المازوت (يُشعل) الشارع
لم تكن مادة “المازوت” يوماً مجرد وقودٍ تُقاس به مسافات الطرق، بل هي شريان الحياة الذي يضخ الدماء في عروق الاقتصاد اليومي للمواطن؛ من النقل إلى الكهرباء، ومن فرن الخبز إلى سعر كل حبة غذاء على مائدته. لكن قرار “الحكومة الانتقالية” الأخير برفع سعر المشتقات النفطية، وبحدود وصلت إلى 40% للمازوت تحديداً، لم يكن مجرد صدمة اقتصادية فحسب، بل كان عود الثقاب الذي أشعل موجة احتجاجات عارمة اجتاحت المدن السورية، رافضةً كل المبررات الرسمية
تذرعت الحكومة بـ “ارتفاع سعر برميل النفط العالمي”، وهو مبرر سرعان ما اصطدم بجدار الواقع المرير، ليطرح الشارع السوري سؤالاً وجيهاً وموجعاً: “هل يقارن دخل الفرد في سوريا، المتهالك منذ سنوات، بدخل مواطني الدول الأخرى ليتحمل وحده عبء هذه الزيادة الفلكية؟”.
معادلة النفط العراقي والآبار الشرقية.. أين السياسة؟ وأين الأرقام؟
لم تعد الاحتجاجات تطرح فقط وجع الجيب، بل تطرح أسئلة “السياسة والاقتصاد” التي تكشف عجز الحكومة عن إدارة الأزمات. يتساءل الناس بمرارة: كيف لملايين اللترات من النفط العراقي أن تتدفق يومياً عبر الأراضي السورية للتصدير إلى الخارج، ولا تستطيع الحكومة إبرام عقود لتأمين النفط بأسعار مخفضة أو مقايضة؟ أليس العراق بحاجة ماسة للمنافذ السورية والأراضي السورية لعبور بضاعته؟
والسؤال الأوجع: أين هو عائد “آبار النفط الجديدة” التي سيطرت عليها الحكومة في المنطقة الشرقية؟ أين ثروة الوطن التي وُعدنا بأنها ستُنقذنا من فساد الماضي؟
لقد تجاوزت الاحتجاجات حدود “قضية المازوت” لتتحول إلى محاكمة شاملة لأداء الحكومة الانتقالية برمته. الناس، التي باتت فاقدة للثقة بالأرقام المتناقضة التي تُرمى على عجل في المؤتمرات الصحفية، تتهم الحكومة بـ “احتكار السلطة”، وتبديد الدعم الخارجي والمساعدات الدولية على أعضائها والمحسوبين عليها، تاركةً الشعب “عارياً” تحت وطأة ارتفاع الأسعار، وفاقداً لأي أمل بفرص عمل أو معيشة كريمة.
نسف الأوهام
النقطة الأعمق والأخطر في هذه الاحتجاجات ليست في المطالب المعيشية فحسب، بل في “كسر الأوهام” التي كانت تروجها السلطة الانتقالية منذ اليوم الأول. لقد سقطت ثلاث مقولات كبرى في شوارع المدن السورية:
- وهم “فلول النظام السابق”: كسرت الاحتجاجات الأسطوانة المشروخة التي كانت تروجها أوساط مقربة من السلطة، بأن كل صوت معترض هو من “بقايا النظام السابق” أو “أبواقه”. لقد أثبت الشارع أن جوعه أصيل، وغضبه وطني، ولا يمت بصلة لمؤامرات الماضي.
- وهم “التعافي السحري”: تحطمت الفكرة الساذجة التي روّجها البعض بأن “التخلص من الديكتاتور السابق سيحقق النمو والتعافي الاقتصادي بين ليلة وضحاها”. لقد استيقظ الناس من حلم التغيير السياسي ليصطدموا بكابوس الواقع الاقتصادي، وليدركوا أن إسقاط الرأس لا يعني تلقائياً بناء جسد سليم.
- وهم “بناء الدولة”: تبيّن للناس أن شعارات “مرحلة بناء الدولة تمضي قدماً” هي مجرد حبر على ورق. البلد لم ينجز أي وعد من وعود السلطة الانتقالية الكثيرة، بل إن الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيشي تتسع يوماً بعد يوم.
نهاية “نشوة النصر”
الأهم من كل ذلك، هو كسر “الحاجز النفسي” لدى المواطن. لقد انتهت “نشوة النصر” وإسقاط الديكتاتور السابق؛ تلك النشوة التي غطت لفترة على عيوب المرحلة الانتقالية. اليوم، أدرك الناس أن القضية قد “استُهلكت واجتُرّت حتى الثمالة”، ولم يعد أحد يلقي بالا للحكايات القديمة أو التبريرات المكررة.
الشارع السوري اليوم، في خريف 2026، لا يبحث عن شماعة يعلق عليها أخطاءه، ولا يقبل بوعود مؤجلة. الاحتجاجات الحالية هي رسالة واضحة للحكومة الانتقالية: لقد انتهى زمن “الهالة المعنوية” و”شيكات على بياض”. إما أن تقدموا سياسات اقتصادية حقيقية، عقوداً نفطية عادلة، ومحاسبة للفاسدين والمحاسيب، وإلا فإن الشارع الذي أسقط الطاغية، لن يتردد في محاسبة من خانوا أحلامه بعد الرحيل.
(رأي الموقع)