آخر الأخبار

العرض السعودي المونودرامي عندما يأتي المساء

إنه سعي جاد للكشف عن لغة اللاشعور ضمن بنية أساسية تتحكم بنشاطات الإنسان عير حياته , هذه البنية التي استنبطها المؤلف فهد الحارثي حين غاص في أعماق النفس البشرية وقبض على منطقة لا شعوره وأخرجها إلينا عبر نصه المونودرامي " عندما يأتي المساء " , هذا النص الذي يحاكي دواخل الكائن البشري ويوضح ما يعتمل في داخله عبر ليلة واحدة , ومساء منفرد , وإنسان يتجلى بينه وبين نفسه في هذا المساء ويبوح ... ثم يبوح حتى يتوازى هذا المساء مع حياة كاملة , ومحررا الظاهرة من ذاتها ومطلقا هذه الذات في فضاءات تتسع لعمر كامل , وكاشفا لا معقولية هذه الحياة من خلال تداعيات تختزل زمننا حياتيا لإنسان يسير عبر زمنه محكوما بمراحل محددة قد تصل في بعض الأحيان لإلغاء وجوده من خلال العلاقات التي يفرزها مجتمع عبثي عدمي لا يحترم لا الظاهرة الإنسانية ولا يقدر تاريخا بل يسعى إلى تضيق النفس البشرية لدرجة الإلغاء وعدم احترام الوجود , هذا هو نص الحارثي الذي حقيقة استطاع أن يحقن الدمع لا في أعيننا بل في كل خلية من خلايانا , حتى خيل إلي أن الصالة ستفجر عويلا بين لحظة وأخرى فقد استطاع هذا النص أن يكشف عن الوجود كصخرة سيزيف التي نحملها مكرهين حتى نموت , بل ونسلم هذه الصخرة لمن يلينا وهكذا ....
هذا هو النص بشكل عام الذي حمله الممثل الرائع فهد الزهراني وقدمه إلينا من خلال فعايات مهرجان المونودراما الخامس في اللاذقية لعام 2009 .
فقد عمل الزهراني بحرفتيه لتقديم هذا العرض تمثيلا ومستعينا بخبرته الواضحة إلى استبطان ما أراد قوله الكاتب وتحويله إلى داخله ومن ثم إطلاق هذا الداخل وتعميمه عبر الحياة من خلال المشاهد , هذا ما انتهجه ستانسلافسكي بكون أن التمثيل فعلا إبداعيا محضا , وهذا أيضا ما أدركه الممثل من خلال علاقته في معرفة اكتمال معادلة الصراع الدرامي لكيانات متصارعة , ولن يكتفي بمفهوم آلية التحويل إلى المشاهد .. وأقصد هنا التحويل اللغوي بل استطاع الممثل أن يفعَل المفردة ويقلبها بل ويغيرها أيضا من حال إلى حال راغبا في تحقيق الفعل الكلامي الذاتي إلى أفعال شمولية كلية , وهذا ينم عن قدرة الممثل في التأثير على الآخرين , فكان أحمد الزهراني إذا تكلم أنصتنا , وإذا نظر بعينيه تحولنا إلى مسحورين , وإذا تألم بكينا لا لآلامه فقط بل لوجع الإنسان عموما , وهذا إن دل فإنه يدل على أن الممثل المبدع الزهراني تمكن من توزيع طاقته على المسرح عبر إدراكات علمية وفنية معا لإدارة فعل هذه الطاقة التي استطاعت أن تعبر أولا ثم تدير الفعل التعبيري ثانيا من خلال استعداد الممثل العميق لأداء أفعاله على الخشبة وقد عرف كيف يضبط جسده وروحه معا لتعميق أداءه فاتحا بذلك للمتلقي ليتلقى الحالة المركبة والمعقدة للفعل الإنساني من خلال النص , ومعلنا هذا الممثل أن وراء هذا العرض مخرجا في غاية الأهمية .
وعلى الرغم من أن الأساس المعتبر للمسرح هو المؤلف , ومن أن الجسد الأساسي للمسرح هو الممثل الذي يحمل في ذاته ما هو كامن في النص المسرحي , إلا أن قدر المسرح اليوم وغد يتعلق بالمخرج بدرجة كبيرة , ولا يمكن أن يكون عرضا مسرحيا مهما بدون مخرج مهم , هذا ما اتضح في عرض عندما يأتي المساء , هذا العرض الذي أخرجه أحمد الأحمري حيث ظهر الفعل الإبداعي للمخرج الذي تمكن فعلا من تحديد كل لحظة فعل وربطها بشعور محدد , وكل شعور جيَره إلى فعل كلي وشامل , وهذا ما بدا من خلال العرض حين كان الحدث الدرامي الذاتي يمسك بقوة منطق وتتابع الأحداث الكلية والشمولية حيث أظهر لنا المخرج بحرفية واعية خط الشعور الإنساني الذي يبحث عليه كل كائن بشري , فقد كان هذا الإظهار يبدو عفويا لكنه في واقع الأمر هو مدروسا دراسة متأنية , وخاصة ما لمسناه من توزيع الأزمنة المسرحية توزيعا مدروسا فقد كان الصمت يؤدي فعلا يضاهي أحيانا في العرض اللغة أو الحركة وهذا ما يدل على إدراك فعلي لما يريد أن يقدمه المخرج من حالة مسرحية تتخطى المنطق المسرحي السائد والعادي بل كما يقول ستانسلافسكي تتخطى المنطق المسرحي الميت ! . فقد تمكن المخرج من إيصال ما يريد للمثل دون قسر أو إملاء فوضع الممثل في مكانه المسرحي وزمانه الحياتي , أي من السبب الرئيس لوجود الممثل على الخشبة عبر زمانه ومكانه , واستطاع المخرج أن يقدم من خلال الممثل فعلا نموذجيا , وهذا ما بدا من خلال العرض الذي يتحدث في الواقع عن الجوهر الإنساني , ولم يقع العرض بالشكلانية حيث لم يكن في العرض أي شيء دون تبرير منطقي ودرامي معا وهذا هو العرض المسرحي الحي فعلا , حيث نرى كيف أن المخرج وظف جسد الممثل في كل مراحل الحياة دون أن يأخذنا إلى الافتعال التمثيلي , رغم أدراك المخرج وإدراك الممثل بأننا مدركين أن هذا الفعل تمثيليا , وهذا ما يتطابق وبرخت في الاشتغال على العرض المسرحي . كما أن استخدام الأغراض المسرحية والتي تحمل مجموعة من الدلالات الحياتية , كان استخدما معرفيا لا تزينينا بل كان موظفا توظيفا كليا , فلم يكن هناك ديكورا بالمعنى الكلاسيكي للمسرح بل مجموعة بسيطة من الأغراض المسرحية بما فيها السرير الذي كان كل شيء ابتداء من استخدامه للنوم وانتهاء باستخدامه قبرا مرورا بتصيره راحلة أو هودجا وبتتا كاملا , فقد ملء هذا السرير البسيط الفضاء المسرحي بشكل كلي مستعينا بذلك بإضاءة محددة لمجموعة معطيات العرض هذه الإضاءة التي استطاع المخرج أن يخرجها من التزينية إلى التوظيفية , وهذه مهمة الإضاءة الفعلية التي جاءت متناغمة مع الاختيارات الموسيقية وتوظيفها بشكل يخدم مجموعة البنى الدرامية التي أردها المخرج فوصلت إلينا شهية طازجة فشكرا لفريق العمل السعودي المتمثل في الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون فرع الطائف , وشكرا لورشة العمل المسرحي التي أنجبت هذا العرض وأتاحت لنا الفرصة لمشاهدته .
طاقم عرض عندما يأتي المساء :
المؤلف ففهد رده الحارثي
الممثل مساعد الزهراني
إضاءة جميل عسيري وإبراهيم عسيري
مؤثرات صوتية جمعان الذويبي
تصوير علي شقير
تصميم البراشور فيصل الخديدي
سينوغرافيا وإخراج أحمد الأحمري .

masrah111@yahoo.com