آخر الأخبار

- قــصّــة حــب عــراقــيــة

 "........ هذا السّيف الذي أمسك يحرقني فلتصفحي إن ماطلتُ و راوغت فذلك أسلوب الوعي الشقيّ... أنا طلّقت القلم، طلّقت الجزء المشلول المريض الذي ما عرف غير لون الدم ... اعذريني فأنا احبك" عليّكتب هذه الأسطر ورحل.. كانت تعرف أن الرّبيع لن يأتي تلك السنة و لا الخريف.. حتى الشتاء و الصيف لن يكونا بالصورة التي تعوّدها البشر.. شعر بالعجز.. و هي تعرف تماما أن العجز أقبح المشاعر خاصة إذا أصاب من تعوّد أن يكون قويا دائما.. مهاجما أبدا...الحرب و الحبّ... سيفان مسلّطان على رأسيهما منذ ولدا.. لم يكونا يفقهان شيئا عندما بدأت رحى الحرب تدور مع إيران.. كان له من العمر عشر سنين و كان يكبرها بثلاث و لكنهما شبّا على مشاهدة الدمار و الخراب... كانت إيرانية الأصل و قد غذّى صراع الجانبين علاقتهما بشيء من التحدّي المزمن.. كانا يغضبان لأتفه الأسباب ويتواصل الخصام أسابيع طويلة و لكنهما كانا يعودان في كل مرّة أشدّ رغبة وأغرب عشقا.كانت تقول:" هل صحيح أن حبّنا أكبر من سنّنا؟"فيقول:" ربما.. لقد أنضجتنا الحرب قبل الأوان وربّما كان هاجس الفراق الذي يلازمنا أكبر موقد لنار الحبّ .. الخوف من الفراق، الغربة في الوطن.. الغربة عمّن نحبّ.."كانت قد فرّت هي و عائلتها من إيران.. ولجؤوا إلى العراق حيث استقروا واختلطوا بالأهالي و لكن الحرب الناشئة أثّرت على علاقتهم بالسكان غير هذه العلاقة التي كانت في شفافة النجوم و ألوان الطيف..درس كلاهما بنفس المدرسة و نفس المعهد، و كان عليّ ولوعا بالنظريات القائمة يحمل الكتب الممنوعة ليلا إلى البيت و يعكف على قراءتها و الاستزادة من لهيب الثورة التي يخترقها... كان يطمع لتغيير وجه العالم و قد زاده الشباب حماسا غير عادي فكان ذلك أكثر ما تحب فيه..- "عليّ، كم تحبني؟"قال بإصرار: "كم احبك!... و لكني لا أرى معك إلا الحاضر.. أفقي مليء بأطياف لأشخاص مجهولين.. و بطموحات قد أقدر على تحقيقها و قد لا أقدر.. إني اشعر أحيانا أنك تكبلينني بكل ما فيك من الصفاء و العذوبة .. عيناي معلّقتان إلى أعلى.. هناك.. حيث السيادة و السلطة.."- "بتّ لا أفهمك.. أنت تتغير بسرعة عجيبة.."و انتهت الحرب العراقية الإيرانية بينما كان عليّ يستعد لمواصلة تعليمه.. كان نابغة.. وقد تطلب اختصاصه الالتحاق بجامعات نيويورك أمّا شيراز فبقيت في العراق تعيد السنة... بدت نيويورك لعليّ كمدينة ألعاب كبيرة كل آلاتها و بناءاتها من الورق.. بهرج زائف و حضارة مادية صارخة.. امرأة قوية.. بلا دفء.. وذكر بغداد.. فعبق المدرّج برائحة الحجارة و آلاء السماء..مضى نصف شهر على إقامته بنيويورك.. تعرف على كاثرين ... أمريكية جدا.. رغم أصلها العربي.. تدرس معه بالجامعة.. عاشقة للدماء الحارة.. تحيي بها ما مات تحت سماء نيويورك الرمادية..كانت تملك شقة هناك فاتفقا على العيش معا... لم يكن عليّ ليتنازل عن أحلامه التي شبّ عليها و ترك لأجلها موطنه.. كان يدرس علم الآثار و الطرق الحديثة لإعادة تشكيلها وفق المقاييس القديمة التي بنيت بها..هل أحبته كاثرين...؟ لقد تعودت عليه وسعت إلى تعويده الخضوع في الفراش .. كانت تركبه فإن رفض تنفرط في نوبة رهيبة من الصراخ و البكاء لا تسكت عنها إلا إذا استكان ورضي.. كان يحتاج إلى الإقامة والأوراق الرسمية.. تبّا لها.. وذكر شيراز... في السنة الأخيرة من علاقتهما كان يحاول أن يمارس معها الحب فكان الخجل يعلو محياها حتى الأذنين.. وكانت ترسل أنّاتها من تحته حتى يشعر أنّه فارس البرّ و البحر و أنّه قادر على حكم العالم بقبضة واحدة.. ولكن كاثرين... تبّا لنيويورك......كان يرى في منامه حلما يتردّد كل ليلة و لا يجد له تفسيرا...كان يعرض له في أوّل الليل أو منتصفه فيطرد النوم عن جفونه: صورة قلعة شديدة الحصانة في بغداد تمتلئ بالجنود الأمريكيين... و يكثر ضرب المدافع حتى تتغشى السماء بدخان كثيف أسود... فينهض مذعورا و هو يكاد يختنق...كان يظنّ أن ذلك بسبب علاقته بكاثرين و لكن الحلم تحقّق بعد أسابيع قليلة: حرب الخليج الأولى...قطع علاقته بكاثرين و سجن مرات عديدة ثم هاجر من أمريكا و التحق بموسكو حيث أتمّ دراساته العليا هناك..و كان موضوع أطروحة الدكتوراه تقديم صورة رقمية للمعمار البابلي الآشوري الذي يعود إلى 625 ق.م....ارتفع البناء أمام عينيه صلب الأركان بينما كانت النار تلتهم مدينة الألعاب الورقية....