آخر الأخبار

رحلة إلى تل اللحم 1

العراق تحت ظلمة الديكتاتورية ماخور كبير

في سبتمبر العام الماضي، نُشرت في ألمانيا رواية العراقي نجم والي تل اللحم ، مترجمة إلى اللغة الألمانية تحت عنوان رحلة إلى تل اللحم ، وفي أيام قليلة قبل معرض فرانكفورت العالمي للكتاب أثار الكتاب نقاشاً عريضاً ليس في العالم العربي - حيث مُنع الكتاب في خمس بلدان عربية (مصر، سوريا، الأردن، المملكة العربية السعودية، الكويت) - وحسب، إنما أثار نقاشاً واسعاً في الصحافة الألمانية أيضاً، لأنه كتاب يختلف عن غالبية الأدب العربي المعاصر.
إذا أردتَ أنت التعميم، فأنني أصف العراق كما لو كان ماخوراً كبيراً ، أجاب نجم والي، الذي يعيش في منفاه الألماني منذ أواخر عام 1980، في مقابلة طويلة، إحتلت صفحة كاملة في الصحيفة الألمانية الواسعة الإنتشار فرانكفورتير روندشاو Frankfurter Rundschau (الخميس 7 أكتوبر 2004 ص 29). ليس من الغريب إذن أن يسبب الكتاب ردود فعل قوية بهذا الحجم. فالكاتب نجم والي، وبنظرة نقدية لاذعة وصارمة، وبدون إشاحة النظر عن اشكال التحريم، أياً كانت، يصف العراق تحت ظلمة ديكتاتورية صدام حسين، على شكل بلد ممزق ومحكوم بالحروب على الدوام. الرواية هي في الحقيقة بورتريه مؤلم ومرّ لمجتمع يغرق في عنف مستنقع يائس من الفساد، من الخديعة والنفاق.
علاوة على ذلك، فإن رواية نجم والي رحلة إلى تل اللحم ، هي قصة مليئة بالأحداث action )سلسلة الأحداث التي تشكل العمل الأدبي)، بالتهكم irony وبالأعاجيبية miracles. انها تُشبه رود موفي roadmovie (فلم تدور أحداثه في سيارة تسير على طريق الخط السريع)، نواجه فيها شخصيتين رئيسيتين، نجم ومعالي، في سيارة مرسيديس 280 أس مسروقة، في طريقهما إلى المدينة الأعاجيبية تل اللحم في جنوب العراق. أنهما يتعقبان شريكيهما، وجيهة وأسيد لوتي، اللذين هربا سوية بينما كان نجم يؤدي الخدمة العسكرية جندياً في حرب الكويت.
أثناء الرحلة لا يبوحان بقصصهما الواحد للآخر وحسب، إنما بالتوازي مع ذلك يرويان قصص شريكيهما، أصدقائهما وأعدائهما، وشيئاً فشيئاً، مثل قصص شهررزاد في الف ليلة وليلة ، عندما تبدأ هذه الشظايا fragments بلقاء بعضها البعض، وتصبح familiar مألوفة لبعض. يواجه القاريء شخصيات غريبة، مثل تلك الأم التي تقرأ الكتاب عن طريق شم حروفه بالأنف، أو مثل زوج معالي، أسيد لوتي، رجل عادي ينجح في أن يصبح مشهوراً في ظل حكومة توتاليرية عن طريق ترويض الديَّكة، صعود النخل، وصيد السمكة الضخمة المعجزة، سمكة الجَّصانية، رمز لشط العرب، ولوجبة غذاء الديكتاتور المفضلة.
بالإضافة إلى ذلك، فخلف كل هذه القصص الفنطازية تكمن حقيقة مرة. البيوت التي تختفي فيها سمكة الجَّصانية تحت الماء، هي أيضاً مكان المخزن السري للأسلحة الكيمياوية. الدعارة كجزء من الخطة الخمسية، تتحول إلى سياسة الدولة الرسمية؛ أما شهرة مدام البورديل، القوادة إفطيم بَيّ دَيّ، صاحبة بيوت الدعارة في العراق، فلا تأتي بسبب الفتيات الجميلات التي تملكها وحسب، إنما بسبب نجاحها في تكنيك عمليات الإجهاض أيضاً. خلف كل قصة هناك قصة أخرى، وليس كل ما يزعمه شخص هو عن نفسه!
في النهاية عند الوصول إلى تل اللحم، يكتشف نجم ومعالي نفس المجتمع grotesque ( شيء غريب على نحو بشع أو مضحك؛ خيالي، غريب، على نحو بشع أو مضحك؛ متنافر على نحو متسم بالإحالة أو البشاعة؛ مغاير لكل ما هو طبيعي أو متوقع أو نموذجي): بشر إستأصلت الحروب جذورهم، يتجولون دون هدف أو طموح من فندق الحيارى إلى مقهى الأمل ، يروون قصصاً تدمج الحقيقة بالوهم، الواقع بالخيال. شخصيات محرومة من الأمل، من الثقة والحب، كل هوية شخصية لأحدهم تثير الريبة والشك. في النهاية، حتى معالي تظهر، أنها ليست معالي.
انها هذه القصص الصغيرة الغريبة وحسب التي تُُعيد التذكر، تُضفي معنى لزمن اللا معنى وفقدان الحس في الزمان والمكان والعجز عن معرفة الهوية الذاتية، الذي تسببه الحرب، عندما تحدث أمور لا يعتقد الإنسان أنها من الممكن أن تحدث. في اسلوب تهكمي وتمثيلي إستعراضي، يطرز الكاتب هذه القصص سوية، ويصّف التراجيدي إلى جانب الكوميدي. هذا الأسلوب ربما يثير الإستفزاز عند بعض النقاد لكي يتهمونه بأنه أسلوب مروع ، يقدم مساعدة صغيرة لإعلام القراء بوقائع الحياة في العراق المعاصر، لكن النظر للواقع بصفته تمثيلية إستعراضية ، كما صرح الكاتب في المقابلة ذاتها المذكورة أعلاه، يمكن أن يساعدنا لكي نعثر على أمل طازج. هذا الاسلوب يغري ويأسر القاريء، لأن تهكميته تصدمنا وتثير عندنا طرح اسئلة جديدة .
رحلة إلى تل اللحم هي من الجائز ألا تكون قصة تعتمد على واقعة حقيقية fact، لكنها تساعد القاريء كي يفهم الحقائق. صحيح انها قصة فنطازية، خيالية fantastical story، لكنها علاوة على ذلك، وفي الوقت نفسه، وبكل ما تحويه من نفاذ بصيرة insights عميقة وحساسة، هي قصة واقعية بلا ريب decidedly real.

صوفي ريشتير ديفرو (Sophie Richter Devroe )باحثة ومترجمة ألمانية، نُشر المقال في مجلة بانيبال، لندن