مع بداية مسرح خيال الظل ومحاولات أبي خليل القباني في مسرح الكوميضة أي الكوميديا مرورا بالتمثيليات الإذاعية الكوميدية وولادة لوريل وهاردي السوريين دريد ونهاد ومسرح تشرين.. وصولا إلى مرايا وبقعة ضوء... استطاعت الكوميديا السورية بواسطة نجومها ان تنسج حكاية واقعية عبرت عن هم المواطن السوري وكانت المتنفس الوحيد للتعبير عن حياته بأسلوب يرسم البسمة على مبدأ شر البلية ما يضحك أحيانا..
بداية الكوميديا في سوريا كانت على يد فرقٍ مصرية حملت معها بعد النصوص العالمية المترجمة إلى اللهجة المصرية إضافةٍ إلى بعض مسرحيات نجيب الريحاني، وخلال تلك الفترة أقنع الممثلون المصريون الممثلين السوريين أن اللهجة السورية لا تنفع للتمثيل وانها ليست مناسبة للعرض..
استمر هذا الوضع حتى بداية الأربعينيات ومجيء القصاص الشعبي حكمت محسن الذي استطاع بمساعدة الممثل تيسير السعدي وضع أول عمل سوري خالص من خلال تشويم المسرحيات العالمية، وفي هذه الفترة كان أبو الكوميديا السورية الفنان الراحل عبد اللطيف فتحي المعروف بشخصية بدري أبو كلبشة ، والذي استطاع أن يؤسس الطريق الصحيح للكوميديا في سوريا.
استمرت المحاولات الكوميدية في سورية واستمر التأييد أو التفشيل من قبل الجمهور، لكن ذلك كله لم يخفف من عزيمة الممثلين السوريين الذين كانوا يعملون في دمشق وحلب بآنٍ واحد إذ اسس الفنان عمر حجو في الخمسينيات ما عرف بـ مسرح الشوك والذي كان يقدم لوحات كوميدية ناقدة بمشاركة عدد من الفنانين الكبار واشترك معه حينها ياسين بقوش، فيما استمر عمل الفنانين الكوميديين في دمشق بعد أن فتح لهم مجالا جديداً في الإذاعة التي أصبحت الوسيلة الأكثر قدرةً على إيصال فنهم إلى الجمهور..
ويخبرنا الفنان تيسير السعدي أنه عندما كان يمشي في دمشق من سوق باب ساروجة حتى الحمدية والانتقال إلى السبع بحرات ومنطقة ابو رمانة حيث كان يسكن كان يسمع صوتاً واحداً هو صوت مسلسله الإذاعي، حتى أنه أصبح يكنى باسم مسلسله صابر أفندي نسبة إلى مسلسل صابر وصبرية الذي قدمه مع زوجته الفنانة الراحلة صبا المحمودي لمدة 13 عاماً دون انقطاع.
في منتصف الستينيات وبعد ظهور التفزيون انتقل العديد من الممثلين إليه حيث نقل العملاقان دريد ونهاد تجربتهما في مسرح تشرين الذي بدأ في السيتينيات وقدم عدداً من الأعمال المسرحية السياسية الكوميدية الساخرة، فقاما بتقديم مسلسل صح النوم وحمام الهنا وغيره من المسلسلات التي ما زالت مختزنةً في أذهان الكثير من السوريين حتى يومنا هذا.
في أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات استمرت الكوميديا السورية على حالها مع ولادةِ نجم جديد أنضم إلى متحفها في سوريا والذي كان مسلسل مرايا الذي قدمه للجمهور الفنان ياسر العظمة والذي استمر لأكثر من عشرين عاماً وكان النجم الأبرز في فترة الثماثنينيات وبداية التسعينيات، في الوقت الذي برز ما يسمى بـ المسرح التجاري والذي كان رائداه الأخوين قنوع، الذين استطاعا الوصول إلى الطبقات الشعبية والذي ما زال مستمراً حتى اليوم تحت اسم مسرح دبابيس .
مع منتصف التسعينيات وتغير الأوضاع العالمية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لم يعد الجمهور السوري يقبل بما كان يقدم إذ رفض متتبعوا الكوميديا السورية التجديدات على الشخصيات التي ألفها كما حدث مع مسلسل أبو الهنا للفنان دريد لحام، وأراد الابتعاد عن الشخصيات النمطية التي لم تعد تفي بالغرض فطيبة ياسينو لم تعد تتناسب مع العصر كذلك مقالب غوار أو المصائب التي تنهال على الضحية حسني البورزان لذلك كانت الحاجة ملحة للتجديد والتي توجت في بداية العام ألفين مع ولادة مسلسل بقعة ضوء .
لم يكن مسلسل بقعة ضوء بعيداً كل البعد عن مرايا أو حتى عن مسرح الشوك إذ أن المخرج الليث حجو كان هذا الشبل من ذاك الأسد فاستطاع الاستفادة من تجربة والده في مسرح الشوك وقدمها للتلفاز بطريقة لطيفة استطاعت لفت نظر الجمهور السوري والعربي وعبرت عن واقع المجتمع بطريقة لطيفة كوميدية ناقدة.
وخلال هذه الفترة كلها ظهرت محاولاتٌ متفرقة لإعادة مفهوم الشخصية النمطية إلى التلفزيون لكنها لم تكن ناجحة كثيراً بل تفوقت عليها السلسلة التي صنعها المخرج هشام شربتجي في عائلاته المتعددة النجوم في عيلة خمس نجوم وما تلاها ومحاولات أيمن زيدان في مسلسلاته الكوميدية، إلا أن عودة ظهور الشخصية النمطية بطريقة أحبها الناس لم تكن شوى على يد الليث حجو مرة أخرى في ضيعة ضايعة ربما لجدة المكان والزمان والشخصيات، وربما لجدة اللهجة التي أصبح اللجوء إليها نوعاً من التغيير أو إنذاراً بأن الكوميديا السورية لم يعد لديها ما تقدمه فلجأت إلى وسائل أخرى؟!!
سبعون عاماً تقريباً من العمل المتواصل الذي بدأ بمن الكراكوز وما زال مستمراً والذي مر بمراحل متعددة جعل للكوميديا السورية اسماً بارزاً بصفتها فناً مستقلاً بذاته ونجاحاً يضاف إلى نجاحات الدراما السورية، لكن هذا يتطلب استمراراً في التغيير بالكم والنوع الذي قد يقودنا يوماً لرؤية مسلسلٍ كوميدي سوري بطريقة الـ سيت كوم أو أننا سنخترع نوعاً جديداً في المستقبل.
راما جرمقاني - كلنا شركاء