام بوصف المفاتن و ترهلها بفعل الزمن و فعل البشر.
يعرض الكاتب إلى وصف نانا ابنة يعقوب التي باعها أبوها لتاجر و قبض ثمنها ليجد التاجر بضاعته مع عشيقها في مشهد من الدنس المزدوج و لكم فوجئ و ذهل حبن رأى (نانا) زوجته برقيق شبابها و بحذائها الفضي الغالي هي من يبحث عن (أيوب) بين العنابر، و في المستودعات، و اصطبلات الخيول، كانت غير مكترثة بالروائح النتنة و لا بالمشاهد غير المستحبّة للروث و المياه الآسنة و لا بالأوساخ المرمية هنا و هناك، كانت تمرّ بها و كأنها لا تراها..و كم ذهل السيد حين رأى (نانا) تهبط بجسدها الطري الناعم فوق أجمة الشوك الواخزة الإبر..غير عابئة لا بالشوك و لا بالمكان ص177
بل يمعن الكاتب أكثر في تقديم صورة بنات يعقوب تارة كثلاثي للجنس لا ينفصل مع نفس الشخص و في نفس اللحظة بتبادل الحراسة و المسرّة كما فعلن مع (رحمون): و لم يدر رحمون كيف تبادلت الأختان و لمرات عدة مواقع الحراسة و ملاصقته..دهش بأن المخلوق الأنثوي الذي أحبّ صار اثنين..رأى المخلوق الأنثوي الجميل و قد عاد إليه بزي آخر و جمال آخرو بهيئة أخرى..و غاب و إياها في توحد نادر حتى جفّت ملابسها..و لم يكن ذلك المخلوق الأنثوي سوى الأخت الكبرى ابنة يعقوب التي عادت لتوّها من القرية، متعبة..حلمت كما حلمت أختاها و بذلك تساوت مع أختيها بالتعب و المسرّة الكاملة ص105/106/107/108 و لكن لا يفوت الكاتب مشهد رحمون الذي رمى جسده في النهر و اغتسل طويلا ص107
يتكرر المشهد بلذة أقل و لكن بتركيز أكثر على لهفة بنات يعقوب على المال فيفضح تواطؤهن الضمني مع أبيهن على تقديم جمالهن من أجل المال حتى و إن كانت الطريدة رجلا مُسِنّا كاريكاتوريّ الشكل و الحركة: و لكم تمنّت كل واحدة منهن لو كان بمقدورها، و دونأن تؤذي مشاعر سليمان عطارة(وهو يهودي)، لو تمسح لعابه السائل من زاوية فمه اليمنى إلى أسفل ذقنه، و الذي يبدو كمجرى ماء صغير، تتلامع صفحته وسط شعيرات ذقنه النابتة فوق وجهه الأحمر شديدا للتّوّ...بل كم تمنت كل واحدة منهن لو كان بمقدورها أن توقف رجفان يديه كلما حرّكهما، أو كلما تناول بهما شيئا ص 194/195و في هذه الصورة سخرية مزدوجة من الرجل و بنات يعقوب في آن.
يتشكل النص كتابة نازفة رغم السخرية اللاذعة التي يلهب بها ظهور شخصياته فالسخرية ركن من أركان الأسلوب والمضمون في الرواية و قد اتخذت الشق الجسدي بصفاته و حركاته كما تناولت جانب الأفكار و الشخصية و تبدو شخصية يعقوب مثالا منمّطا لشخصية اليهودي التي يجمع بين كل صفاتها قاسم مشترك واحد هو الذُل فالقصر و العرج صفتها المادية الظاهرة و شعورها بالانبتات و عدم الانتماء يجعل شكلها يرتبط في مواضع عديدة بهيئة الحيوان (استدارا نحوها منكمشيْن ص 115/ خطواته أشبه بخطوات الكنغرص64/ الجلسة الفنفودية ص88/ و حدثهم عن زوجته راحيل التي شجعته طول حياتها على الانحناء لها حتى بات يمشي أمامها و أمام الناس على أربع ص83) كما يقدم الكاتب صورة بنات يعقوب في شكل لا يخلو من السخرية(يمشين كالأسيرات لا يلتفتن و لا يتكلمن ص64).
إن الكتابة عند حسن حميد تمثل بوابة للمقاومة لأن الكاتب لا يثق بالحل السياسي (انظر مقال: الصراع الفلسطيني-الاسرائيلي في رواية جسر بنات يعقوب لِحسن حميد-كوثر خليل) و لهذا فهو يقاوم تارة عن طريق الهدم(السخرية) و طورا عن طريق البناء(حفظ التاريخ عن طريق اللغة) و هكذا فقد اكتسى الجنس في الرواية بعدا جديدا عن طريق الايهام و المراوغة من الكاتب فهو انتقام من العيار الثقيل غير مسبوق في الكتابة العربية لأن الكاتب يتحرر من الجنس كمحرّم ليوجهه كسلاح اغتصابا باغتصاب و انتهاكا بانتهاك.
تشكل قصة جد يعقوب مع رب السماوات نوعا من المقاومة في الأدب و هي تتصل بهذه اللعنة الأبدية التي لحقت باليهود بسبب انتهاكهم لمبادئ القانون الطبيعي و السماوي إذ رماه الربّ بلمحة واحدة في السماء الأولى ص 113 عقابا له بعد أن شكاه الناس و الزمان بسبب مسألته المتواصلة و إذا هو يصّعد في السماء الأولى دون مساعدة رغبة منه في بلوغ السابعة ليصفح عنه الرب فيحتال على كاهن السماء الأولى كما كان يحتال في الدنيا و كذلك يفعل في السماء الثانية حتى السابعة و لكن حين يصل لا يأخذ الرب بعين الاعتبار وساطة ملك السماء السابعة فيأمر ب تعليق الجد على مسمار خشبي راح يتغذى يوما بعد يوم من جسد الجد الذي يسارع إلى ترميم الثغرات التي يحدثها المسمار ص 114
يقدم حسن حميد بَديلا عن الهدم بالبناء تفاعلا و تواصلا مع بلده البعيد المحتل ففهرس الكائنات يوقظ اللغة من سباتها و يشخّصها أوصافَ مرسَلة لأعمال نساء قريته ينتشرن عناقيد يغسلن و ينسجن و يصنعن الخبز فتضجّ لمشهدهن آلاف اللوحات في خيال الكاتب و تنتشر روائح الأرض بمائها و نباتها و عطر أجسادها فيعود طفلا لا يَذْْكُرُ إلّا ساعة الفطام الرهيبة المتزمنة في لاشعوره و لاشعور آبائه و يعكف كالملهوف يبحث عن أيّ أثر يؤدي إلى الماضي و يثبّته في الشعور و يحفظه فيمشي على بساط من المسرّة الكونية تارة و يتعثر على سراط من الحديد المصهور تارة أخرى و
لهذا تبدو الرواية كمتحف مصطلحي لأسماء الأشجار و النباتات (العلّيق، النجيل، الدريهمة، الكلخ، البندورة، القثاء، الفليفلة، الخيار، البطيخ، البلان الشوكي، القصب، التين، الرمان، العنب، السنديان، الطيون، الشومر، النعناع البري، الغار، الحلفا، البلوط،البطم، الخروب السعد، البربير، الصفصاف، الطرفا، الزعرور، الدلب، السدر، السلبين، الحواكير، الكينا، الزيزفون، الحور، الزيتون، الشاي الخشن، القمح ، الشعير، العدس، الحمص ، الدوالي...) و الأماكن (التربة الحمراء، المعصرة، المصبنة، طواحين الماء، حوامات المياه الحلزونية، المقلع، المقاثي، المصاطب، الأسيجة، الجسر، النهر، الصخور، الأسطحة، الأزقة، جدول صغير، الدروب الملتوية الضيقة، الحجارة البازلتية السوداء، غابة النهر، النبع، الزواريب، البراري الواسعة..)و الأشياء (ابريق الزيت النحاسي، الفرنية، القفف المصنوعة من أعواد القصب، الجِِرار، الدِلاء، البلطة، الخيش، النعل، براميل الزيت، جزات الصوف ، أكواز الذرة الصفراء، المؤونة...)إنها دفاع عن الوجود و البقاء من خلال اللغة و هذه الطريقة في الكتابة تجعل من الرواية فنّا على جانب كبير من الأهمية لقدرتها على استيعاب كمّ هائل من الأسماء و الأوصاف و السرد تتيح للكاتب مساحة كبيرة لوصف الواقع او خلق واقع متخيَل مفارق..
لهذا نجد الكاتب يعاقب يعقوب من داخل ذاته إذ تسأله ابنته مستنكرة : و كيف لا تعرف أسماء الأمكنة و النباتات و الأسماء يا أبي و هي لنا؟ و كيف تكون لنا و نحن لا نعرفها؟ ص 112 سؤال يفضح اللاشرعية بطزاجة لحظة الكتابة و ضراوتها و يشرّع لعدم الاعتراف. في حين تظهر في مكان آخر من الرواية المصاطب..التي يرمي الأهالي فوقها التعب و الأحاديث و الحكايات القديمة و الذكريات و التي يخطبون فوقها لأولادهم و بناتهم أو يعقدون صفقات البيع و الشراء و المبادلة، تلك المصاطب المنارة بالفوانيس أو ضوء القمر و التي فوقها يتوارثون تاريخهم و تاريخ أجدادهم من قبل ص111